العنف الدموي في العهد القديم - د. جورج حبيب بباوي

العنف الدموي في العهد القديم - د. جورج حبيب بباوي

Dr. George Habib Bebawy

كثيراً ما سمعت وقرأت هذا التساؤل عن العنف في العهد القديم، ومن التساؤل يستنتج بعض الأخوة سؤالاً آخر: هل إله العهد القديم هو ذاته إلـه العهد الجديد؟ ماذا عن قتل الرجال والنساء، وأخذ النساء سبايا (عدد ص ١٣)؟ كيف يأمر الله بالعنف الدموي، وهو إله المحبة؟

أولاً: لا يوجد كتاب اسمه العهد القديم، بل حسب التقسيم القديم، توجد التوراه - الأنبياء - الكتب التاريخية - أسفار الحكمة. وقد اختُصِرت هذه الكتب بحسب النطق العبراني في الكلمة "تناخ" : توراه – نبيين – حكمة. ولعل القبطي الأرثوذكسي قد لاحظ أن هذه المجموعة من أسفار العهد القديم لا تُقرأ في القداسات، وإن كانت بعض الفصول المختارة تقرأ في أسبوع البصخة، وتشمل النبوات عن المسيح، ونبوات الأنبياء عن نهاية إسرائيل حكومة وملكاً ومملكة، وهيكلاً، بل نهاية العهد القديم في أرميا۰۳۱:۳۱

وعندما لا يميز المسيحي بين العهدين عهد قام على الشريعة، وعهـد قـام وتأسس على شخص الله الكلمة، فإن الانحراف عن قصد الله في نقل الإنسانية من الطفولة إلى البلوغ، يصبح غير واضح.

 

ثانياً: العهد القديم هو مملكة كانت تحت قيادة الأنبياء، صموئيل النبي، وقيام داود بعد سقوط شاول الملك إلى السبي البابلي في عهد منسى الملك.

إذن، فتلك تشريعات خاصة بالحرب وتأسيس مملكة ثيوقراطية تحكم باسم الله، وتجد هذه المملكة ذاتها ملزمة بالحرب، ولم تكن تصرفات بني إسرائيل في الحرب تختلف عن تصرفات الشعوب الأخرى مثل الفرس والأشوريين، بل والمصريين أيضاً.

 

ثالثاً: أما العهد الجديد، فهو ليس حكماً ثيوقراطيـاً، ولا هـو مملكة أرضية، وليست الشريعة هي حجر الأساس فيه، بل يسوع الـرب "عهـد جـديـد بـدمـي الـذي يسفك عنكم وعن كثيرين يُعطى لمغفرة الخطايا"، لا لعقاب الخاطئ.

 

رابعاً: لم تطلب الشريعة القديمة تجسد ابن الله، ولا صلبه، ولا قيامته (يو ٣: ١٦)، بل أرسل الآب ابنه لكي يفدي ويحرر الذين هم تحت الشريعة (غلا 4: 4-6)

وعلى ذلك، فاختلاف العهدين هو الجواب الواضح، وليس الله الواحد الذي لا ينقسم إلى إلهين، إله عهد قديم وإله عهد جديد.

أساس العهد الجديد هو يسوع، وهو شخص وليس شريعة. وقد أبطل يسوع كل أحكام الشريعة لأن السبت جُعِلَ لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت. وقد كتب القديس بولس الرسول بحثاً، هو الرسالة إلى رومية أوضح فيه:

وأما الآن عندما تجسد ابن الله - فقد ظهـر بـر الله بدون الشريعة (رو 3: 21)

بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كـل وعلـى كـل الـذين يؤمنون (رو 3: 22)

إذ نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون الأعمال التي تطلبها الشريعة.

 

كان إيمان إبراهيم هو الذي برره لأنه حُسِبَ له (تك ١٥: ١ – ٦)، إذ آمن إبراهيم بالرب فحسب له براً. كان الإيمان هو سبب تبرير إبراهيم (رو ٥: ١)، وهنا أن نقول إن استعارة الكلمة القرآنية "بر"، هي استعارة غير موفقة؛ لأن "بر" تعني الإحسان، أما حسب لغتنا القبطية، فالكلمة تعني "ⲙⲉⲑⲙⲓ"، أي الحق، وهي أيضاً: تعني "ص د ق"، فالصدق هو الحق.

وعلى ذلك يكون المعنى: ظهر صدق الله وحقه في أنه ليس تحت وصاية الشريعة، ولم يخلق الكون والإنسان لأن شريعة حكمت بالخلق، ولا توجد شريعة تحكم بفداء الإنسان، سوى صلاحه ومحبته، وهي ليست شريعة. ولذلك يقول رسول الرب: لم أعرف الخطية إلا بالشريعة (رو ٧: ٧).

وحسب تاريخ العهد القديم لم يكن شعب إسرائيل أفضل أخلاقياً من الشعوب الأخرى المحيطة بهم، ومن السخافة أن يقول بعض الذين لم يفهموا الفرق بين العهدين: إن الله عاقب هذه الشعوب بواسطة بني إسرائيل. لأن السبي جاء ليقول لنا، بل ليصرخ: "الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله."

 

إن الفرق بين المملكة والكنيسة هو أحد الفروق الهامة بين العهدين: عهـد الظلال، وعهد النور. فالشريعة من الله لحكم مملكة لها قانون.

أما الفداء، فمن الله لكي يحرر الإنسان بالشركة في حياة الثالوث، وهي شركة نعمة من الآب بالابن في الروح القدس.