في كتابه المعنون "المسيحية والثقافة"، كتب جورج فلوروفسكي، مشيرًا إلى اللاهوت الأرثوذكسي:
"إن العملية ذاتها التي وُصفت بطرق مختلفة بأنها تَهْلِين للمسيحية، يمكن فهمها بالأحرى على أنها (تَمَسْيُح للهلينية). لقد تم تشريح الهلينية، إن جاز التعبير، بسيف الروح، فتم استقطابها وتقسيمها، وظهرت هلينية مسيحية إلى الوجود.
فمنذ أن فتح القديس بولس باب الإنجيل أمام العالم الهليني، أصبح مصير المسيحية متشابكًا بلا رجعة مع الهلينية."
بالنسبة لفلوروفسكي، ليست المسألة ما إذا كانت المسيحية قادرة على الاستغناء عن الهلينية، بل ما إذا كانت المسيحية قد عمّدت الهلينية، أم أن الهلينية قد أعادت إلى المسيحية طابعها الوثني.
هل تمكنت المسيحية من التغلب على الهلينية، رغم اعتمادها الكبير على الأخيرة في مصطلحاتها ومفاهيمها؟
هل ظل القول القديم صائبًا: "أن لا تتفلسف هو في حد ذاته نوع من التفلسف"؟
تشير تاريخية الكنيسة الآبائية إلى أنه بالإمكان تقديم ما هو أفضل من مجرد التفلسف. فهي تُظهر الحاجة إلى التفلسف من أجل تجاوز الفلسفة، أي من أجل ممارسة اللاهوت.
ومن خلال ذلك، حافظوا على أسرار اللاهوت التي تتجاوز حدود الفلسفة.
كما عبّر القديس ماكسيموس المعترف، على سبيل المثال، فإن التأمل الطبيعي يجب أن يقود الإنسان إلى "سر اللاهوت الحقيقي" بعد أن يسمو فوق المحسوس و"جوهر الكائنات ذاته".
لا يمكن للاهوت الصوفي أن يظل في إطار ما وراء الطبيعة (أي التفكير في نطاق الكينونة)؛ لأنه يجب أن يسمو فوق الميتافيزيقا.
فليس كافيًا أن تتأمل النفس الحقيقة الثابتة، بل يجب أن تدخل أيضًا في (περιχώρησις التداخل الإلهي، أي بمعنى الاتحاد المتبادل في محبة الله).
حيث بحسب كلمات القديس ماكسيموس: "سيتولى الله بكليته النفسَ بكليتها بطريقة تليق بالصلاح، ويغرس ذاته بكليتها في النفس بكليتها بطريقة تليق بالله وبدون انفعال".
في هذه الحالة، أي في حالة الثيؤسيس (التألّه أو التألّه بالنعمة)، تُتجاوز الفلسفة، ويدخل الإنسان في ميدان الصلاة الذي تحدث عنه الهدوئيون (Hesychasts).
الهدوئيون: جماعة روحية في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية يمارسون الصلاة والتأمل في صمت وتعرف باسم الصلاة القلبية أو صلاة يسوع.
اللاهوت الأرثوذكسي يبرهن على أن اللاهوت، رغم اعتماده على الفلسفة في مفرداته ومفاهيمه، يتجاوزها تمامًا.
فالهدف النهائي للاهوت هو الميستاغوجيا (μυσταγωγία)، أي البدء أو الدخول في الأسرار، أي معايشة رؤية الله، النور الغير مخلوق.
وبحسب كلمات المتروبوليت هيروثيوس من نافباكتوس، فإن هذا يعني أن اللاهوت يجب أن يكون متجذرًا في الخبرة أو المعرفة الناتجة عن المعايشة والتجربة: ἐμπειρία.
إن اعتماد المسيحية على الفلسفة اليونانية، على أفلاطون وأرسطو، هو حقيقة واقعة.
فقد قُرئت الكتابات المقدسة باللغة اليونانية، العهد القديم والعهد الجديد على حد سواء.
القديس بولس، الذي كان يتحدث ويكتب باليونانية، سافر إلى المراكز التجارية في العالم الناطق باليونانية، وكرز لليهود والوثنيين الناطقين بها.
أحد المصطلحات الفلسفية الرئيسية (οὐσία)، أي الجوهر أو الكينونة، استخدام لصياغة مصطلح لاهوتي جديد هو: (ὁμοούσιος)، أي المساوي في الجوهر، من أجل حل الجدل الآريوسي؛ وقد أدرج هذا المصطلح الجديد في قانون الإيمان النيقاوي سنة 325م، ليُتلى أبديًا وعلى مستوى العالم ضمن الليتورجيا الأرثوذكسية.
ومصطلح آخر مأخوذ من الفلسفة الرواقية هو: (ἀπάθεια)، أي اللامبالاة أو التجرد من الأهواء.
اعتمده أفلوطين بسهولة، ثم انتقل إلى آباء الكنيسة الذين استخدموه ضمن ممارستهم النسكيَّة المسيحية.
وقد كان الرواقيون هم أول من استخدموا التفسير الرمزي الأسطوري لتأويل الأساطير اليونانية والرومانية.
أما الفكرة اليونانية الجمع بين الخير والجمال (τὸ ἀγαθόν)، كما ورد في كتابات أفلاطون وأرسطو، فقد تبناها أفلوطين دون تردد، ثم اقتبسها لاحقًا كل من القديس أغسطينوس والقديس ديونيسيوس الأريوباغي.
وبالنسبة للأخير، فإن الكون بأسره خير وجميل لأنه ليس سوى تجلٍّ لله.
ملحوظة مهمة: استخدم الآباء الفلسفة والمصطلحات اليونانية للتعبير والحوار في لغة ذلك الزمان، فكان أسلوب الحديث هو استخدام الفلسفة للوصول إلى الحقيقة.
فإن الله هو الذي ينبثق منه الخير والجمال، وهو، باعتباره العلة المتجاوزة، يفوق الخير والجمال في ذاته، بينما يظل مصدر كل ما هو جميل وخير.
وإلى هذه المصطلحات الفلسفية التي ذُكرت، يمكن إضافة المزيد مثل:
الأقنوم: ὑπόστασις
الطاقة أو الفعل: ἐνέργεια
الطبيعة: φύσις
العقل: νοῦς
الكلمة أو العقل الكلي على سبيل المثال لا الحصر: λόγος
كل هذه المصطلحات محمّلة بدلالات غنية في الفلسفة اليونانية، وكذلك في اللاهوت الآبائي.
بدءًا من القديس أثناسيوس الكبير، والقديس ديونيسيوس الأريوباغي، مرورًا بالقديس مكسيموس المعترف، وصولًا إلى القديس غريغوريوس بالاماس الذي أود التركيز عليه في هذه الورقة، كانت المصطلحات الفلسفية والتكوين الفلسفي أمرًا أساسيًا في محاولاتهم:
من جهة، لحماية الأرثوذكسية من البدع، ومن جهة أخرى، للانفصال عن الوثنية اليونانية.
وقد أدان سينوديكون الأرثوذكسية (مرسوم الإيمان الأرثوذكسي) صراحةً وحرّم المذاهب اليونانية التي تتضمن:
سبق وجود النفس.
تناسخ الأرواح.
وأزلية المادة.
ومع ذلك، فإن نصوص آباء الكنيسة لا تُظهر تخليًا عن المصطلحات الفلسفية، بل على العكس، تبنيًا وتحويلًا لها لاستخدامهم اللاهوتي.
وفي هذا السياق، تتحول المصطلحات الفلسفية ذاتها، كما تحوّلت ثياب المسيح في تجليه على جبل تابور.
لم تتخلَّ المسيحية عن الفلسفة، بل حوّلتها وعمّدتها، لأن للمسيحية قوة تحويلية.
والمسيح في تنازله باتضاع، يشهد على هذه القوة من خلال تجليه وصعوده.
ورغم انتصار المسيحية على الفلسفة أو الهلينية، لا يمكن تجاهل التأثير الهليني في المسيحية.
كما كتب يوحنا مايندورف:
"على مرّ القرون، كثيرًا ما تأثرت الروحانية المسيحية بالمصطلحات والأفكار الأفلاطونية، والتي كانت تميل إلى تصوير حالة الإنسان الساقطة بوصفها صراعًا بين الروح والمادة."
فالانقسام بين المعقول والمحسوس على سبيل المثال، يعود مباشرة إلى أسطورة الكهف ورسم الخط المنقسم عند أفلاطون.
كما أن الارتياب في الصور (εἰκόνες)، أي التمثيل الزائف أو الوهم عند أفلاطون، وفي كتابات آباء الكنيسة لها جذور أفلاطونية واضحة، أي بما يوافق الحقيقة.
وكما أن المسيح نزل ليتخذ صورة الجسد من أجل أن يرفعه إلى المستوى الإلهي، كذلك دخل الإنجيل إلى العالم الهليني لكي يرفعه ويقدّسه.
فإن كان اللوغوس (الكلمة) الذي صار جسدًا يمتلك قدرة تحويلية، فهو بذلك يعيد تلخيص بذور لوغوس الفلاسفة ويحولها، أي يعيد توجيه معانيها نحو المسيح الكلمة المتجسد.