الهرطقة كتشويه للوجود: كيف تُفكك الإنسان وتُبطل سرّ المسيح؟

الهرطقة كتشويه للوجود: كيف تُفكك الإنسان وتُبطل سرّ المسيح؟

Abanoub Ayman

ما هي الهرطقة في جوهرها؟ هي تشويه للحقيقة، وبالتالي تشويه للإيمان وللحياة التي تنمو في حضن الحقيقة دي.

هي اختزال للحقيقة في فكرة، اختيار جزء أو جانب واحد من الحقيقة الكاثوليكية (الجامعة) وتضخيمه، واعتبار باقي الأجزاء نسبية أو غير مهمة.

بالتالي تحويل الإيمان من كونه رؤية كونية متكاملة نسعى لها ونكتشفها، رؤية لله والإنسان والكون في سياق خلاصي متكامل، إيمان متجسد في جميع جوانب الوجود، يتحول إلى رؤية مشوهة، هشة، وناقصة عن سؤال: احنا مين وايه علاقتنا بالله وبالعالم؟

"مجد الله هو حياة الإنسان، وحياة الإنسان هي في رؤية الله".

ق. إيرينيئوس أسقف ليون (1)

الصراعات على مدار تاريخ الكنيسة ما كانتش مجرد آراء بيختلفوا عليها الآباء وبيتجادلوا في حالة من الزهو الفكري أو الترف العقلي، مش صراعات بيخوضوها من أجل إعلاء ذواتهم وانتصارهم الفكري والفلسفي على أصحاب الفكر المغاير، ولا يجب أننا نخوض الصراعات دي بنفس الطريقة إذا كنا أمناء لنفس الحقيقة.

سر المسيح وخلاص الإنسان فيه، جسدًا وروحًا، هو المحرك الذي دفع آباء الكنيسة للمخاطرة لصياغة إيمانها وحقيقتها وخبرتها في لغة، في تحديد عقيدي بلغة مقبولة وبدون اختزال للحقيقة. وهي مخاطرة دعت لاستخدام اللغة السلبية Apophatism عن الله، وهتكون الطريقة التي تعبر بها الكنيسة في ليتورجيتها وكتابات الآباء عن حقيقتها بلغة التنزيه أو لغة الرمز أكثر من اللغة التأكيدية أو الحرفية.

لذلك تحديد العقيدة الصحيحة مش رأي لاهوتي، ومش مسألة كلامية أو لفظية، ومش وجهة نظر، لكنها تحديد للحقيقة وللإيمان المبني عليها، وضمان لعدم اختزالها وتزييفها الذي مش بس تم في زمن ظهور الهرطقة، لكن كمان بيتم في العصر الحالي بصور أخرى لها نفس النتائج على حياة الإنسان.

البعض لا يبالي بأهمية التمييز بين العقيدة والهرطقة، وده في الأغلب يرجع لنفس السبب الذي ذكرناه، أن الإيمان هنا "مش على مستوى الحياة"، لكن على مستوى الفكر فقط.

في الإيمان المسيحي لا "قطيعة" ما بين العقيدة والحياة: "ما نؤمن به نصلي به ونحيا به"، ما نؤمن به يؤثر في حياتنا بشكل أساسي، لذلك ق. أنطونيوس شدد في تعاليمه على الإفراز والتمييز بكونهما أهم مبادئ الحياة الروحية، لذلك بنسعى لمعرفة أساسيات الإيمان ونميزها، ونتعمق حسب قدرتنا وانفتاحنا على الحقيقة، في قدر من المعرفة أساسي لا غنى عنه.

إذا لم تبالي بعقيدة التجسد، لا معنى لصلاتك ولا صيامك، ولا الوصايا ولا حياة الفضيلة ولا الأخلاق كلها "(2) ليه؟ لأن لو لم يتجسد الله، يبقى لم يتحد بينا، مآخدش إنسانيتنا، يبقى احنا منقدرش نتحد بيه في المعمودية، ولا هتكون صلاتنا شركة في صلاته من أجلنا للآب، ولا صومنا شركة في صومه من أجلنا، ولا أخلاقنا أو سلوكياتنا تنبع من حياته فينا.

إيماننا بأن الروح القدس بيقود الكنيسة في المسيرة، مسيرة التمييز والتعبير وشرح الإيمان. لذلك ده عمل إلهي وبشري في نفس الوقت، لأن هي دي حقيقة الكنيسة، الكنيسة مش مجرد مؤسسة، لكنها جسد والمسيح هو رأسها، وبيهب الروح القدس لأعضاء جسده، لذلك الكنيسة كيان إلهي وإنساني معًا: "كل الهرطقات مردها تشويه هذه الحقيقة" (3) [أي فصل الله عن الإنسان].

لذلك الدافع والمحرك الأول للرد على الهرطقة ببساطة "هو الدفاع عن سر حياتنا ووجودنا في المسيح" وبنشوف ده من كذا زاوية في صراعات كبرى ومألوفة بالنسبة لنا عن طبيعة المسيح، التي تشوه سر التجسد الإلهي وبالتالي سر تأله الإنسان وخلاصه، لكن الموضوع بيبدأ من قبل كده.

بعض الهرطقات زي الغنوسية والمانوية شافت أن المادة والجسد شر، والله لا يمكن أنه يتحد بالجسد، فرفضت التجسد الحقيقي للمسيح، الهرطقة الدوسيتية [قالت أن جسد المسيح كان وهمي] وبالتالي رسمت الخلاص بكونه طريق للهروب من الجسد.

هنا الهرطقة تشويه في الوجود كله، في صلاح الله، ورؤيتنا لأجسادنا، وللخليقة، فكان الدفاع الذي قام به ق. إيرينيئوس أن يؤكد صلاح الله الكامل "لم يخلق شيئًا شريرًا" وأن جسد المسيح جسد إنساني حقيقي (1يو1: 1) [4]، وده بس اللي بيضمن قيامة أجسادنا زي ما بنؤمن، وإن الإنسان مدعو للتأله [نفسًا وجسدًا].

"صار الله إنسانًا لكي يؤلهنا نحن".

ق. أثناسيوس الرسولي [5]

الهرطقة هنا بتخلق انفصال في الكيان الإنساني، أن يكره الإنسان جسده أو يكره الخليقة، ويزدري بما خلقه الله "حسنًا" زي الزواج والطعام، وهنا تتحول المسيحية إلى دين هروب من الواقع المادي، إلى ثنائية الروح والجسد. بنشوف تطبيق ده في بعض الممارسات النُسكية المتطرفة في توجهات دينية كثيرة التي ترى الجسد كسجن نسعى للخروج منه، عكس الحياة النُسكية الأصيلة التي تحترم الجسد كخليقة الله.

وزي ما بنشوف النهارده أن نفس الصور والأفكار يُعاد إنتاجها، نفس الصور التي تكشف في مضمونها عن كراهية الجسد سواء بشكل أقرب "لتعذيب" الجسد بهدف أنه يكون مثالي أو كامل أو في حركات الـ Transhumanism التي ممكن نشوف أن جوهرها الخفي في النقطة دي هو اعتبار أن الجسد البشري معيب، لا رجاء فيه، ويجب ترقيته تكنولوجيًا! كأننا بنصنع خلاص جديد حسب منطقنا الخاص بأفكار زي استبدال الأعضاء البشرية بأعضاء آلية!

على عكس ما تمارسه الكنيسة في رؤيتها للخلاص والجسد الإنساني تغمره في ماء المعمودية، احنا نعتمد لنلبس المسيح، نتناول جسده ودمه، قداسة لأنفسنا وأجسادنا. احنا نصلي بأجسادنا، لما بنرشم إشارة الصليب، أو نعمل ميطانيا فاحنا بنعلن أن جسدنا مقدس، مسكن للروح القدس!

هكذا الإنسان مدعو لتلقي وجوده وجسده كنعمة، يتعهده ويرعاه علشان يقدر يقول بأرثوذوكسية مطلقة مع المطران جورج خضر:

"نؤمن بأنه اندمج في كيان المسيح بالمعمودية وأن الرأس إذا تحرك فينا فرأس المسيح يتحرك، وإذا سارت قدمانا فقدما السيد تسيران، لست أحيا أنا بل المسيح يحيا في، يتحقق فيا" [6].

هكذا يجب أن نعي حياتنا الجديدة في المسيح، هكذا يجب أن نحيا.

في النهاية لازم نميز تمييز بسيط، احنا ذكرنا مثال واحد لكن التاريخ بيقولنا أن الكنيسة خاضت صراعات كثيرة على مدار تاريخها، بعض الهرطقات التي نشأت ما كانش الدافع منها التشويه [على عكس البنية التي نتجت عنها]، لكن الاحتجاج على جمود كنسي معين، كان في دافع أصيل لاستعادة شيء إنساني مفقود، لكن النتيجة ما كانتش صحيحة.

فلسفة الكنيسة لا يجب أنها تكون قمع للحريات ولا دعوة للطاعة العمياء لكن حماية الحق "آليثيا" وبالتالي حماية حريتنا من أي تشويه، لأننا "نعرف الحق والحق يحررنا (يو 8: 32)".

_________________

1- ضد الهرطقات - ق. إيرينيئوس الكتاب الرابع فصل 20 فقرة 7 - المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.

2 /3- نقاط على الحروف - الجزء الأول / الأرشيمندريت توما بيطار.

4- الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا، من جهة كلمة الحياة.

5- تجسد الكلمة / ق. أثناسيوس الرسولي، فصل 54 فقرة 3 - المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.

6- لو حكيت مسرى الطفولة / المطران جورج خضر - منشورات النور.

_______

- الله والإنسان والكون المادي / هاني مينا ميخائيل.