الإكلسيولوچي في فكر آباء الكنيسة (1) -  الإكلسيولوچي في تعليم الكتاب المقدس

الإكلسيولوچي في فكر آباء الكنيسة (1) - الإكلسيولوچي في تعليم الكتاب المقدس

Dr. Antoun Guirgis

المقدمة

سوف نتناول في هذا البحث التعليم عن ماهية وطبيعة وسمات الكنيسة، فيما يُعرَف بعلم الكنيسة أو الأكلسيولوچي أو الكنائسية. يهتم الأكلسيولوچي أو علم الكنيسة بدراسة مفهوم الكنيسة وسماتها المحدَّدة، وذلك من خلال تعليم الكتاب المقدَّس وتعاليم آباء الكنيسة الجامعة. سوف نحاول في هذا البحث تسليط الضوء على المفهوم الكتابيّ للكنيسة وكيف رأت نصوص الكتاب المقدَّس ماهية وطبيعة الكنيسة وسماتها الأساسية المحدِّدة لماهيتها وطبيعتها وعملها. كما سنناقش ماهية وطبيعة وعمل الكنيسة وسماتها في تعليم الآباء الرسوليين كالقديسين كليمندس الرومانيّ وأغناطيوس الأنطاكيّ وبوليكاربوس السميرنيّ وآخرين. حيث يُعتبر الآباء الرسوليون هم خلفاء رسل المسيح، وتمنحنا تعاليمهم رؤية أولية عن طبيعة الكنيسة ونظامها وسماتها في العصر الرسوليّ الأول.

كما سوف نستعين بتعاليم الآباء المدافعين كالقديسين إيرينيؤس الليونيّ ويوستينوس الشهيد لنفهم طبيعة وماهية الكنيسة وسماتها ونظامها في القرن الثاني من المسيحية، ثم سوف نتناول تعاليم الآباء اليونانين الشرقيين في القرنين الثالث والرابع للوقوف على أفضل تصوُّر حول ماهية وطبيعة الكنيسة وسماتها وعملها آنذاك، وكيف رأى هؤلاء الآباء مفهوم الكنيسة وعبَّروا عنه بوضوحٍ في كتاباتهم المتنوعة. وسوف نستعرض أيضًا تعاليم الآباء اللاتين الغربيين حول مفهوم الكنيسة وسماتها ونظامها المحدَّد، وسوف نتناول البدع والانشقاقات التي واجهتها الكنيسة الغربية اللاتينية حول مفهوم الكنيسة وطبيعتها وسماتها المحدَّدة كالنوفاتية والدوناتية، وكيف قام هؤلاء الآباء بالرد على هذه البدع والتعاليم الخاطئة مُوضِّحين ماهية وطبيعة الكنيسة وسماتها وعملها في كتاباتهم المتنوعة.

ولكن ينبغي الإشارة في البداية إلى رؤية المطران كاليستوس وير للكنيسة باعتبارها صورة الثالوث القدوس، فكما أن الإنسان مخلوقٌ على صورة الله الثالوث، كذلك فإن الكنيسة بكليتها أيقونةٌ للثالوث، وهي تُظهِر على الأرض سرّ الوحدة في التعدُّد. ففي الثالوث، يُكوِّن الأقانيم الثلاثة إلهًا واحدًا، لكن كلاً منهم هو شخصٌ كاملٌ. وعلى النحو نفسه، تُوحِّد الكنيسة في داخلها تعدُّد الكائنات البشرية، لكنها لا تُؤثِّر على التباين الشخصيّ في ما بينهم. وكما أن الأقانيم الثلاثة يقيمون واحدهم في الآخر، كذلك أعضاء الكنيسة هم بدورهم يتعاضدون. وليس ثمة نزاع في الكنيسة بين الحرية والسلطة.[1]

كما يرى الأب چورچ فلوروفسكي أن الكنيسة هي عمل المسيح على الأرض، وهي صورة حضوره ومقامه في العالم. فعندما حلَّ الروح القدس في يوم الخمسين على الكنيسة التي مثَّلها آنذاك الاثنا عشر والمجتمعون معهم، دخل [الروح القدس] العالم كي يسكن بيننا وكي يكون عمله فعَّالاً فينا أكثر منه فيما مضى: ”ما كان الروح أُعطِيَ حتى الآن“ (يو 7: 39). لقد حلَّ الروح مرةً حلولاً دائمًا. وهذا سرٌ عظيمٌ لا يُسبَر غوره. وبما أن الروح يقيم دائمًا في الكنيسة، فإننا نقتني روح التبني (رو 8: 15)، ونصبح أخصاء الله عندما نبلغ الروح ونقبله. ففي الكنيسة يكتمل خلاصنا ويتقدَّس الجنس البشريّ، ويتغيَّر وجهه، ويحصل على التأله Theosis.[2]

 


الفصل الأول:

الأكلسيولوچي في تعليم الكتاب المقدس

سوف نفحص في هذا الفصل الإشارات إلى ماهية وطبيعة الكنيسة في تعليم الكتاب المقدَّس خاصةً في العهد الجديد، وذلك من خلال أقوال المسيح نفسه، وسفر أعمال الرسل، ورسائل بولس الرسول، والرسائل الجامعة للرسولين بطرس ويوحنا.

نبدأ من قول المسيح إنه سوف يبني الكنيسة على صخرة إيمان بطرس الرسول الثابت والراسخ قائلاً: ”وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا“ (مت 16: 18)، ثم نرى عمل الربِّ في كنيسته بعد قيامته وصعوده إلى السماء، وذلك من خلال سفر أعمال الرسل، وكيف كان الربُّ نفسه يضم كل يوم إلى الكنيسة جميع المخلَّصين كالتالي: ”وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ“ (أع 2: 47).

وهكذا يُشِير استفانوس رئيس الشماسة في سفر الأعمال إلى وجود الكنيسة السابق في العهد القديم، عندما خرج شعب بني إسرائيل، الذي يُمثِّل كنيسة العهد القديم، من أرض مصر إلى البرية، فكان يُمثِّل هذا الشعب وجميع أبرار العهد القديم وأنبيائه أحد مراحل نشأة الكنيسة كالتالي: ”هذَا هُوَ مُوسَى الَّذِي قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ. هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ، مَعَ الْمَلاَكِ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُ فِي جَبَلِ سِينَاءَ، وَمَعَ آبَائِنَا. الَّذِي قَبِلَ أَقْوَالاً حَيَّةً لِيُعْطِيَنَا إِيَّاهَا“ (أع 7: 37-38).

ويُوضِّح سفر الأعمال مبدأ هام للغاية في الكنيسة الأولى في العصر الرسوليّ، حيث كان جميع أعضاء الكنيسة الناشئة يواظبون على التعليم الرسوليّ المسلَّم للكنيسة من رسل المسيح، لذا نقول إن أحد سمات الكنيسة هي أنها رسوليةٌ، لأنها مُؤسَّسةٌ على تعليم الرسل، ويُشِير سفر الأعمال إلى مبدأ الشركة بين أعضاء الكنيسة، وهو ما سوف يتَّضح ملامحه أكثر في رسائل بولس الرسول والرسائل الجامعة، وكيف كانوا يمارسون سرَّ الإفخارستيا، أو كسر الخبز، والصلوات كالتالي: ”وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ“ (أع 2: 42).

لذا يُوضِّح بولس الرسول مبدأ الشركة هذا في الكنيسة الأولى، مشيرًا إلى شركة المؤمنين في الكنيسة مع ابن الله يسوع المسيح، وهذا هو أساس الكنيسة، قائلاً: ”أَمِينٌ هُوَ اللهُ الَّذِي بِهِ دُعِيتُمْ إِلَى شَرِكَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا“ (1كو 1: 9)، وهكذا يُشِير يوحنا الرسول في نفس السياق إلى شركة المؤمنين في الكنيسة الأولى مع بعضهم البعض ومع الآب والابن، أيّ شركة الكنيسة مع الثالوث القدوس قائلاً: ”الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ“ (1يو 1: 3).

كما يُؤكِّد بولس الرسول على شركة الكنيسة مع المسيح يسوع قائلاً: ”لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ“ (عب 3: 14)، ويُوضِّح أبعاد شركة المؤمنين في الكنيسة مع الثالوث القدوس، لأنهم قد نالوا الاستنارة والموهبة السماوية، وهكذا صاروا شركاء الروح القدس الذي يربط الكنيسة ويُوحِّدها مع الثالوث القدوس قائلاً: ”لأَنَّ الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا مَرَّةً، وَذَاقُوا الْمَوْهِبَةَ السَّمَاوِيَّةَ وَصَارُوا شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ“ (عب 6: 4)، بل ويُؤكِّد بطرس الرسول على شركة الكنيسة مع الطبيعة الإلهية، وبالتالي تأليه الكنيسة بالاتحاد والشركة مع الطبيعة الإلهية، أيّ الثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس قائلاً: ”لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ“ (2بط 1: 4).

ونعود مرةً أخرى إلى الرسول يوحنا، رسول المحبة، الذي يُشدِّد على شركة أعضاء الكنيسة مع بعضهم البعض داخل الكنيسة قائلاً: ”وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ“ (1يو 1: 7). ويُسلِّط بولس الرسول الضوء على ملمح آخر من ملامح شركة الكنيسة مع المسيح، وهو الشركة معه في آلامه الخلاصية المحيية، وذلك من خلال التشبُّه بموته، فنحن قد شاركنا المسيح في آلامه وموته، وذلك من خلال احتمال الآلام والأوجاع من أجله ومعه، ونُدفَن ونموت معه في المعمودية المقدَّسة، التي هي شبه موته بالنسبة لنا، فنحن لا يمكن أن نُفرِّق بين مسيح التاريخ الذي عاش منذ أكثر من ألفي سنة، وبين مسيح الكنيسة والأسرار، لأنه هناك مسيحٌ واحدٌ لا ينفصل عن كنيسته، وهكذا نحن عندما نشارك المسيح آلامه وموته في المعمودية المقدَّسة، فلا نكون منفصلين عن المسيح التاريخيّ كالتالي: ”لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ“ (في 3: 10).

وهكذا وحَّد المسيح البشرية جمعاء في شخصه، يهودًا وأمممًا، وصار مصدر السلام للبشرية جمعاء كالتالي: ”لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ“ (أف 2: 14)، بل وخلق المسيح اليهود والأمم، أيّ العالم كله، في ذاته جاعلاً منهما إنسانًا جديدًا وبشريةً جديدةً في شخصه، وهنا يُؤكِّد بولس الرسول على مبدأ الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح، آدم الجديد، الإنسان الواحد الجديد، قائلاً: ”مُبْطِلاً بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا“ (أف 2: 15)، بل يُشِير بكل وضوحٍ إلى توحيد المسيح للبشرية جمعاء، يهودًا وأممًا، في شخصه، مع الله عن طريق الصليب، مبطلاً حالة التغرب والانفصال بين البشرية جمعاء والله، ومُوحِّدًا البشرية جمعاء معه في جسدٍ واحدٍ مع الله قائلاً: ”وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ“ (أف 2: 16)، لأننا صرنا مدفونين مع المسيح في المعمودية، وقُمنا مع المسيح بالإيمان بعمل الله المحيي والقدير، ولا يمكن فصل المعمودية عن موت المسيح الخلاصيّ على الصليب، لأن المعمودية هي امتداد حقيقيّ وسريّ وفائق للزمكان لموت المسيح على الصليب، التي فيها نُدفَن ونموت مع المسيح في المعمودية لننال بركات وعطايا وهبات موته الخلاصيّ على الصليب كالتالي: ”مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ“ (كو 2: 12).

لذا نجتهد نحن المؤمنين في الكنيسة للحفاظ على وحدانية الروح الواحد الذي يجمعنا كلنا نحن أعضاء جسد المسيح، فنحن المؤمنون مع المسيح نُشكِّل جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا بواسطة الروح القدس الساكن فينا، وهكذا يصير لنا رجاء واحد وربّ واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة وإله وآب واحد للكل وعلى الكل وفي الكل، فسرّ وحدة الكنيسة هو وحدة رأسها المسيح الواحد ووحدة الروح القدس الواحد الذي يُوحِّد الجميع في الجسد الواحد مع الثالوث القدوس الواحد في الجوهر كالتالي: ”مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ“ (أف 4: 3-6).

ورغم أن الجسد الواحد له أعضاءٌ كثيرةٌ مختلفةٌ ومتمايزةٌ، إلا أنهم يُمثِّلون جسدًا واحدًا مع المسيح الواحد، لأن الروح الواحد يُوحِّدنا جميعًا نحن الذين اعتمدنا لنصير جسدًا واحدًا، أيّ جسد الكنيسة كالتالي: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا. لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضًا اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ، يَهُودًا كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ، عَبِيدًا أَمْ أَحْرَارًا، وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا“ (1كو 12: 12-13). وهكذا يُؤكِّد بولس الرسول على نفس الحقيقة، وهي شركة الأعضاء الكثيرين والمختلفين في الجسد الواحد في المسيح الواحد، كل عضو يؤازر ويعضد العضو الآخر قائلاً: ”هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ، كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ“ (رو 12: 5).

ويُوضِّح بولس الرسول الملمح الأسراريّ من شركة أعضاء الكنيسة، الجسد الواحد، فيؤكد أننا عندما نبارك كأس البركة أي الدم في سرِّ الإفخارستيا، فنحن جميعًا نشترك كأعضاء الجسد الواحد في دم المسيح الحقيقيّ الذي خلصنا، كما أننا عندما نكسر الخبز في سرِّ الإفخارستيا، فإننا نشترك في جسد المسيح المقدَّس، وهكذا نصير نحن الأعضاء الكثيرين خبزًا واحدًا، وجسدًا واحدًا، جسد المسيح الإفخارستيّ، فالإفخارستيا هي سرّ وحدة أعضاء الجسد الواحد، أيّ الكنيسة جسد المسيح الرأس، وذلك لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد لنصير جسد المسيح الإفخارستيّ الواحد كالتالي: ”كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ، أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ“ (1كو 10: 16-17).

ويُحدِّد ويُخصِّص ويُكرِّس بولس الرسول الكنيسة لله، فالكنيسة هي خاصة الله، وهي شعب اقتناء لله، التي اقتناها بدمه، فأعضاء الكنيسة هم خاصة الله كالتالي: ”اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ“ (أع 20: 28)، وهكذا ينسب ويُخصِّص بولس الرسول الكنيسة دائمًا إلى الله، بل ويدعو أعضاء كنيسة الله بأنهم المقدَّسون والقديسون في المسيح يسوع قائلاً: ”بُولُسُ، الْمَدْعُوُّ رَسُولاً لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَسُوسْتَانِيسُ الأَخُ، إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَهُمْ وَلَنَا“ (1كو 1: 1-2).

ويُعطِي بولس الرسول ملمحًا آخر من ملامح الكنيسة جسد المسيح الرأس، وهو أنها الملء الذي يملأ الكل في الكل: ”وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ“ (أف 1: 22-23)، فكما أن الرجل هو رأس المرأة، فالمسيح هو رأس جسد الكنيسة الجالس عن يمين الآب في السماء، والمتَّحِد بها من خلال روحه القدس الساكن في جميع أعضاء جسد الكنيسة المقدَّس قائلاً: ”لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ“ (أف 5: 23). فالكنيسة الجسد خاضعةٌ للمسيح الرأس، لأن المسيح أحب الكنيسة حبًا باذلاً عمليًا، إذ أسلم نفسه لأجلها إلى الموت، لكي يُقدِّسها ويُطهرِّها بالاتحاد به كالتالي: ”وَلكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، (أف 5: 25-26). وهكذا بعدما يُقدِّس المسيح الكنيسة ويُطهِّرها، فإنه يُحضِرها كنيسةً مجيدةً، غير دنسة، ولا أيّ تجاعيد أو عيوب، بل مُقدَّسة وبلا عيب البتة كالتالي: ”لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ“ (أف 5: 27).

ويُعلِّق رايموند بروان على الفكر الكنائسيّ في رسالة أفسس، حيث يرى أنه ثمة أمر يستحق تعليقًا خاصًا، وهو تمجيد رسالة أفسس للكنيسة، والذي يتجاوز التقدير العاليّ الذي أُعطِيَ لها في رسالة كولوسي. على الرغم من أن رسالة كولوسي تتضمَّن مفهومًا عامًا للكنيسة إلا أن نصف استخداماتها الأربعة لكلمة Εκκλησεια كانت لكنيسة محلية (كو 4: 15، 16)، ولا توجد مثل هذه الإشارة المحلية في استعمالاتها التسعة في رسالة أفسس. وكانت هذه كلها بصيغة المفرد وتصف الكنيسة العامة. وكما في (كو 1: 18، 24) فالكنيسة هي جسد المسيح، وهو الرأس (أف 1: 22؛ 5: 3). وبرغم ذلك، نجد أن للكنيسة في أفسس دورًا عالميًا. وعلى أساس أكثر التفاسير شيوعًا كما جاء في (أف 1: 21-23) جُعِلَ المسيح رأسًا لكل شيء بما في ذلك القوات (الملائكية) من أجل الكنيسة، ومن خلال الكنيسة أُظهِرَت حكمة الله لهذه القوات. وقد أُعطِيَ المجد لله في الكنيسة (أف 3: 20).[3]

وكما أن الإنسان لا يكره جسده بل يعتني به ويحافظ عليه، كذلك المسيح في علاقته مع الكنيسة جسده الحقيقيّ، فنحن الكنيسة أعضاء جسده الحقيقيّ، ومن لحمه وعظامه، فلا يوجد فصل بين مسيح التاريخ وبين مسيح الكنيسة ورأسها قائلاً: ”كَذلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ. فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ، بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضًا لِلْكَنِيسَةِ. لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ“ (أف 5: 28-30).

ويُؤكِّد بولس الرسول على مبدأه الشهير، وهو الانجماع الكليّ في المسيح الرأس، فالمسيح هو رأس الكنيسة جسده الكليّ قائلاً: ”الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ“ (كو 1: 17-20). ويُشِير بولس الرسول إلى مبدأ غاية في الأهمية، وهو أنه كعضوٍ في جسد المسيح، الذي هو كنيسته، فإنه يُكمِّل نقائص شدائد المسيح في جسده الذي هو جزءٌ من جسد المسيح الواحد والكليّ أيّ الكنيسة قائلاً: ”الَّذِي الآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ، الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ، الَّتِي صِرْتُ أَنَا خَادِمًا لَهَا، حَسَبَ تَدْبِيرِ اللهِ الْمُعْطَى لِي لأَجْلِكُمْ، لِتَتْمِيمِ كَلِمَةِ اللهِ“ (كو 1: 24-25).

ويصف بولس الرسول الكنيسة بأنها مسكن وبيت الله، الذي يسكن ويبيت فيه، فالكنيسة هي نحن أعضاء جسد المسيح، الذين يسكن ويبيت الله في كل واحد منَّا، كما يُرسِي بولس الرسول مبدأ مهم وهو مبدأ عصمة الكنيسة، لأن كنيسة الله الحيّ هي عمود الحقِّ وأساسه المتين: ”وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أُبْطِئُ، فَلِكَيْ تَعْلَمَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي بَيْتِ اللهِ، الَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ“ (1تي 3: 15).

ويُعطِي بولس الرسول ملمحًا آخر من ملامح الكنيسة، وهي أن الكنيسة هي هيكل الله الحيّ، وذلك لأن الكنيسة هي نحن المؤمنون، وهكذا يسكن فينا روح الله القدوس المحيي، فنصير مُدشَّنين ومُكرَّسين ومُخصَّصين لله كهيكلٍ مُقدَّسٍ، فنحن حقًا هيكل الله المقدَّس كالتالي: ”أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ، لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ الَّذِي أَنْتُمْ هُوَ“ (1كو 3: 16-17). وهكذا أجسادنا التي يُمثِّل كل جسدٍ منها عضوًا من أعضاء جسد المسيح، هو هيكلٌ للروح القدس الذي دشَّن وكرَّس وخصَّص هذا الجسد له بحلوله وسُّكناه الأقنومية في أجسادنا لأنه هبة وعطية خاصة من الله كالتالي: ”أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟“ (1كو 6: 19). وهكذا كل جسد من أجساد المؤمنين هو عضو عامل وفاعل من أعضاء جسد المسيح الحيّ والنابض بالحياة كالتالي: ”أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ؟“ (1كو 6: 15). لأن كل روح التصق بالربِّ فقد صار معه روحًا واحدًا، وهذا سرُّ وحدة الكنيسة كالتالي: ”وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ“ (1كو 6: 17).

ويُعلِّق رايموند بروان على الفكر الكنائسيّ في الرسائل البولسية، حيث يرى أن كلمة ”كنيسة“ في الرسائل البولسية التي لم يدر جدلٌ بشأنها كانت تُشِير في الغالب إلى المجتمع المسيحيّ المحليّ، مثل: ”كنائس غلاطية“ و ”كنيسة الله التي في كورنثوس“ مع بعض أمثلة قليلة فقط لاستعمالها بشكلٍ عامٍ مثل ”الكنيسة“ (غل 1: 13؛ 1كو 12: 28؛ 15: 9). أمَّا الاستعمال المحليّ فمازال موجودًا في تحيات رسالة كولوسي (4: 15-16)، لكن في (كو 1: 18، 24) يُمارِس الربُّ سلطانه على العالم بأسره باعتباره رأس جسده (الكنيسة). وهكذا تُؤثِّر الكنيسة حتى في القوات السماوية. وفي (1كو 12: 12؛ 14: 27؛ 6: 13-15؛ 10: 16-17؛ رو 12: 4-5) يتكلَّم بولس عن جسد المسيح القائم، والذي يُعدّ كل مسيحيّ عضوًا فيه، وكما أن أعضاء الجسم المختلفة، ومن ضمنها الرأس، هي أعضاءٌ في ذلك الجسم.[4]

ويُوضِّح الأب چورچ فلوروفسكي أن الكنيسة في حدّ ذاتها الملء، واستمرار للاتحاد الإلهيّ-الإنسانيّ واكتماله. وهي الجنس البشريّ الذي يتجدَّد ويتغيَّر وجهه. ومعنى هذا التجدُّد أن الجنس البشريّ يصبح في الكنيسة واحدًا، في ”جسدٍ واحدٍ“ (أف 2: 16). فحياة الكنيسة وحدة واتحاد، لأن جسدها يتماسك بالأوصال و ”ينمو“ (كو 2: 19) بوحدة الروح وبوحدة المحبة. عالم الكنيسة هو عالم الوحدة الداخلية والعضوية، وحدة الجسم الحيّ ووحدة الكيان العضويّ. الكنيسة هي اتحادٌ، لا لأنها واحدةٌ وفريدةٌ، بل لأنها تعيد في كيانها اتحاد الجنس البشريّ المفكَّك. هذه الوحدة تُؤلِّف جماعية الكنيسة وجامعيتها. ففي الكنيسة ترتفع الإنسانية إلى مقام آخر، وتبدأ حياتها بنمطٍ جديدٍ، وتصبح الحياة الجديدة الحقة والكاملة والجامعة ممكنةً ”في وحدة الروح برباط السلام“ (أف 4: 3). فيبدأ وجود جديد ومبدأ جديد للحياة: ”ليكونوا واحدًا فينا، أيها الآب مثلما أنت فيَّ وأنا فيك [...] ليكونوا واحدًا مثلما أنت وأنا واحدٌ“ (يو 17: 21-23). هذا هو سرّ إعادة الاتحاد النهائيّ الذي هو على صورة اتحاد الثالوث القدوس، والذي يتحقَّق في حياة الكنيسة وبنيتها. إنه سرّ الجماعية وسرّ الجامعية.[5]

 



[1] كاليستوس وير (مطران)، الكنيسة الأرثوذكسية: إيمان وعقيدة، سلسلة تعرف إلى كنيستك 11، (لبنان: منشورات النور، 1982)، الفصل 3، ص 63.

[2] چورچ فلوروفسكي (أب)، الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد: وجهة نظر أرثوذكسية، ترجمة: الأب ميشال نجم، (لبنان: منشورات النور، 1984)، الفصل 3، ص 45.

[3] رايموند بروان، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، (القاهرة: دار الأكويني ودار لوغوس، 2021)، ص 843.

[4] المرجع السابق، ص 826.

[5] چورچ فلوروفسكي (أب)، الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد: وجهة نظر أرثوذكسية، ترجمة: الأب ميشال نجم، (لبنان: منشورات النور، 1984)، الفصل 3، ص 47-48.