الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد (١) مدخل

الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد (١) مدخل

Abanoub Ayman

مفهوم التقليد، من ضمن مفاهيم كثيرة تم فصلها عن سياقها المسيحي وشرحها بمعزل عنه، بل ونقدها بناءً على مفاهيم مشوهة ألحقت بها. كلمة "تقليد" في الفهم الشعبي تترجم أحيانًا (عادات بشرية قديمة موروثة) أقرب للفلكلور الشعبي أو التراث. سأميل في هذه المقالات إلى التعبير عن حقيقة التقليد الأرثوذكسي في الكنيسة أو توضيح ملامحه، وبدون وضعه في مفهوم أو تعريف يحدده، في أضيق الحدود.

هناك سؤال مهم وأساسي: هل في صراع ما بين التقليد والكتاب المقدس؟ هل هما قطبان متباعدان للحقيقة؟
في نقاط سريعة: مبدأ الالتزام بالكتاب المقدس وحده "sola scriptura" وهذا أحد المبادئ الأساسية التي أرستها حركة الإصلاح في القرن السادس عشر، والتي جاءت كرد على تحول الكنيسة الكاثوليكية لمؤسسة تمارس سلطة تعسفية على النص الكتابي، وعلى بعض التوجهات العلمية والفلسفية تباعًا.

الفصل الذي تم ما بين الكتاب المقدس والتقليد هو نتاج غربي، لما قررت حركة الإصلاح المضاد التي قامت بها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية لمواجهة المبالغة في الالتزام بالكتاب المقدس وحده، والفصل ده في الحقيقة هو مأزق وضعوا أنفسهم فيه لما قرروا النزول إلى أرضية المجادلين البروتستانت والدخول في اللعبة بنفس قوانينهم.

مجمع ترنت للكنيسة الكاثوليكية (1545-1563) يتكلم عن مصدرين للإيمان (الكتاب المقدس والتقليد)، لكننا لا نجد أي ذكر لهذا الفصل ما بين الكتاب المقدس والتقليد كأقطاب مختلفة في الكنيسة الأولى أو اللاهوت الأرثوذكسي الحالي ما عدا الكتابات المتأثرة بالفكر الغربي (1).
الكتاب المقدس أصبح بالنسبة لقادة الإصلاح البروتستانتي له كيان خاص مقابل الكنيسة ولاهوتها، والذي استتبعه تعاليم جديدة عن الوحي الحرفي بمفهوم التنزيل، تتحول بموجبها كلمة الله الحية بالروح القدس في الكنيسة "جسد المسيح" إلى قاعدة مطلقة لحرفية الكتاب.

عندما قررت حركة الإصلاح عزل سلطة الكنيسة وبالتبعية سلطة البابا وعصمته، وتجليس النص الكتابي على العرش، انقلب الوضع، وأعادت إنتاج سلطة فردية لكل مؤمن سلطة تفسيرية خاصة، خلقت سوقًا من التأويلات والتفسيرات.
الفردانية جاءت كتطرف عكسي وهو إسقاط حداثي على الإيمان، ضد الجامعية وضد الوحدة وضد مفهوم الكنيسة نفسه كجسد للمسيح، بدل استعادة مفهوم الكنيسة الأصيل، أخرجت الكنيسة من الإطار.

في رد مجمع ترنت، اعتراف ضمني بأن واقع التقليد مغاير لواقع الكتب، كأنه مبدأ خارجي أو إضافة بالنسبة للكتاب المقدس، بدل ما تكون الفرضية الأساسية للكتب المقدسة وتماسكها الأساسي هو النفس الحي للروح القدس في التقليد الذي يسري في الكنيسة. النفس الحي الذي يحول حروف الكتاب "لجسد واحد للحقيقة" بحسب تعبير فلاديمير لوسكي.

وجد المدافعون عن التقليد أنفسهم مضطرين لإثبات ضرورة توحيد واقعي الإيمان "الكتاب المقدس والتقليد" بأنهما واقعان متجاوران، كل منهم غير كافٍ بمفرده، ومن هنا نشأت سلسلة من المشاكل الزائفة زي أولوية الكتاب المقدس أم أولوية التقليد، وسلطتهم النسبية، وكأنهم مصدرين مختلفين للوحي نفسه، للحقيقة نفسها. يتحول التقليد هنا لمجموعة تقاليد بشرية، أرشيف تاريخي للكتاب المقدس. بالتأكيد ليس هو هذا التقليد الحي الذي تتكلم عنه الكنيسة.
بذلك يمكن أن نؤسس في المقالات القادمة لوصف التقليد الحي للكنيسة، ليس بحسب ما رفضوه قادة الإصلاح وعبرت عنه الكاثوليكية في العصور الوسطى في المقابل، لكن من واقع التقليد الحي والمعاش للكنيسة نفسه.
يتبع..
______________
1- يوحنا كرافيذوبولس – دراسة عن التقليد الأرثوذكسي في التفسير والمناهج الحديثة للبحث في الكتاب المقدس – جامعتي تسالونيك والبلمند.
2- الكنيسة الكاثوليكية في وثائقها، منشورات المكتبة البولسية – الجزء الأول ص 385