الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد (٢)  وديعة الإيمان  ..

الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد (٢) وديعة الإيمان ..

Abanoub Ayman

كلمة "تقليد" زي ما جاءت في العهد الجديد هي "paradosis" وهي مشتقة من الفعل الأصلي "paradiadomi" ومعناها يعهد بشيء أو يودع شيء، واللي منها نفهم لفظ "وديعة الإيمان" بحسب التعبير المقابل لهم في العبرية nasar (1).

إيه هو موضوع وجوهر التقليد؟ ما الذي أودعه الرب في الكنيسة؟
المسيح ما تركش كتاب أو سلم تلاميذه نص معين، لكنه استشهد بالنص المكتوب، استشهد بالنبوات وأوضح أنها بتتحقق دلوقتي، أعد تلاميذه ومكث معاهم ثلاث سنين يعلمهم بأمثال، وجدير بالذكر هنا كلمات الرسول يوحنا نفسه أن مش كل شيء سلمه المسيح اتسجل في الأناجيل: "وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ." (يو 21: 25).

وفي آخر وقت قبل الصليب أسس سر الشكر، وقال لهم فيه إن متى اجتمعوا يصنعوا ذكر الرب، يعيشوا نفس الحدث اللا زمني، يتناولوا جسد الرب ودمه المقدم للحياة من قبل إنشاء العالم والذي استُعلن (شفناه بعينينا) يوم خميس العهد: "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ." (يو 6: 55).

إذن الرب أودع حياته في الكنيسة ووعدهم بأن قوة من العلي هي اللي هتقودهم: "وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ." (يو 14: 26).

إذن الوديعة هي الحياة الجديدة اللي حققها المسيح والممتدة في جسده "الكنيسة" بالروح القدس.

اللاهوتي الأرثوذكسي فلاديمير لوسكي بيقدم تمييز مهم وضروري نطلع عليه؛ لأننا هنبني عليه موقفه تجاه التقليد في المقالات الجاية.
بيقول فلاديمير لوسكي إن مفهوم التقليد أخد بعض المعاني عند آباء القرون الأولى، زي اعتباره تعليم محفوظ سرًا، يجب الصمت عنه لئلا يدنس السر من قِبل المبتدئين أو اللي هم خارج الكنيسة، حافظ الآباء عليه وسلموه من جيل لجيل عالمين إن الصمت عنه يحفظ طابعه الأسراري، وإن هذا التقليد السري بيشترك فيه كل المؤمنين المشاركين في الحياة الأسرارية في الكنيسة، وهنا يجب التمييز ما بين الموعوظين والمؤمنين. التقليد السري ده ممكن يتكشف ويتحول لكرازة لو أوجبت الضرورة، على سبيل المثال، في صراع الكنيسة ضد هرطقة ما، وهنا عدم انتهاك قدسية السر هو ممارسة واعية وحكيمة للكنيسة. الموقف ده بيكشف لنا أحد مفارقات الإنجيل ما بين قول المسيح: "لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَبِ، وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ، لِئَلاَّ تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ." (متى 7: 6). ومن جانب آخر أوصى المسيح تلاميذه وقال: "فَلاَ تَخَافُوهُمْ. لأَنَّهُ لَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُعْلَنَ، وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ. اَلَّذِي أَقُولُهُ لَكُمْ فِي الظُّلْمَةِ قُولُوهُ فِي النُّورِ، وَمَا تَسْمَعُونَهُ فِي الأُذُنِ نَادُوا بِهِ عَلَى السُّطُوحِ." (متى 10: 26)! (2)

صحيح هنا انتقلنا لمفهوم أنقى للتقليد، لكن ما زال هنا مفهوم التقليد محصور في نطاق التسليم لتعاليم معينة، جهرًا بالكتابة أو سرًا وشفاهةً، والتعاليم السرية دي بتعلن جهرًا برضه بحسب احتياج الكنيسة لده، هنا ما زلنا على الخط الأفقي للتاريخ، هل هو ده التقليد مجرد تعليم متوارث؟ أم هو بيتجاوز التعاليم المُسلَّمة واللي ممكن إننا نسميها "التقاليد"؟ هل التمييز ما بين التقليد والكتاب المقدس هو تمييز في طريقة النقل سواء بالكتابة ولا بالصوت الحي؟، هنشوف الفرق في المقال الجاي...
يتبع...
______________
(1)- F.F bruce , tradition – old and new p 20,21
(2)- in the image and the likeness of god , by vladimir lossky, chapter 8 [ tradition and traditions] p142