في المقالين اللي فاتوا، اتكلمنا عن المفاهيم المغلوطة عن التقليد، وقدمنا مدخلًا لفهم التقليد. أنصحكم لو ما قريتوش المقالين اللي فاتوا ترجعولهم.
القديس باسيليوس الكبير اتكلم عن التقاليد الأسرارية والليتورجية المُسلَّمة من الرسل شفاهًا، زي رشم الصليب وطقوس المعمودية والزيت والإفخارستيا والتوجه نحو الشرق أثناء الصلاة، واعتبر أن دي أسرار الكنيسة. وأن هذه الأسرار لا يمكن بلوغها أو استعلانها إلا في الكنيسة بالروح القدس، لكنها زي ما قولنا تُعلن بحسب الضرورة والاحتياج في حالة رد الكنيسة على هرطقة. (١)
هل لما بندافع أو بنتكلم عن التقليد بكونه طريق الحياة الأرثوذكسية الحقيقية، بندافع عن مجرد التعليم المتوارث ولا عن ما هو متجاوز للنصوص والكلمات نفسها؟
خلينا نتخيل رسم بياني، فيه خط أفقي وهنسميه التاريخ الكنسي أو التقاليد الكنسية ودي بتشمل تسليم كل الحاجات اللي فاتت ونقلها من جيل لجيل بالتعليم، ونتخيل خط عمودي بيتقاطع مع الخط الأفقي وهنسمي الخط العمودي ده التقليد.. يعني إيه؟
التقاليد غير المكتوبة أو تعليم الأسرار مش هي "التقليد" نفسه، التقليد هو المشاركة نفسها في السر الكنسي المُسلَّم في التقاليد، المشاركة في الحياة نفسها، في الحدث الكنسي، أن تكون في التقليد هو أن تحيا أنت السر داخل الكنيسة من خلال الروح القدس ومن خلال التعليم الليتورجي في السر نفسه.
التقليد هو اعترافنا بالثالوث في وقت المعمودية، التقليد هو أن ترشم نفسك بعلامة الصليب.. علامة المجد!
التناقل والتسليم هي الصفة اللي ممكن ننسبها "للتقاليد"، وهي ليها صفة التطور أحيانًا، لكن التقليد هو عيش الحياة نفسها، المشاركة في السر نفسه اللي اسسه الرب.
هذه المشاركة بتعبير فلاديمير لوسكي هي: "معرفة جديدة، معرفة الله، التي يتلقاها المرء كنعمة، كل صيغة مقدسة نقولها تقودنا إلى النور". (٢)
لذلك، التقليد هو اللي بيضمن استمرارية فهم الوحي، لأنه هو المشاركة في السر، في حدث تناول جسد الرب ودمه.
"هنا في هذه المشاركة، يتقاطع الخط الأفقي "للتقاليد" التي تلقاها الرسل من فم الرب ونقلوها إلى خلفائهم مع الخط العمودي "التقليد" الذي هو عمل الروح القدس الذي يفتح لأعضاء الكنيسة منظورًا لا نهائيًا للسر في كل كلمة من الحقيقة المعلنة، وهكذا بدءًا من التقاليد التي يقدمها لنا القديس باسيليوس، من الضروري التمييز بينها وبين التقليد الذي يتجاوزها". (٣)
في الحقيقة، لو توقفنا عند التقاليد بدون التمييز ده، هنظل على المستوى الأفقي للبارادوسيس، وكأن التقليد هو سقوط في عالم من الكتب المقدسة، صحيح أن التقليد مش مفصول عن التقاليد السرية والكتب المقدسة. لكن التقليد بكونه "طريقنا" للتأله.. طريق تحقيق غاية وجودنا الحقيقية، فأحنا الحقيقة مش بندافع عن تعاليم متوارثة، ولا عن مجموعة نصوص جديدة بجانب أسفار الكتاب، احنا بنتكلم عن حياتنا، اشتراكنا في الحدث اللازمني، الحقيقة المتجاوزة للزمن بحسب المفهوم الأرثوذكسي للسر.
المفهوم النقي للتقليد يجب تمييزه عن الخط الأفقي للتقاليد، يعني التعليم الشفاهي السري والتعليم المكتوب الكرازي في الكتاب المقدس هم تحت عنوان التقاليد، تعليم الأيقونات والإيماءات الطقسية هي تقاليد، أما الصلاة أمام الأيقونة وإيماني بحضور شخص القديس فيها بحسب النعمة، كلامي معاه بحسب إيماني بشركة الجسد الواحد غير المنقطعة هو التقليد. إحناء رؤوسنا أمام المسيح، البخور العطر الذي يملأ أرجاء الكنيسة كما يملأ المسكونة، الخارج من المجمرة النقية.. مريم!
تقديم المجد للثالوث القدوس! لما نقول "مباركة هي مملكة الأب والابن والروح القدس"، بنُعلن وجهتنا الحقيقية، حياة الثالوث هي اتجاهنا وغايتنا وهو فرحنا ووجودنا الحقيقي!
يُتبع..
___________________
1- الروح القدس للقديس باسيليوس الكبير - ترجمة وتعليق د. جورج حبيب بباوي.
2- In the Image and the Likeness of God, by Vladimir Lossky, Chapter 8 [Tradition and Traditions] p144.
3- نفس المرجع p 144.