الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد (٤) الكتب المُقدسة

الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد (٤) الكتب المُقدسة

Abanoub Ayman

وصلنا في المقال الذي فات إلى التمييز بين تعبيرين: التقليد والتقاليد. والتقليد هو المشاركة، هو الحياة نفسها التي نعيشها من خلال الكلمات والتعبيرات الكنسية بالروح القدس في السر نفسه: صلاة الذوكسا، تقديم المجد للثالوث، واكتساؤنا بذات المجد عندما نرشم نفسنا بعلامة الصليب.. قراءات الكنيسة وترتيبها العجيب الذي يقود لرؤية جديدة بالروح القدس الذي يفتح للمؤمنين منظورًا لا نهائيًا للسر في كل كلمة من الحقيقة المعلنة. هي بحسب الوصف المدهش لفلاديمير لوسكي الذي لا أستطيع أن أنساه منذ قرأته ويتردد قدامي في كل ليتورجيا: "معرفة جديدة، معرفة الله التي يتلقاها المرء كنعمة، كل صيغة مقدسة نقولها تقودنا إلى النور..!".

من هنا نقدر نستنتج أن الكتب المقدسة في الأرثوذكسية هي جزء من التقاليد، والكلمات المكتوبة فيها هي ليست مجرد علامات أو صيغ خارجية نستخدمها لتحديد مفهوم عقلي، لكنها أدوات نعمة سرائرية.

السر هنا هو حدث أو حقيقة تُستعلَن من خلال الكلمات، الكلمة "logia" هي كل ما يمثل تعبيرًا عن الحقيقة المعلنة.

الحقيقة الأساسية في الإيمان المسيحي أن الله يسعى للاقتراب من البشر إلى حد أنه في الزمن الذي اختار فيه عذراء لكي من خلالها ومن خلال قبولها يصير الابن، الأقنوم الثاني في الثالوث، إنسانًا مثلنا ويتحد بنا ليجعلنا على صورة إنسانيته المؤلهة. هي هذه الحقيقة المركزية التي ممكن أن نرى كل شيء آخر يدور في فلكها، زي الكتاب المقدس..

الاتحاد بالله هو الدعوة الأسمى، شفاء الإنسانية من موتها وعدميتها وارتقائها نحو الوجود الحقيقي الذي يتحقق عربونيًا في الكنيسة، كل شيء آخر يخدم هذه الحقيقة ويخدم استعلانها بشكل شخصي لكل واحد في أسرار الكنيسة بالروح القدس.. أي قراءة للكتاب المقدس، خارج هذه الغاية، هو كقراءة أي كتاب أخلاقي أو تُراثي، أستخدمه بحسب أهوائي وغاياتي الخاصة للقراءة.

هذا معناه أن الكتب المقدسة في الكنيسة هي ليست مجرد مجموعة كلمات عن الله، لكنها كلمة الله، هي جسد الحقيقة، هي أيقونة نعاين الحقيقة من خلالها. لذلك لا نقدر أن نفصلها عن الكنيسة وعن التقليد؛ لأن الكلمة كافية وكاملة لكنها وليدة الحدث الأسراري الكنسي، زي ما قلنا المسيح أسس سرًا وأعطى حياته في هذا السر وأعطانا الروح القدس الذي يُحقق السر ويُعلن مفاعيله فينا، فبالتالي الكلمات هي أدوات يستخدمها الروح القدس لاستعلان هذا السر فينا "سر الإفخارستيا، وسر الموت والقيامة مع المسيح في المعمودية، خارج شركة الجسد الواحد والوعي بحياة المسيح تُصبح مجرد كلمات"؛ لأن الشخص الإلهي وحياته ونعمة تجديد الروح لحياتنا بحسب حياته هما محور الكلمة والإعلان زي ما نصلي في طرح آدام بعد الإنجيل في صلاة السجدة الأولى: كان الرسل يبشرون بالتعليم المقدس الإنجيلي، لا بكتابة الكتاب بل بتجديد الروح القدس.

فأما اليهود الذين تعتقوا في إثمهم كانوا يهزأون قائلين إن هؤلاء سكارى من سلافة وليس بإرادتهم نطقوا بالحق؛ لأن نعمة الروح هي خمر جديد (١).

لذلك الكتب المقدسة هي مُقدسة في الكنيسة وليس خارجها، مُقدسة في الجسد الذي رأسه هو المسيح.

والأمر نفسه ينطبق على التعريفات العقائدية والصلوات الليتورجية التي تعبر عن إيمان الكنيسة وهي على التساوي مع الأسفار المقدسة، ليست مجرد كلمات لكنها في الكنيسة خادمات للسر، تُشارك في نفس الملء الوجودي للكتب المقدسة في الكنيسة، كل ما يعبر عن الحقيقة المعلنة هو مُقدس في الحقيقة نفسها، الطبيعة نفسها هي كتاب مُقدس بحسب الآباء؛ لأننا نرى فيها مجد الله، الأيقونات بلغتها الجمالية والإيمانية، والبخور والشموع واللفائف والخبز والخمر! التعبير عن السر المتعالي لله أصبح ممكنًا من خلال تجسد الكلمة، العالم كله صار جسد الله، إذا أدخلناه الكنيسة وقرأناه في نور التقليد وبنعمة الروح القدس!

بالحقيقة إن العالم نفسه لا يمكن أن يحوي الكتب التي يمكن أن تُكتب (يو ٢١:٢٥).

المجد لك يا رب!

___________________

١ - طرح صلاة السجدة الأولى - كتاب صلوات اللقان والسجدة، حسب ترتيب آباء الكنيسة الأرثوذكسية - مطرانية بني سويف ص٢٤٤