كُتب العهد القديم على فترات، ومع تمييزنا ما بين الفهم غير المسيحي للوحي بكونه تنزيلًا أو إملاءً بشكل آلي / سلبي، واعتمادنا على التعبير الأساسي عن الوحي كشركة بين الله والإنسان "سنيرجيا"، فإننا نؤمن أن الكتب المقدسة ومنها أسفار العهد القديم كُتبت من أشخاص محتفظين بشخصيتهم الكاملة، عاملين مع الله بحسب حريتهم في قبول دعوتهم، وفي محاولات لجعل الحقيقة الإلهية التي أنارت معرفة الله في قلوبهم قريبة من لغة الإنسان المعاصر في زمانهم اختار كل واحد منهم بحسب مستواه الثقافي الشكل اللغوي والوسيلة التعبيرية التي يخاطب بها الشعب وينجح في مهمته كنبي ووسيط لإعلان الله عن ذاته وتدبيره للأمم.
الحقيقة الإلهية ليست هي الوسيلة التعبيرية القديمة ذاتها، فمثلًا في سفر المزامير وفي مواضع مختلفة في العهد القديم، نجد آيات كثيرة تعبر عن أن الظواهر الطبيعية مثل البرق والرعد والزلازل هي أصوات الله وهو الذي يصدرها بكلمته. لو سنضع الكلام هذا في سياقه التاريخي سنفهم أن الخلفية الذهنية السائدة وقتها تتصور أن كل عنصر من عناصر الطبيعة وراءه إله يتحكم فيه، الرياح تهب لأن إله الريح يطلقها، وتهدأ لأنه يلجمها والبحر يهتاج عندما يكون إله البحر غاضبًا ويهدأ بسكون غضبه. وقتها لم يكن هناك إدراك لمفهوم نواميس أو قوانين الطبيعة لأن هذا مفهوم حديث ظهر في بداية القرن السابع عشر، لكن هنا في آلهة ولها إرادة.. وما على البشر إلا استمالة الآلهة لصالحهم بالذبائح والقرابين لئلا تؤذيهم، البشرية مرت بمراحل طفولة كانت فيها تنسب لحركات الطبيعة مثل الزلازل والبراكين إرادة إلهية، شبه ذهنية الطفل وهو يعتقد أن الغيوم ذاهبة لمكان تمطر فيه والشمس تطلع الصباح وتروح بيتها في الغروب.. الشعب اليهودي اختلط مع شعوب كثيرة وثنية تؤمن بتعدد الآلهة وتنسب لكل إله عنصرًا من الطبيعة، لهذا خاطبهم الله وقال لهم "اسمع يا إسرائيل، الرب إلهك إله واحد، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" هنا التوحيد جرد قوى الطبيعة من سلطانها المزعوم.. على الرغم من أو يوجد سؤال آخر عن صلاح الله في وسط الحروب والقوى الطبيعية والشر.. مسيرة إخلاء، يرتقي فيها الله بذهن الشعب تدريجيًا نحو حقيقة أنه الإله الحي الحقيقي وكل آلهة الأمم هي اختراعات وتصورات بشرية مؤلهة.
أما اعتبار الشمس والقمر والبحر والرياح مجرد مخلوقات واختفاء التصورات هذه بالكامل لم يتحقق بسهولة، لحد اليوم معظمنا عنده التصورات هذه ويسقطها على الله!
هذا لا ينفي رعاية الله لشعبه ومحبته وعبوره بهم من الموت للحياة.. لكن تعبيرهم عن الله بأسلوبهم تأثر في الوقت هذا بالذهنية السائدة.. التي يجب أن نميزها ونحن نقرأ العهد القديم.
رموز العهد القديم كمشاركة أولية للحقيقة الإلهية، استعلان تدريجي للخلاص
"كتب العهد القديم التي كُتبت على مدى عدة قرون، من قِبَل مؤلفين مختلفين، جمعوا في كثير من الأحيان ودمجوا تقاليد دينية مختلفة، لا تملك سوى وحدة عرضية وسطحية لعيني مؤرخ الأديان، وحدتها مع العهد الجديد ستكون مصطنعة وغير طبيعية، لكن ابن الكنيسة – الذي نال موهبة وشركة الروح – سيكون قادرًا على التعرف على وحدة الإلهام وموضوع الإيمان الفريد في هذه الكتابات غير المتجانسة، التي نسجتها بلغة الأنبياء "أنفاس" الروح القدس" (1)
إذا كان خلاص البشرية وارتقاؤها، باستعلان الله وتأسيس الكنيسة والدخول في شركة الحياة الإلهية هو الغاية العليا والتدبير الأزلي المحتجب في أعماق العهد القديم كرموز والذي يجد استعلانه وكماله في شخص المسيح الابن المتجسد.. كيف نقرأ هذه الرموز وكيف نكتشف تجليات هذا الفعل الخلاصي في مراحله الأولى في العهد القديم؟
فهمنا للرمز في العهد القديم المفروض يتجاوز كونه أداة تعليمية إلى كونه "استعلانًا جزئيًا أو مشاركة أولية في الحقيقة الإلهية نفسها" (2)، لأن الله كان حاضرًا وفاعلًا في التاريخ يهيئه ويربيه ويكشف له الحقيقة تدريجيًا، الرمز هو تحضير فعلي للحقيقة، إعلان عن التدخل أو الكشف الإلهي، وفهم الرموز لا يتم خارج الغاية والتحقق الفعلي في الإعلان الكامل لها الذي هو المسيح والكنيسة.
أي استخدام رمزي خارج الإطار الخريستولوجي (المسيح والكنيسة) هو موجه بهدف الواعظ نفسه ومرتبط غالبًا بآرائه وتخيله.. بالتالي استخدام الرموز في الشرح لا يصح أن يكون بالحرية والاعتباطية؛ كمثال، في التقليد الآبائي الكنيسة هي فلك نوح ولا خلاص خارجها أي لا خلاص خارج جسد المسيح، خارج الاتحاد الإلهي الإنساني، استخدام رمزية نوح والفلك بشكل عاطفي في عظة عن دخول السفينة قبل فوات الأوان بدون شرح لسر الكنيسة والعلاقة العضوية بينها وبين المسيح (علاقة الرأس والجسد) يحول الرمز (الفلك) لقصة أخلاقية، ويفقده بعده الشخصاني الحقيقي في العهد الجديد..
مثال ثانٍ، حدث عبور البحر الأحمر في قراءة الكنيسة وبولس الرسول هو المعمودية، والمعمودية هي موت وقيامة مع المسيح "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ،
فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟
لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ."
هذا عمق الحدث الليتورجي.. موت وقيامة المسيح هي "حياة" حدث العبور الذي هو بمثابة ظل للحقيقة، أما في الاستخدام السطحي توظف المعمودية كإشارة للغسل من الخطية والنقاوة، بدون شرح المعنى السرائري العميق الذي في المسيح.. ادخل إلى الكنيسة وتعرف على قراءتها، كيف ترى الكنيسة مريم والدة الإله في عليقة موسى! كيف ترى المسيح خبز الحياة في طعام المن في صحراء الخروج!
الرمز في العهد القديم ليس مجرد أداة تعليمية أو استعارة تشرح ذاتها وتفسر ذاتها كما يفعل بها المجمع اليهودي، أي بمعزل عن الحقيقة المُعاشة في الكنيسة، في اختراعات شخصية كثيرة نتجت عن سوء الاستخدام للرموز، نحتاج أن نعيها لأجل التمييز ما بين العهدين، التمييز وتوضيح الرابطة العميقة ما بين أسفار الكتاب المقدس ببعض..
هكذا تقرأ الكنيسة العهد القديم، تقرأه خريستولوجيًا، تكتشف المسيح اللوغوس، "نبع النبوات" بحسب ليتورجيا القداس الحبشي، بل هو غاية النبوات وتحققها وجسده الكنيسة "أورشليم الحقيقة"، أي فصل للإشارة الرمزية عن سرها الشخصاني "المسيح والكنيسة جسده" يحولها لنص بلا حياة، وثيقة تاريخية لا يجب قراءتها ولا استعارتها أصلًا في كنيسة المسيح..
يُتبع
__________________
1 – in the image and the likeness of god , by vladimir lossky, chapter 8 [ tradition and traditions]
2 – الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد – الأب جورج فلوروفسكي
3- العهد القديم : أساطير العبرانيين أم كتاب الكنيسة – دراسة ل د. ميلتياذس كونستاندينو، جامعتي تسالونيك والبلمند
4- فتات من نور – كوستي بندلي
5- كيف نقرأ قصة آدم وحواء اليوم – كوستي بندلي