"من يُدرِك حقًا كلام يسوع، يمكنه حتى سماع صمته". (١)
"إن الإيمان، الذي يتمتع ببنيان متين في أساسه العقائدي، يصبح مفتوحًا ويتعرف على ذاته باستمرار في صلاته؛ والإيمان بدوره "يُدرِك" لحظة الحقيقة في الروح من خلال الجماعة المصلية". (٢)
هل التعبير عن الحقيقة المعلنة يتم حصريًا من خلال الكلمات ومواد الخليقة التي تعمل كأدوات سرائرية للنعمة والنور الإلهي؟
قول القديس إغناطيوس: "من يُدرك حقًا كلام يسوع، يمكنه حتى سماع صمته" ينور قدامنا نداء المسيح المتكرر لمحاوريه وتلاميذه: "مَن له أذنان للسمع فليسمع" الذي يكشف أن الموضوع لا يعتمد على السماع الخارجي للكلمات، ولا الترديد الخارجي للتعبيرات الإيمانية. حتى كلمات الوحي نفسها لها هامش من "الصمت" لا يمكن أن تلتقطه آذان من هم في الخارج، من هم خارج الجسد ولا يعرفون يسوع.
يقول الأب جورج فلورفسكي: "إن الإنسان لا يقدر أن يتلقى الإنجيل ما لم يتُب، أي يجدد ذهنه". التوبة ليست مجرد ندم، لكنها تغيير عميق في فكر الإنسان ووجدانه والموقف الوجودي، وتجديد ذاته، الذي يبدأ بنكران الذات "مركزية الذات" ويتحقق بختم الروح القدس.
يبدو هذا الأمر غريبًا، ولكن خبرة متتبعي الأمور الروحية تقول إن الإنسان لا يكتسب فائدة من الأناجيل ما لم يكن أولاً في حب مع المسيح، لأن المسيح هو الحقيقة، ليس نصًا بل شخص حي يقيم في جسده، أي الكنيسة. (٢)
لن تفهم كلام الشخص، في النصوص إلا إذا عرفته أولاً.
عندما الروح القدس من خلال الكنيسة يكشفه لك ويعرفك به وتذوقه، تأخذ جسده ودمه (حياته) كنعمة وهبة، إفخارستيا. كلام الشخص ليس منفصلاً عنه، عن حياته. الحقيقة شخص، ولا عصمة لأي نص إلا في تأسيسه لعلاقة صحيحة مع الشخص، في كونه أداة نعمة إسرارية تكشف سر الشخص وحضوره، والذي سيمسك النص ويشرّحه بشكل سطحي بحسب فكره أو منطقه الخاص خارج وعي الكنيسة وحياتها، لن يعرف مسيح الكنيسة، قد يخترع مسيحًا خاصًا به وعلى مقاسه.
القديس باسيليوس الكبير يقول لنا: "هناك شكل من أشكال الصمت، وهو الغموض الذي تستخدمه الكتب المقدسة والذي يجعل فهم بعض التعاليم صعبًا".
نرى الكلام ده في مواقف كثيرة وتعبيرات للرسول بولس في الرسائل للعبرانيين أو رومية، في أمثال ربنا يسوع وكلماته. أعماق تُقرأ بشكل سطحي وفهم مغلوط وسخرية وتهكم ممن هم خارج الكنيسة.
هنا الصمت أو الغموض الواضح في الكتاب المقدس وبعض الصلوات لمن يقرأ من خارج الكنيسة، ليس معناه نقص أو عدم اكتمال الوحي ولا احتياجه للإضافة، الصمت يشير إلى أن السر أو الحقيقة المعلنة لكي يتم استقبالها بشكل حقيقي يتطلب منا الخروج من المستوى الأفقي للنص إلى المستوى العمودي للشركة، يتطلب منا المشاركة والدخول في السر نفسه، الانتقال من التقاليد إلى التقليد في شركة الروح القدس، هو نداء للدخول في السر، والتأصل والتأسس في المحبة، في المسيح نفسه "حَتَّى نَسْتَطِيعُ أَنْ نُدْرِكَ مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ" (أف 3: 18).
هنا نطبق حرفيًا وحدة الكتاب المقدس مع التقليد، من خلال الرابط ده لا يمكننا فصلهم كواقعين متضادين، ومع ذلك يلزم التمييز بينهم لفهم أسلوب وسياق وحدتهم الحقيقية. "إذا كانت الكتب المقدسة وكل ما تنتجه الكنيسة في كلمات مكتوبة أو منطوقة، في صور أو رموز ليتورجية، هي طريق تعبير عن الحقيقة، فإن التقليد [المشاركة في الحدث الكنسي بالروح القدس] هو الطريقة الفريدة لاستقبال الحقيقة". (٣)
وهنا حرية الدخول لمقادس الله، والوعي بضرورة التطهير والخشوع أمام السر هو أسلوبنا الفريد للتهيئة لاستقبال الحقيقة، بدون حتميات ولا ضمانات رسمية، ولا سحر وتغيرات مفتعلة. التقليد ليس هو محتوى الوحي أو الحقيقة، لكنه النور الذي ينير طريقي في اكتشاف الحقيقة، التقليد ينور لنا طريق "الآليثيا" بالروح القدس لأن "لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ." (1 كو 12: 3).
"التقليد هو حياة الروح القدس في الكنيسة، التي تنقل لكل عضو في جسد المسيح القدرة على استقبال ومعرفة الحقيقة في النور الإلهي وليس نور العقل البشري نفسه، هذا هو التقليد حسب الروح القدس، هذا هو التقليد كمبدأ للمعرفة المسيحية، المستقل عن فلسفة مجردة، المستقل عن كل ما يعيش حسب أركان العالم وتقاليد البشر وليس حسب المسيح". (٤)
يُتبع ..
_______________
١- رسالة القديس إغناطيوس الأنطاكي إلى أهل أفسس - الآباء الرسوليون الجزء الثاني
٢ - فلاديمير زيلنسكي، والدة الإله - الأرثوذكسية
٣- جورج فلورفسكي، الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد - وجهة نظر أرثوذكسية (منشورات النور)
٤ - في صورة الله ومثاله، فلاديمير لوسكي، الفصل 8 [التقليد والتقاليد] ص 150
٥- نفس المرجع ص 150