هل حقًا نرفض الكتاب المقدس كما يُقال؟
هل النص هو معيار الحقيقة؟ ما هو جوهر وحقيقة الكنيسة؟
العنصرة هي حدث تأسيسي في الكنيسة، هي إعلان استمرار تجسد المسيح في التاريخ، وحضوره من خلال الكنيسة جسده. الله يسكن فينا، هكذا نؤمن بالحقيقة كحضور شخصي مُغيِّر لوجودنا. لم تولد الكنيسة من رحم النص كما يقول البعض. كانت نصوص العهد القديم موجودة بالفعل، ولم يعرف الشعب الله من خلالها إلا قليلون تمسكوا به عندما وجدوه. لم يعرف الشعب اليهودي حقيقة الله عندما رآها في وجه يسوع. نرى يسوع مُنهكًا في طريق عمواس يعيد على التلميذين النبوات الذين حفظاها صمًا؛ ليذكرهم بها في حضوره، إنها تحققت فيه. كم مرة أساء أتباع يسوع فهمهم لملكوت الله ومعرفتهم عنه قبل أن يواجه تصوراتهم بالحق!
لم يكن إذًا نص العهد القديم حصرًا في ذاته هو الحقيقة، بل الحضور الإلهي نفسه يكشف ذاته لنا وحقيقة الخلاص من خلال نبوات ونصوص العهد القديم المتعلقة بخلاصنا، هكذا استخدم يسوع العهد القديم: "فتِّشوا الكتب، فهي تشهد لي". ليس النص هو الحقيقة في ذاته لكن في استخدامه الذي يضع الحضور الإلهي مركزًا للحدث الوجودي والخلاصي في الكنيسة "جسد المسيح"، وهذا ما ذكرته بشكل خاص في المقالين الرابع والخامس من السلسلة.
لذلك في الكنيسة ندرك الحقيقة، ننمو في الحقيقة بالروح القدس الذي ينير عيون أذهاننا من خلال الكلمة المكتوبة واللحن الهادئ ولحظات الصمت في السجود، والشخوص إلى الأيقونستاتز، محفل القديسين المُطل علينا من الأيقونات، والنظر إلى الشرق.. حيث يُشرق المسيح في قلوبنا بالروح القدس، لنعرفه ونتحد به وبخلاصه. هذه الخبرة التي نتحدث عنها ومنها تنطلق كل خبرة مستيكية، اقرأوا عظات أنبا مقار.. خبرة تُغيِّر نمط وجودنا الطبيعي من انغلاق الذات وفردانيتها إلى الانفتاح على الآخر، الله والإنسان.. الانفتاح على نور المسيح بالروح القدس.
أما ما نرفضه بلا شك هو تأليه النظرة الفردية لأحداث ونصوص الكتاب المقدس، كأننا ننظر للنص خارج التقليد، خارج الملء الذي هو الكنيسة الجامعة التي هي ملء السماء والأرض، أي؛ خارج حدث المشاركة في أسرار الكنيسة بنور الروح القدس، الاستقبال الفرداني للنص كأنه هو الحقيقة.
نحن نستقبل الحقيقة الشخصية لله في نمط وجود ثالوثي، ككنيسة من خلال النص الذي يشكل هنا جسدًا للحقيقة، نرفض عزل الكتاب عن الكنيسة والتكريس لتفسيره خارجها، في تجربة فردية أشبه بهروب آمن من مغامرة الإيمان الوجودية في حياة الكنيسة!
نرفض تحويل الحقيقة المُعلنة في شخص المسيح لموضوع، حقيقة أن الوجود الحقيقي هو حياة الثالوث القدوس، والاشتراك فيها هو غاية كل شيء. كل ما نقرأه كنصوص الكتاب، ونتعلمه، نمارسه في الأفخارستيا، هو لنصير أعضاء جسد الابن، شركاء في حياة الثالوث. هذه هي الحقيقة والغاية التي من أجلها ندخل إلى الكنيسة! فالدخول للكنيسة فعل شخصي، المعمودية حدث وجود بالمطلق، نموت وندفن عن عتيقنا المائت لنوجد كخليقة جديدة، ونُرشم بالميرون لنُختم بختم التبني، ختم علاقة شخصية وفريدة مع الثالوث من خلال الروح القدس.
هنا المسحة لا تغير طبائعنا وتحولها، لكن نمط وجودنا نفسه، أي كيف نوجد حقًا..
الإفخارستيا والمعمودية والميرون هما الطرق التي من خلالها يتحقق ويتجلى حدث العنصرة المستمر الذي يُنشئ الكنيسة جسدًا للرب القائم المُمجَّد.
هذه هي الخبرة التي ننطلق منها كنسيًا وعليها نرى كل خبرة حقيقية للقاء الله بالنفس، البعض يتهكم على أسرار الكنيسة، لا داعي للصدام أو النقاش حول ذلك. أما نحن فلا ندعوها أسرارًا لننسب لها طابعًا خفيًا أو باطنيًا لا واعي، لكن لنميز ونُظهر أن الاقتراب والدخول في حياة الكنيسة وشركة الخلاص ومعرفة الله، معرفة الحقيقة الإلهية لا تستوفى أو تُستهلك في فينومينولوجيا ظاهرية، أي فيما نراه بعيوننا في الحدث والذي لا تقدر لغتنا التقليدية أو المادية أن تصفه أو تحتويه. فقط المشاركة، الدخول للكنيسة بقلب خاشع وبحرية القبول كوالدة الإله، يجعلنا نبلغ معرفة إمكانيات الحياة التي تحتفل بها الكنيسة.
البعض يتعامل مع النص المقدس بكونه الحقيقة ذاتها أو معيارها الأسمى وينكر ذلك بل ويتهكم على خبرة الكنيسة وحياتها الأسرارية وهم في ذلك يحولون الحقيقة لموضوع للتملك ولكي يمتلكون الحقيقة يجب أن تكون مُصاغة ومُحددة ومحكومة بين جلدتي كتاب! ولا علاقة لهذا بالكنيسة الأرثوذكسية.
المعرفة التنزيهية، الخاصة بالحقيقة الكنسية تستبعد أي فهم مُشيّئ للحقيقة كأن يكون معيارها نص مثلًا، تضع الكنيسة النص في حدوده وإمكانياته كصياغة وتحديد وفصل للحقيقة عن الهرطقات، بل وتكرسه أداة أسرارية للآليثيا، أي انكشاف الحقيقة.. لكن الحقيقة ذاتها تتجاوز النص، لا تتعلق معرفة الحقيقة بفهم النص بقدر ما تتعلق بالمشاركة في حدث الحقيقة، في خبرة الحياة الحقيقة ذاتها وفي شركة الجسد الواحد. نعم، فالحقيقة حضور شخصي، الحقيقة حدث، أدركنا ذلك من إعلان الثالوث، من التجسد ومن الإفخارستيا ومن العنصرة، أن الحياة أُظهرت كما قال لنا القديس يوحنا فلا نتمسك بالنص وننكفئ على ذواتنا بلا نأخذه إلى الحياة التي يتحدث عنها، لم يعطنا المسيح نصًا، بل أعطانا ذاته، وأعطانا الروح القدس الذي يحقق فينا حياته ويكشفها لنا..
النص يشير للحقيقة، يحددها في صياغة لغوية، يدافع عنها. دفعت الهرطقات الرسل أحيانًا كثيرة للكتابة، والكنيسة كذلك كتبت وما زالت تكتب، نقرأ رسائل بولس ونميزه كراع واعٍ بمشاكل رعيته يخاطبهم باهتمام كما يراسلونه هم. نقرأ يوحنا كشاهد أمين سجل لنا جمال يسوع وكلامه عن أبيه والروح القدس، نعلم أنه كتب خبرته التي لا تستنفد تحت إلحاح آخرين كشاهد، رأى وعاين يسوع، ونعلم أن الروح القدس قاده في ذلك بلا شك ولكنه كتبها ليكون لنا فرح وخبرة مثل التي كانت له من جهة كلمة الحياة؛ من جهة يسوع!
بل والمدهش والبديع هو مرد الشماس في أوشية الإنجيل: "صلوا من أجل الإنجيل المقدس"، الكنيسة تصلي من أجل الإنجيل، من أجل تجلي بشارة الخلاص وثمارها في حياتنا.
كذلك كتب آباء الكنيسة بذات الروح دون أن يتوقفوا عن تنزيه الحقيقة الإلهية عن دعوى امتلاكها أو تحديدها في نصوص.. نعم هناك صعوبة في جمع هذين المبدأين منطقيًا، مبدأ تعالي الحقيقة عن محدودية الصياغة واللغة ومبدأ التعبير عن الحقيقة في لغة.
فقط لو اعترفنا بأولوية الحياة الشخصية عن الفهم النصي الفردي للحقيقة، سندرك على أي مستوى يمكن أن تكون النصوص المكتوبة بالحق كلمة الله للإنسان.
التقليد الجامع هو المعيار، ولتوضيح معنى كلمة "التقليد" أقترح الرجوع لباقي أجزاء السلسلة.. التقليد حياة الكنيسة، أن تكون في التقليد، أي أن تستعلن حقيقة الخلاص ومعرفة الله بالروح القدس في الكنيسة، هنا الشخص "الأقنوم" حامل الحياة الإلهية ينقل حياته ويودعها لأشخاص مثله ولا يستحي أن يدعوهم أخوته، هؤلاء الذين يحملون حياة الله بداخلهم بالروح القدس الساكن فيهم يميزون الحقيقة، يستنيرون بها، فيلفظون كل هرطقة تشوه الحياة ويميزونها متى ظهرت ومتى نادى بها الجميع.. أرثوذكسية الحياة تنتصر دومًا حتى لو حُفظت في شخص واحد، كثيرون يدافعون عن أرثوذكسية نصية ويفتقرون إلى روح ethos حقيقة الأرثوذكسية ومع ذلك لا نقدر أن نقول أنها حفظت إلا من خلال الروح القدس العامل في القديسين، حُفظت كوعي حي بالوفاء لحياة الرسل وخبرتهم واجتماعهم الإفخارستي كجسد المسيح الحي.
هل يعني هذا عدم وجود معيار موضوعي للحقيقة؟ ألا يمكننا بحسب ذلك أن نقول أن الكتاب المقدس نفسه معيار الحقيقة؟ الإجابة مرة واحدة تكمن في تحديد جوهر وهوية الحقيقة أنها لا تنفصل عن الحياة "حياة الثالوث" والحياة حاملها الوحيد هو الشخص "الأقنوم" والتي تنتقل منه لأعضاء جسده، الكتاب معيَن داخل الكنيسة، وفي التقليد الحي، ليس النص بديلًا للشخص بل إشارة تجد كمالها فيه، أيقونة للحقيقة، لا تُستبدل النصوص بالشخص، بالعلاقة معه، الحقيقة تستعلن بالمشاركة، بعلاقة أكثر مباشرة مع الشخص.
هنا يُحفظ الإيمان، حيث تحيا الكنيسة في أديرة نائية كانت أو كنائس صغيرة شبه غير معروفة، تحيا التقليد الليتورجي في ملئه، هنا يُحفظ خلاص الإنسان ومسكونيته.