المعرفة الاختبارية عن الله - المتروبوليت أثناسيوس ليماسول

المعرفة الاختبارية عن الله - المتروبوليت أثناسيوس ليماسول

Fady Nabil

ترجمة/ فادي نبيل

رَنِّمُوا لِلرَّبِّ السَّاكِنِ فِي صِهْيَوْنَ، أَخْبِرُوا بَيْنَ الشُّعُوبِ بِأَفْعَالِهِ. مز 9: 11

يعبر فيه المرنم عن مشاعر الامتنان والشكر على معجزاته التي حدثت في حياته، وبصفة عامة حياة الإنسان الذي رجاؤه في الله وفي محبة الله الفائضة تجاه كل البشر بدون استثناء. ولكننا نحن البشر لدينا غشاوة تعيق رؤيتنا لأعمال الله في حياتنا، وبالرغم من ذلك كلما حارب الإنسان روحيًا كلما اقترب من الله وتنقت رؤيتنا أكثر، ورأينا الله يعمل في حياتنا ونراه بجانبنا يساعدنا ويحفظنا منذ لحظة بداية وجودنا. وهذه المشاعر كلها تولّد التمجيد لله كلي القدرة الذي نحبه.

المعرفة في الكتاب المقدس والآباء ليست المعرفة العقلية المجردة، فمثلًا حقائق الإيمان التي نعرفها من الدراسة والوعظ والتي نقبلها ونؤمن بها ونعرفها. ولكن المعرفة التي يتكلم عنها داود والآباء أعمق من ذلك، فالقديس إسحق السوري قال إن الإيمان ينقسم إلى مرحلتين: بداءة الإيمان وإيمان الثيؤريا. النوع الأول هو ما نذكره في قانون الإيمان، ولكن هذه المعرفة معرفة عقلية وهي تؤثر بالطبع على طريقة تفكيرنا عندما نعمل أعمال الله. ولكن المعرفة الحقة هي النوع الثاني: إيمان الثيؤريا. وكلمة ثيؤريا مشتقة من الفعل اليوناني القديم "ثيؤروا" والذي يعني "يرى"، فهذا النوع من الإيمان لا يتولد من المعرفة العقلية، بل من الخبرة، خبرة الحب وعلاقة الحب الموحدة. فاختبار الله في حياة الإنسان هو الغاية التي تتخطى كل خبرات الإنسان التي يحصل عليها الإنسان في حياته. ولكن كيف تولد هذه المعرفة؟ يقول القديس إسحق السوري إنه تولد من التجارب أي من نيران الضيقات إلى الجلجثة التي تأخذ أشكالًا متعددة في كل شخص، وفي هذه الحالة على الإنسان أن يظل أمينًا نحو الله ولا يتزعزع عن موقفه بغض النظر عن العواصف التي تواجهه في الحياة. ونتيجة هذا الصبر والإيمان تكون إيمان الثيؤريا أو الخبرة، أي أن الله يعلن عن نفسه للإنسان ويعتبر الله الإنسان ابنه والإنسان يجعل الله أباه. فالعلاقة بين الله والإنسان ليست علاقة عقلية، لكن علاقة وجودية أي يختبر الله حياة الإنسان على الأرض بكل كيانه، فمركز كيان الإنسان هو القلب وليس العقل. والجيل الأول من المسيحيين كان يختبر الله وجوديًا بكل كيانه وليس عقليًا، لذلك قدم هذا العدد من الشهداء والمعترفين والقديسين، ولم تتأثر الكنيسة لأن الشعب كان غير متعلم ولا مثقف أكاديميًا. فالمعرفة الأكاديمية تساعد ولكنها ليست ذات أهمية كبيرة في الحياة الروحية، ولكن الأهم هو اختبار حدث حضور الله في القلب، فعندها يحصل الإنسان على الوعي بالله الذي أرسل يسوع المسيح.