غالبًا ما نواجه هذا السؤال بأشكال عدة، والسؤال غالبًا مبني على افتراض خاطئ لو كنت تتكلم عن الإيمان المسيحي.
في المسيحية، أنا أؤمن لأوجد في الحياة الحقيقية، أؤمن لأعرف ذاتي وحقيقتي في الإله الذي تبنى إنسانيتي وأعادها في بعدها الإلهي، شفاها وارتقى بها وهزم بها الموت وصعد بها للوجود الحقيقي في الثالوث.
الأخلاق (عدم القتل والسرقة) لن تجاوب على سؤال وجودك ولا الغاية النهائية من الحياة.
افتراض أن الإيمان من أجل التحلي بالأخلاق والفضائل الحسنة هو افتراض غير مسيحي. أنت لست بحاجة إلى إيمان لتعرف الأخلاق الحسنة، الفلسفة وحدها ممكن أن تعلمك ذلك، وعلم النفس ممكن أن يعطيك صورة عن دوافع أفعالك لتهذبها، بل ممكن أن تكون الأخلاق نتيجة لتربية قمعية مثلًا. الفضيلة والأخلاق الحسنة هي ثمرة لحرية الإيمان، ليست مبتغاه النهائي ولا ضالته. المسيح ليس مجرد معلم أخلاقي، لأن التاريخ مليء بمعلمي الأخلاق، المسيح جاء ليعطي حياته ومنها نحيا.
الإيمان هو موقف وجودي من إله أعلن لنا ذاته، أعلن محبته للبشر، وأعطانا حياته. أعطانا جسده لنقبله ونحيا به. أخلاقنا وسلوكنا الحسن هو مجرد تعبير بسيط عن حبنا له في صورته الموجودة في كل إنسان، هي مجرد استجابة لجاذبية المحبة الإلهية وفعلها فينا، وهذا مجرد تعبير يزيدنا معرفة وعشرة لله. وهذا التعبير بلغة أخرى هو شهادة على غلبة الموت، عندما نحب، نعلن انتصار الحياة، نعمق الحياة، هي هذه الحرية الحقيقية.
فسؤال: "هحتاج الإيمان في إيه؟" ليس له معنى إذا كان الإيمان هو علاقة شركة حياة واتحاد بالله.
لو رجعنا خطوة للوراء على نقطة الفضيلة والأخلاق التي عندنا بدون إيمان، سنجد أن الأخلاق كتنظيم مشترك بين البشر قد تكون نتاج إيمان اندثر وغاب التعبير عنه، كأنها رواسب ينبوع انقطعت عنه هذه البيئة، نتاج بيئة كانت دينية. وهنا الأخلاق هي ميكانيكية، مجرد وعي جمعي. ممكن أن تنطفئ شعلة الإيمان لفترات كثيرة عن بيئة معينة، ومع ذلك تفضل الفضيلة كامتناع عن القتل أو السرقة ليس حبًا في الفضيلة ذاتها، لكن خوفًا من العقوبة، خوفًا من تعطل المصالح ولتجنب المشاكل.
الفضائل والأخلاق الحقيقية ليست مجرد أيديولوجية ولا امتثال لتوجه مجتمعي، الأبعاد الروحية المسيحية تتجاوز ذلك بكثير.
قال القديس غريغوريوس النيسي في كتاب "حياة موسى": "إن بعض النفوس تتجنب الشر وتمارس الفضيلة خوفًا من العقاب، وبعضها سعيًا إلى المكافأة (الثواب)، والبعض الآخر حبًا بالله."
"هذا هو الكمال الحقيقي:
ألا نتجنب الشر لأننا، مثل العبيد، نخاف من العقاب، ولا أن نفعل الخير لأننا نأمل في المكافآت، كما لو أننا نتاجر بالحياة الفاضلة من خلال ذهنية "المكسب والنفعية"، بل أن نتطلع إلى ما هو فوق ذلك، إلى ما هو إلهي وعظيم،
إلى صداقة الله،
فإننا نعتبر الكمال الحقيقي هو التوصل إلى صداقة الله، وأن يكون خوفك الوحيد هو أن تفقد الصداقة الإلهية.
إن كمال الفضيلة هو في الحب الذي ينفي الخوف... هذا هو كمال الحياة كما أرى!"