في ذكرى نياحة د. هاني مينا ميخائيل: العدالة الإلهية حياة لا

في ذكرى نياحة د. هاني مينا ميخائيل: العدالة الإلهية حياة لا

Raed Gaied

في الذكرى السنوية الرابعة للدكتور هاني مينا ميخائيل، اشارك معكم خبرتي لكتابه «العدالة الإلهية: حياة لا موت، مغفرة لا عقوبة»، وهو – في وجهة نظري وبحسب تجربتي الخاصة – الكتاب الأهم لكل إنسان يريد الدخول إلى وعي ولاهوت وذهنية الكنيسة. وهو أيضًا الكتاب الوحيد الذي عنوانه يَجمُل كل الكتاب، وكل الكتاب هو شرح تفصيلي جدًّا للعنوان؛ حيث يُستعاد الوعي بالعدالة الإلهية بوصفها شفاء للإنسان وحياته في الله، بخلاف كل قوانين الأرض التي تتحقق فيها «العدالة» بتصورات مليئة بالفزع والموت والقصاص من مجرم، حيث يتوَّج النهاية الموت ويظهر كإله وكسيادة وكقوة لا تُقهر، تُرضي جميع المحبين والمتصالحين معه.
وتصبح «العدالة الإلهية» عكس قيامة المسيح، كونها نصرًا للموت وغيابًا للحياة، ويتحوَّل العادل والحاكم بالعدل أيضًا إلى مجرم يقتص ويقتل، حتى ولو في سبيل أن «الجزاء من جنس العمل»، فمن قتل يُقتل، والمطبِّق للعدل هنا قاتل لا محالة!

يؤسس د. هاني مينا ميخائيل في كتابه لحالة من الميطانويا؛ حيث يصبح الكتاب تطهيرًا للذهن من مفاهيم القوانين الأرضية والبيئة الإقطاعية، ومحاولة خلق إله على صورتنا ومثالنا، يُحاكينا في أمراضنا بدلًا من أن يشفينا ويرقينا وينزهنا عن تصوراتنا وخيالاتنا غير المقدسة. وتظهر «العدالة الإلهية» مرة أخرى ببهائها وفرحها، كونها حياة للميت وشفاءً للمجروح من العدم والخطيئة.

عند قراءتي الأولى للكتاب سنة 2015 تقريبًا، كان الكتاب بمثابة مطرقة للوعي. أذكر وقتها أنني فقدت إحساسي بالزمن والمكان، وانهمكت في القراءة في تأمل وسفر وارتحال لا يتوقف على مستوى الداخل. كان الكتاب بالنسبة لي – وبطريقة كافكا – «فأسًا يهشم البحر المتجمد» في كياني. هذا الكتاب جعلني أدرك أن القراءة ممارسة وجودية شافية، تُهذّب النفس، محاولة لتقصّي الحياة فينا؛ القراءة صلاة وسجال، وأعظم حوار ثري وخصب مع الحياة الأعمق فينا، مع الذات والكيان.

إن أردت أن تجلس مع ذاتك، أو تصلي، أو تمارس الحياة ونعمة الوجود، أو تُطفئ الانفعالات؛ اقرأ. اقرأ مثل هذه الكتب التي تساعد على إحداث تحولات عميقة تجلّي ذاتك الأعمق. وهذه الكتب لا تُقرأ مرة واحدة، وستعي قصدي عند تجديدك لقراءة الكتاب، إذ ستجد تجديدًا للنور أو نورًا جديدًا.

يوضح د. هاني مينا ميخائيل في بداية الكتاب ضرورة هذه الدراسة وسببها، ويستعرض مع القارئ تاريخ تغرّب واستعادة، ويصف هذه الدراسة بالآتي:

«هي جزء من حركة استرداد التراث واكتشاف الفرق بين روح الشرق الأرثوذكسية وروح الغرب، وهي مستوحاة من دراسات أرثوذكسية».

جدير بالذكر أنني عرفت الأنبا بيمن المتنيح من خلال د. هاني مينا ميخائيل عند قراءتي للكتاب؛ فالكتاب ليس فقط عظيمًا فيما يقدمه من لاهوت الكنيسة، بل أيضًا فيمن قدَّمهم كأشخاص، مثل الأنبا بيمن المتنيح، وهو أبوه الروحي. قدَّم الكثير من الأسماء، وهم ممثلون للتيار الأرثوذكسي في العالم كله. وهنا يظهر د. هاني مينا ميخائيل كإنسان أرثوذكسي قبطي تربى على أيدي معلمين وآباء روحيين غرسوا فيه جمال اللاهوت الأرثوذكسي.

وكان من الكنيسة القبطية الأنبا بيمن المتنيح – كما ذكرت – والذي بدوره ساعده على الانفتاح على التيار الأرثوذكسي العالمي كله؛ فيذكر أن الأنبا بيمن شجعه على قراءة كتب معهد «سانت فلاديمير» الأرثوذكسي (نيويورك)، وكتابات المطران جورج خضر (مطران جبل لبنان الأرثوذكسي)، وكوستي بندلي، فانفتح على جمال الكنيسة الجامعة ولاهوتها، ووجد فيها صحته وشفاءه وسعادته. وفي دخوله للتيار الأرثوذكسي العالمي تعرف على الأب جورج فلورفسكي، والأب رومانيدس، والأب مايندورف، والأسقف كاليستوس وير، والأستاذ كارميريس. ومن الجيل الجديد كريستوس ياناراس، وجون زيزيولاس، وقبل هؤلاء الأب ڤلاديمير لوسكي، وبول إفدوكيموف، والأب ستانيلوي.

وهنا نستطيع أن نقول إن د. هاني مينا ميخائيل – وبهذا الكتاب فقط – يظهر كمجدِّد ومكمِّل للذهنية الآبائية في الكنيسة القبطية، منضمًّا للنهضة الأرثوذكسية التي بدأها الأب متى المسكين.

يقدّم لك د. هاني مينا ميخائيل – وعن قصد – أرثوذكسيي العالم كله بجانب مادة الكتاب، ليذكرنا أمام مجد الثالوث، ويشفع فينا لأجل استنارة حواسنا وذهننا، لنقرأ الإعلان الإلهي فينا أو يُقرأ الإعلان الإلهي في حياتنا، ويتصوّر للعالم كله لأجل الكنيسة (أي نحن والعالم كله).