كرازة المسيح في الجحيم (1) - المقدمة

كرازة المسيح في الجحيم (1) - المقدمة

Dr. Antoun Guirgis

المقدمة

موضوع ”كرازة المسيح في الجحيم“ هو موضوع في منتهى الأهمية، لذا نقلته الأسفار المقدسة في مواضع عدة سواء في العهد القديم أو الجديد، كما ذكره الآباء الرسل في كتاباتهم كتقليد رسولي مسلم من الرب يسوع نفسه، وهكذا نجد آباء الكنيسة الجامعة في شتى العصور ينقلون هذا التعليم المسيحي الرسولي المسلَّم من المسيح نفسه إلى الرسل، وهكذا تسلِّمه الكنيسة عبر الأجيال والعصور، سواء في كتابات الآباء القديسين، معلمي الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، أو في تقاليدها الليتورجية المختلفة. حيث يمثل التعليم عن ”كرازة المسيح في الجحيم“ رجاء المسيحية في خلاص جميع البشر، ودعوتها المستمرة إلى الخلاص سواء قبل الموت أو بعده، لأن هذه هي إرادة الله أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. لقد قمت في هذا البحث بتتبع التعليم عن ”كرازة المسيح في الجحيم“ عبر الكتاب المقدس بعهديه، ثم إشارات الآباء القديسين المختلفة في كتاباتهم، ثم إشارات التقليد الليتورجي بالأخص التقليد الليتورجي القبطي إلى هذا التعليم الراسخ في الكنيسة منذ نشأتها. وهكذا ننتقل في هذا البحث بين دفتي الكتاب المقدس والتعاليم الآبائية والليتورجية المختلفة حول موضوع ”كرازة المسيح في الجحيم“. حيث سيجد القارئ العديد من الإشارات الكتابية والآبائية والليتورجية المختلفة إلى هذا التعليم الثابت في الكنيسة. ولقد اعتمدت في هذا البحث على العديد من مصادر التعليم الأرثوذكسي في الكنيسة.

أرجو أن يكون هذا البحث سبب بركة، ورجاء، وعزاء لكثيرين، بصلوات القديسة العذراء مريم والدة الإله، وصلوات آبائي الرسل القديسين الذين أناروا العالم بالتعاليم الخلاصية، وصلوات آبائي القديسين معلمي الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وصلوات أبينا وراعينا البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – يناير 2023


 

كرازة المسيح في الجحيم

سوف نستعرض في هذا البحث موضوعًا في غاية الأهمية، وهو كرازة المسيح في الجحيم بعد موته على الصليب، حيث نزل المسيح إلى الجحيم، وكرز بالخلاص للأرواح التي كانت في الجحيم دون تمييز. وسوف نتناول موضوع كرازة المسيح في الجحيم من خلال إشارات الكتاب المقدس إلى ذلك الحدث المهم، ومن خلال كتابات وشروحات آباء الكنيسة الأولى في القرون الخمسة الأولى من المسيحية، وأيضًا من خلال نصوص الليتورجية القبطية في مواضع ومناسبات احتفالية مختلفة. حيث سوف نرى أن موضوع كرازة المسيح في الجحيم بالخلاص هو موضوع متداول وأساسي في الكتاب المقدس وفي الكتابات الآبائية والنصوص الليتورجية.

الكتاب المقدس

يتنبأ هوشع النبي عن كرازة المسيح وخلاصه للذين في الجحيم قائلًا: ”مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ تَخْتَفِي النَّدَامَةُ عَنْ عَيْنَيَّ“ (هو13: 14).

ويتنبأ سفر الحكمة عن نزول المسيح إلى الجحيم قائلًا: ”لأن لك سلطان الحياة والموت، فَتنحدر إلى أبواب الجحيم وتصعد“ (حك 16: 13).

ويتحدث متى الإنجيلي عن وجود المسيح في بطن الأرض (الجحيم) مثلما كان يونان في بطن الحوت لمدة ثلاث أيام وثلاث ليالٍ كالتالي: ”لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْبِ الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ“ (مت 12: 40).

ويتحدث متى الإنجيلي عن تفتح القبور، وقيامة أجساد الراقدين، وخروجها من القبور بعد قيامة المسيح كالتالي: ”وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ، وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ“ (مت27: 52- 53).

ويتحدث بطرس الرسول في عظته الشهيرة في يوم الخمسين عن نزول المسيح إلى الجحيم كالتالي: ”هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضًا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ. لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ: كُنْتُ أَرَى الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، أَنَّهُ عَنْ يَمِينِي، لِكَيْ لاَ أَتَزَعْزَعَ. لِذلِكَ سُرَّ قَلْبِي وَتَهَلَّلَ لِسَانِي. حَتَّى جَسَدِي أَيْضًا سَيَسْكُنُ عَلَى رَجَاءٍ. لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا“ (أع 2: 23- 24).

ويتحدث بطرس الرسول عن نزول المسيح إلى الجحيم وقيامته مُستعينًا بنبوءة داود عن قيامة المسيح قائلًا: ”سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَادًا“ (أع 2: 31).

يتحدث بطرس الرسول في موضع آخر عن كرازة المسيح للموتى في الجحيم قائلًا: ”فَإِنَّهُ لأَجْلِ هذَا بُشِّرَ الْمَوْتَى أَيْضًا، لِكَيْ يُدَانُوا حَسَبَ النَّاسِ بِالْجَسَدِ، وَلكِنْ لِيَحْيَوْا حَسَبَ اللهِ بِالرُّوحِ“ (1بط 4: 6).

ويتحدث بطرس الرسول في نفس السياق عن كرازة المسيح للأرواح التي في الجحيم دون تمييز كالتالي: ”فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ، الَّذِي فِيهِ أَيْضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ، إِذْ عَصَتْ قَدِيمًا، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ“ (1بط3: 18- 21).

ويتحدث بولس الرسول عن نزول المسيح إلى الجحيم وتحريره للأسرى من إبليس كالتالي: ”وَأَمَّا أَنَّهُ ’صَعِدَ‘، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلًا إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى. اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ“ (أف 4: 9).

ويتحدث بولس الرسول في موضع آخر عن نزول المسيح إلى الجحيم قائلًا: ”فَيَقُولُ هكَذَا: ’لاَ تَقُلْ فِي قَلْبِكَ: مَنْ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ؟‘ أَيْ لِيُحْدِرَ الْمَسِيحَ، ’أَوْ: مَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ؟‘ أَيْ لِيُصْعِدَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ“ (رو10: 6، 7).

ويستشهد بولس الرسول بنبوءة هوشع عن انتصار المسيح على الهاوية والجحيم كالتالي: ”وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: ’ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ‘. ’أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟‘ أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ، وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ“ (1كو 15: 54- 56).

ويصوِّر ق. بولس الرسول انتصار المسيح على الشيطان وملائكته قائلًا: ”وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا، إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ، إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ“ (كو 2: 13- 15).

ويشهد يوحنا الرسول عن أن المسيح يمتلك مفاتيح الموت والهاوية كعلامة انتصاره على الجحيم كالتالي: ”أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ“ (رؤ 1: 17، 18).

كما يشهد يوحنا الرسول أيضًا عن طرح الموت والهاوية في بحيرة النار كعلامة لانتصار المسيح النهائي على الجحيم كالتالي: ”وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ“ (رؤ 20: 14).