" عقل المرء ومشاعره
سوف يلمسا النَفَس الإلهيdivine breath
وسوف يدرك أن الكلمات التي يُطالعها
ليست منطوقات الإنسان بل لغة الله "
(أوريجانوس , المبادئ)
البسطاء واللاهوتيون
وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ:أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ.
( يو 17:3)
فَابْتِغَاءُ الْحِكْمَةِ يُبَلِّغُ إِلَى الْمَلَكُوتِ.
(حكمة6: 21)
تجاهل الآب هو موت ومعرفته هي الحياة الأبدية ،
من خلال المشاركة في قوة الوحيد عديم الفساد
... ولكن الثورة ضد معرفة الله تجلب الفساد .
(اكليمنضس السكندري, المتفرقات)
...ومن يحب التعلم لابد أن يحبه الحق.
(ثيوفيلوس الأنطاكي، إلى اوتليكوس)
اللاهوتي, من هو؟
حين تسمع كلمة (اللاهوتي ) ما هو أول مشهد يستعرضه ذهنك؟
لعل يا صديقي أول مشهد يستدعيه ذهنك هو مشهد لعالم جليل يرتدي نظارات دائرية صغيرة الحجم يقف في منتصف قاعة ضخمة في مناظرة أحد الهراطقة, يفند بكل تمكن البدع والهرطقات, لديه حس عال جداً للأخطاء اللاهوتيه فيستطيع أن ينتقيها بكل تمكن من بين الجمل العادية , ينظّربإستمرار في القضايا اللاهوتية الشائكة, شخص يمتلك كل مقومات المحامي المدافع تارة والمهاجم تارة ليحفظ الحق حقاً قويماً حتي الدم
ولكن علي من نطلق كلمة اللاهوتي؟
اللاهوتي ببساطة هو الشخص المصلي, الشخص بكل ماتعنيه الشخصانية التي عرفناها من أقانيم الثالوث من إتجاه نحو آخر وهنا الآخر هو الله , هو الشخص الذي يعرف الله لا عن مجرد قراءات أو معارف نظرية لكن هو ذاك الذي يختبر روعة شركة الثالوث, هو الشخص الذي يخوض خبرة التطهر ثم الإستنارة من ثم يعاين اللاهوتيات (الثيؤريا ) , الذي يأخذ الروح بيده شيئاً فشيئاً ليقربه من النور الغير مُدني منه فينير, هو الشخص الذي يستطيع أن ينظر مجد الله بوجه مكشوف , كما في مرآة , فيتغير إلي تلك الصورة عينها, من مجد إلي مجد, كما من الرب الروح .
وشدد القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس علي أهمية نقاوة القلب والسيرة التقية كصفة أصيلة في اللاهوتي, فنجده يقول في هذا الصدد في عظته السابعة والعشرين[1]:
" ليس لكل إنسان من الناس ، ليس لكل إنسان أن يتفلسف عن معرفة الله ، ليس ذلك أمراً زهيد الثمن ، ولا هو من شان الزاحفين في التراب . كما أنه ليس واجباً في كل حين ، ولا أمام الجميع ولا في كل شيء . ليس ذلك من شأن كل الناس ، بل من شأن الذين تمَّرسوا على التأمل وارتقوا فيه ، وقبل ذلك ، من شأن الذين طهروا النفس والجسد أو الذين هم ، على الأقل ، في طريق ذلك التطهير ، لأنه من الخطر أن يمس غير الطاهر شيئاً طاهراً ، كما هي حال العيون الضعيفة أمام أشعة الشمس"
· ماهي البساطة الروحية إذن؟
سأتركك يا صديقي مع هذه الفقرة للمطران المفكر جورج خضر لتتبين منها مفهوم البساطة الروحية: [2]
" تلك هي البساطة , إنها مزية غاية في الغنى وصعبة المنال؛ لأنها تفترض اجتماع فضائل مختلفة من أهمها الشجاعة والتواضع ، فإن خفت أو تعاظمت فلا بد من قيام هوة بينك وبين الآخرين ومن تعقد التعامل . وأنت تتشجع بالقوة التي يسكبها الله فيك ولا تهاب ذوي البأس اذ ليس أمامك بأس . انه انهار امام سلامة داخلك وتلاشى القوم كلهم أمام عظمة الله التي انت مشاهدها . النفس غير المثقلة ، غير المنشغلة بذاتها ، غير المبصرة لقوتها هي النفس البسيطة الذي تذهب توا الى الناس . هي تطلع من طفولتها البكر ولا تبغي الكلام ، الا رمزا اليها . الكلام ليس عندها مملكة ، تهرب اليها النفس القلقة أو المستكبرة . الكلام الذي لا يصدر عن النفس المطمئنة الصادقة لا يحمي من شيء . الانسان البسيط يظهر في عرائه ، كما صنعته جسارته على دنياه . انه مُدرك ان احداً لا يستطيع النيل منه . انه على هذه الطراوة الغريبة التي تذهل كل الناس . إنهم يعاملون طفولة أي انهم امام الغرائبي ، مع نوع كيان تتهاوى أمامه كل القصور التي اقامها ذكاء البشر ، هذه البساطة لا تحتاج الى اية مرتبة من مراتب الثقافة ولكنها كثيرا ما تمازجها لان السذاجة ليست مرادفة للبساطة . فالساذج اذا اقنعوه بدونيته كثيرا ما يحزن وينكفيء لأنه يظن انه ليس على مستوى الفاهمين . ليس في السذاجة فهم بل في التواضع . ولذلك يعبر الانسان صحارى كثيرة ليبلغ شرف البساطة وذروتها . يجب ان يمر بالفقر اولا الذي هو تسمية من تسميات التواضع بالفقر نتخلى عن نسبة التماعاتنا الينا وعن شعورنا بملكية المال او المخزون الثقافي . ومن بعد التخلي نكسر كل نتو فينا من اجل نعومة الملمس . فالانسان اللميس القلب يعرف انه به قادر على ان يكسر النتؤ عند الآخرين او اقله انه لا يرضه بنتوء آخر . ليس ان البسيط لا يفهم قواعد الارتباك والانتفاخ وشرك اللياقات الكاذبة ليس انه لا يقرأ الاعيب الناس ويعرف كيف تتموج نفوسهم او تتخبط ولكنه موقن أن الرداءة اعترتهم وانهم اشقى المخلوقات . انه يتحرك بينهم كطائر حر لا يستطيعون قنصه . انه الانسان الوحيد الذي هو سيد طريقه . يلتصق حيث يشاء لانه دائما حر في مملكة الفرح ."
فمن هو البسيط إلا ذاك الذي تحرر بإستنارة معرفة والدخول في شركة الثالوث المحيي, من هو البسيط إلا ذاك الذي غاص في لجة نهر المحبة الذي لا يُعبرالدائم الجريان بين ألآ ب والإبن والروح القدس فصار محمولاً بتيارات وأمواج هذه المحبة , حراً منطلقاً , لا يكبِّله الخوف من الآخر, فلا يزيف ذاته ولا تقيده بغضة أو مرارة.
فتكمن البساطة في التحرر الداخلي من الآلام والإنفعالات التي تمرض النفس, واستعلان فيض محبة الثالوث داخل القلب, فيشع البسيط بنعمته في الطبيعة الإنسانية فيؤلهها نائلة نعمة البساطة.