موت الإنسان (1) الموت بكونِه مُبرراً للفن والفلسفة

موت الإنسان (1) الموت بكونِه مُبرراً للفن والفلسفة

Abanoub Ayman

لماذا أكتب والكثير قد كُتب وقيل؟ هناك الأمل العنيد لدى كل إنسان أن يُعبر ويصيغ من جديد معايشته للأمور. قال أحد الشعراء: لهذا أُعطيَ الإنسانُ اللغةَ: لكي يؤكِّد من هو، وهناك الإيروس.. التوق لتوحيد الخبرة والإبداع وبلوغ المعنى.

لكي نجد إجابات حقيقية وذات معنى يجب أن نسأل السؤال الصحيح. أحيانًا الجواب العقيم ينتج من سؤال غير ذي معنى.. من هو الإنسان؟ وما هي غاية وجوده؟ لماذا يحب ويفرح ويتألم ويذوق في الحب طعم الأبدية، ولكنه في وجوده العيني الملموس ييبس وزهره يسقط ويموت!

وفي سياق الكلام عن الموت، وهو خبرة ذاتية، كتب هايدجر أننا لا يجوز لنا أن نتحدث عن الموت لأننا لم نجتزه بعد. ولكن سؤالنا يتجاوز الموت الجسدي كحدث ذاتي منفرد إلى الموت كخبرة حياتية يخوضها كل إنسان ويشكل فيها الموت بالجسد ختامًا من نوع معين. خبرة عينية نراها حولنا ونتأثر بها أيضًا ونجتازها بأبعاد معينة. استهل إريك فروم كتابه "فن الحب" بعبارة: “إن أي نظرية عن الحب يجب أن تبدأ بنظرية عن الإنسان”، وبالمنهج ذاته سأبدأ هذه المقالات: إن أي نظرية عن الموت يجب أن تبدأ بنظرية عن الإنسان، من هو الإنسان؟

قالت الفلسفة القديمة إن ما يميز الإنسان هو تركيب داخلي ثابت يسمى ماهيته، ولكن لم يعثر أحد على هذا التركيب. كتب إريك فروم أن سبب عدم عثور أحد على ماهية الإنسان هو انعدام وجودها، وأن جوهر الإنسان يكمن في هذا التناقض، أنه نصفه حيوان ونصفه رمز (1) له هوية رمزية تنتشله تجعله أكثر من مجرد طبيعة، إنه يفكر ويبدع وله اسم ووعي بذاته، وهذا ما يجعله يدرك محدوديته وحتمية فنائه وما ينتج عن هذا التناقض في نفسه إما مواجهة الخوف والقلق من الموت، أو أن يعيش حياته كلها محاولاً كبته ونسيانه.

ما جدوى هذه الحياة إذا كانت تنتهي؟

يأتي السؤال من واقع خبرة ذلك الإنسان الحساس إلى الوجود، الفضولي وهو يراقب الوجود، المتجاوز لفرديته، يشغله الوجود من حوله، فينجذب لما يحدث ويتلفت انتباهه الظواهر المحيطة، خاصة تعدد أوجه الأشياء، التي تظهر أحيانًا مفيدة ولصالح الإنسان وغدًا تنقلب عليه. الكوارث الطبيعية مثل البراكين والأعاصير التي تكتسح الحياة وتحطم الوجود بلا رحمة، شبح الموت الذي يهاجم شبابًا أبرياء في مقتبل العمر، في مرض أو موت مفاجئ.

هذا الإنسان الذي يصطدم بالتناقضات يرى نفسه مملوءًا بالأسئلة، لماذا يختلط الخير بالشر والجمال بالقبح ولماذا يخيم الموت على وجه الحياة؟ هذه العفوية في أصلها تعود لكونه إنسانًا “مفرطًا” في إنسانيته بحسب تعبير “نيتشه”.
وليس هكذا فقط، قد يكون لهذا الإنسان العفوي والحساس إلى الوجود نوعًا من الحراك الإنساني الأصيل إلى وجود آخر أسمى وأعلى، يتطلع إلى وجود أبدي، إلى فردوس مفقود، فهو في داخله يدرك أن الوجود الحقيقي ليس مظهرًا حياديًا يوازن بين الخير والشر، يقبل أبدية الحياة ويقبل أبدية الموت.

ظلت حقيقة الموت كثيفة الثقل على الإنسان على مر التاريخ. لا أقصد في هذه المقالات حدث الموت بالجسد الذي يأتي على الإنسان في لحظة من حياته، بل بالأحرى أتكلم عن محدوديته وفنائه وشعور الاغتراب والانفصال الذي يتأكله. خوفه من أنه لا يمتلك الحياة في ذاته ولا يمتلك وجوده. ولذلك يحيا طوال حياته تحت العبودية لذلك الخوف كما قال بولس الرسول (عب2:15).

كتب إريك فروم: : "إن الإنسان يولد وهو لديه وعي بذاته، وعيًا بحياته القصيرة، بأنه سيموت أمام من يحبونه أو أن أولئك الذين يحبونه سيموتون أمامه، الوعي بانفصاله ووحدته وعجزه أمام قوى الطبيعة والمجتمع أحيانًا، كل هذا يجعل وجوده المنفصل والمفكك سجنًا لا يطاق. إن خبرة الانفصال تثير القلق وهي مصدر كل قلق" (2) ص 43.

كان عذاب كيركيجارد نتيجة مباشرة لرؤية العالم كما هو في الحقيقة، عندما أدرك ذاته بوصفه مخلوقًا، فكل شيء يفعله الإنسان ليلتهي به قد بُني بعناية تامة لإنكار شيء واحد فقط: كونه محدودًا وأنه لا يملك وجوده، إنه مخلوق وبمجرد الاعتراف بأنك مخلوق فأنت تسمح لبحر من القلق أن يغمرك، القلق الناتج عن التناقض البشري بأن الإنسان حيوان “مدرك” لمحدوديته. ماذا يعني أن تكون حيوانًا واعيًا بذاته؟ تعني أن يعرف المرء أنه سيموت. أن تنبثق من الـ(عدم)، وأن يكون لك اسم ووعي بالذات ومشاعر داخلية عميقة وتوق داخلي محموم إلى الحياة والتعبير عن الذات. وبعد هذا كله ستموت عاجلاً أم آجلاً، يبدو الأمر وكأنه خدعة. (3) ولهذا السبب يتمرد الإنسان علانية ضد فكرة الإله، فأي إلهة هذه التي تخلق مثل هذا الغذاء المعقد والفاخر ليتحلل؟ قال الإغريق إنها إلهة ساخرة تسلي نفسها بعذابات البشرية (4).

لأنه ماذا يعني أن نولد؟ أن نمر عبر نفق ضيق جدًا. ثم فجأة، نتنفس.. ونتألم ونصرخ نتيجة دخول الهواء إلى الرئتين اللتين تنفتحان على نفس الحياة. وكل هذا لماذا؟ لكي نموت؟ ما الفائدة؟ إنها كوميديا سوداء إذا كان هذا هو كل شيء. ماذا نقول أمام كل هذا الموت، كل هذه الأقدار المشظاة، كل هذه الحكايات التي قصمها الموت وحال دون بلوغها وكتب لها النهاية؟ فحين ينتهي كل شيء بالموت يسهل أن ينزلق الإنسان إلى فراغ منطقي يرى فيه أن لا شيء يستحق العناء، وأن المعاني جميعها تتبخر. الحياة البشرية المنتهية بالموت تصيب باللامعنى، وبالتالي بعدم القيمة، كل العقلانية الموجودة في العالم، والعالم نفسه. المعاني التي تسعى في أفق الحياة الأرضية تصاب هي الأخرى، بدورها، باللامعنى.

كان اللاهوتي الفرنسي الأرثوذكسي أوليفييه كليمان مفتونًا بشدة بالأمور الروحية منذ سن مبكرة، وخاصة بسبب قلقه من فكرة الموت، يتذكر كيف أنه عندما كان تلميذًا في المدرسة، بعد أن علم أن شارلمان العظيم توج إمبراطورًا عام 800 وتوفي بعد أربعة عشر عامًا، فهم فجأة مأساة الموت. في تلك اللحظة، أدرك أن كل هذه الشخصيات التاريخية اللامعة كانت ميتة، كما تمامًا كما سيموت هو وكل من يعرفهم. هذا الشعور بالفناء رافقه، وكان أساس بحثه الروحي لذلك كتب لاحقًا في كتابه “تساؤلات حول الإنسان”: : "إن كل تصور للعالم لا يشمل الموت، ويسعى إلى نسيانه، لا يمكن أن يكون إلا وهمًا" (5).

الموت، الذي شغل الفلسفة منذ سقراط وأفلاطون في محاورة فيذون، والذي سماه وليم جيمس: الدودة في قلب الثمرة (6). وصرخ شوبنهاور مرارًا أن موت الإنسان هو مصدر وحي الفلسفة كلها. كما ردد كيركيجارد أن القلق منه هو منبع الفلسفة (7).

صور لنا التاريخ في الأسطورة وفي الأدب كما نرى في الواقع كيف يستقبل الإنسان حقيقة موته. في ملحمة جلجامش موت إنكيدو صديق جلجامش هو ذروة الحدث الذي دفعه ليصارع بحثًا عن مسببه. وفي قصة بروميثيوس الشهير بسرقة النار الإلهية المقدسة من معبد زيوس ليعطيها للإنسان، لا تتمحور القصة حول مصدر النار أو حول العقاب الأبدي الذي أمر به زيوس لبروميثيوس، لكنها قصة صراع الإنسان في خوفه من الموت.

وفي “قصة موت مُعلن” للروائي الكولومبي جابرييل جارثيا ماركيز، نظن أنه يحكي مجرد قصة عن جريمة قتل متعلقة بالشرف والثأر، ستحدث في قرية، كل سكان القرية يعرفون بها، ولكن في تسليم تام لم يحاول أحدًا أن يمنعها وكأنها قصة الإنسان الذي لا يستطيع الهروب من مواجهة الموت حتى وإن كان يعرف موعده.

فالإنسان وحده يشغله الموت، أما الحيوان، فإنه يقضي أيامه دون أن يتوقع موته، ولهذا السبب لا ينشغل بأي شيء آخر ما خلا احتياجات اللحظة. فلا يسأل عن العالم حوله ولا ينشغل بما يدور في ذاته أو بما يحدث للمخلوقات التي تختفي من الحياة، وحده الإنسان يتساءل عن الموت، وحده يتفلسف حول الموت. حول واقع الذي لا مفر منه. والذي يشكل للبعض المأساة الأولى التي تُربك وجوده منذ ولادته. يرى التحليل النفسي الحديث أن أول خبرة للخوف والقلق تبدأ مع الولادة، حين يُقطع الطفل عن جسد الأم؛ هي ذاتها خبرة الانفصال التي صورت في رواية السقوط. هي صورة خوف آدم الأول الذي فقد شركته مع الله مصدر وجوده وهي الخبرة القلقة التي يحياها الإنسان في حياته والتي يُكللها ويطلقها وعيه بالموت الجسدي ونهاية الحياة.

___________________________________

1- إريك فروم -جوهر الإنسان

2- إريك فروم فن الحب ص 43

3- سورين كيركيجارد – المرض طريق الموت

4- سورين كيركيجارد – مفهوم الفزع

5- Olivier Clément – Questions sur l’homme

6- تنويعات التجربة الدينية- وليم جيمس

7- سورين كيركيجارد – المرض طريق الموت

الصورة في الخلفية هي لوحة “بروميثيوس مُقيدًا” “Prometheus Bound” لـ Briton Riviere.