موت الإنسان(2) – آليات إنكار الموت والتقليد الروحي الأرثوذوك

موت الإنسان(2) – آليات إنكار الموت والتقليد الروحي الأرثوذوك

Abanoub Ayman

كتب أريك فروم: "إن أعمق حاجة عند الإنسان هي حاجته لقهر انفصاليته" (1)

يقول جريجوري زيلبورج: "إنه خلف كل شعور بعدم الأمان في مواجهة الخطر يكمن الخوف من الموت. القلق والتوتر والإحباط هما بشكل ما تعبيرًا عن إدراك الإنسان لفنائه وموته. خلف الشعور بالاكتئاب يكمن فشل الإنسان والمجتمع عن أن يدعم شخصًا في مواجهة خوفه من الموت، ذلك الخوف الذي يخضع لأكثر التفاصيل تعقيدًا، ويجيء في كثير من الطرق غير المباشرة. ما من أحد حُرّ من الخوف من الموت. إن عصابات القلق، والحالات المختلفة من الرهاب، وعدد كبير من حالات الانتحار الاكتئابي، وكثير من حالات الفصام، تُظهر بوضوح الخوف الدائم من الموت، والذي يصبح منسوجًا مع الصراعات الكبرى للظروف النفسية المرضية. قد نسلم بأن الخوف من الموت متجذر دائمًا في وظائفنا العقلية." (2)

تكمن إحدى صور هروب الإنسان وإنكاره لسؤال الموت في محاولة كل مجتمع لخلق ثقافة للبطولة، أو بتعبير أكثر تداولًا "ثقافة للنجاح". صورة للبطل الذي ينبغي على كل إنسان أن يكونه، سواء كان هذا البطل دينيًا أو علميًا فلا يهم، إلا أن يلهث كل واحد لنيل دور البطولة الذي تعلمه وحفظه في مخيلته طوال حياته وتجرعه حتى سَكِر به عن كل ما بداخله. وفي دور البطولة يشعر بأهميته الكونية وقيمته. قد تكون إحدى صور البطولة هي أن يكدّس أرقامًا في حسابه المصرفي، منزلًا أفضل، سيارة أكبر. ولكن السؤال المهم... هل هو يعي بما يفعل ليحس ببطولته وبعملية البرمجة الثقافية؟ وهل يعرف أن صورة البطل التي تلقاها منذ حداثته ليست هي ما خُلق في الأصل ليحققها؟ وأن كل ما يسعى له هو مجرد وسائل صُوِّرت له كغايات. إنها مجرد رد فعل بشري على الخوف من واقع أليم وحتمي. إنه يموت وما يجمعه يفنى أيضًا في الزمن...

في حين أنه هو نفسه أكثر ما يُعجب به ويمجده هو أن يرى إنسانًا يواجه موته، شهيدًا لإيمانه! ثم يعود ليكمل مسرحيته الخاصة أو الموروثة. (3)

ما كتبه أريك فروم عن طقوس المجتمعات البدائية التي تمارسها لقهر شعور الأفراد بالانفصال والقلق من الموت ينطبق هنا أيضًا ولكن بصور أكثر بدائية. (1)

ذلك الإنسان السطحي "المُغيَّب" بتعبير كيركيجارد بارع في وراثة حياته وتقليد البشر دونما وعي بذاته، يذهب للكنيسة كل أحد بشكل دوري. تلقائي كأنه ينفذ ضرورة مُلقاة عليه من أحد. يستخدم الروتين ليلهيه عن الأسئلة الوجودية الحقيقية المتعلقة بحياته وموته، التي تقفز كمشاكل واضطرابات حينما ينكسر الروتين من الخارج.

كتب الأب الأرثوذكسي الكسندر شميمن في كتابه "من أجل حياة العالم": "إن الثقافة التي نحيا في كنفها اليوم هي ثقافة تُنكر الموت. ثقافة تُجمِّل كل شيء في المراسم الجنائزية لكي يبدو مقبولًا وعاديًا ولكي لا يبدو أنها تنشغل كثيرًا بحقيقة الموت." (4)

هم واعون باللامعنى، يحاولون تحرير أنفسهم من فكرة الموت، أي يحاولون التغطية على حقيقة الموت. على الرغم من أنهم يؤكدون الموت كظاهرة طبيعية، إلا أنهم يخافون الموت، وبالتالي يعترفون ضمنيًا أن الموت ليس طبيعيًا للوجود البشري. ولهذا السبب، يفعلون كل ما في وسعهم لتغطية جسد الميت، لكي لا ينزعجوا، خلال حياتهم، بفكرة الموت.

ويكمل فيقول: "إنه كان هناك حضارات قديمة ارتكزت على الموت لدرجة أنها رأته في كل مظهر من مظاهر الحياة. فالسرير يرمز إلى القبر". حتى إن يده طالت الفن، فهناك شعر المراثي والألحان الخاصة بتلك اللحظات، هناك اللوحات التي صورته كملاك ضخم يمسك بمنجل يحصد به الأرواح.

كل الأديان حتى أكثرها بدائية شغلتها قضية الموت ووجهت دفتها نحو سؤال: كيف يتعامل الإنسان مع نهاية حياته؟ لجأت بعض الديانات لحيلة ذكية للتعامل مع قلق السؤال مختصرها بعدم رغبتنا في الولادة من جديد أصلًا أو في الخلود! تشاؤم ميتافيزيقي أم أنه نوع من السحر المعكوس؟! كأن تُعلن عدم اهتمامك بأكثر ما ترغب به في أعماقك!

أردت في هذا المقال التعبير عن شيء واحد، كيف أن الموت هو مشكلة الإنسان الحقيقية، هو الهاجس الذي يقلقه ويربك وجوده وأن الخوف من الموت هو رد فعل الإنسان تجاه محدوديته وعدمه. وأن هذا الكشف شخصّه الفلاسفة وعلماء تحليل النفس وعلماء الإنسان، هذه المعرفة، الخفية ولكن الأحادية الجانب، التي نراها عند كبار الفلاسفة والأنثروبولوجيين يجب أن تصبح بالنسبة لنا معرفة نسكية (روحية) أي أن نستخدمها كأداة تشخيصية لفهم آلية وعمل السقوط الإنساني في طبقات التاريخ البشري كله. ونستخدمها في 'تفكيك' آليات إنكارنا الخاصة.

قد يكون الموت هو أكبر تحدٍ للفكر الفلسفي بشكل عام، واللاهوتي بشكل خاص.. فالسؤال عن معنى الحياة لا قيمة له من دون المرآة التي نقرأه فيها، ثم نعيد قراءته مرة تلو مرة كأننا نتهجأه من جديد، وهذه المرآة هي الموت. ليس الموت مبررًا للطب فحسب، نعم إن كل العلوم الطبية المتراكمة في الحضارة الإنسانية هي من أجل الإنسان. هي من أجل تخفيف آلامه ومخاوفه من الموت، هو أيضًا مبرر الفن، ومبرر الأدب، ومبرر التفكير اللاهوتي بطبيعة الحال. فهذه كلها قد تكون هي أدوات نستخدمها كي نتدبر معضلة الموت.

حقيقة محدودية الإنسان وموته هي الحقيقة التي تجاهلها إبيقور وتفنن في إخفاء قلقه منها وهي ذاتها التي واجهتها الفلسفة الوجودية عند كيركيجارد وهايدجر الذي وصف الإنسان بأنه كائن نحو الموت. هنا تلتقي الفلسفة الوجودية مع آباء الكنيسة الأرثوذكسية أكثر مما تلتقي الأرثوذكسية مع أي دين يؤمن بالله ويغيب الإنسان عن واقعه، نتذكر هنا ما قاله أوليڤييه كليمان في المقال السابق: "إن كل تصور للعالم لا يشمل الموت، ويسعى إلى نسيانه، لا يمكن أن يكون إلا وهمًا" – فإن آباء الكنيسة الروحيين الذين علمونا عن اليقظة وعن ضرورة أن يلتقي الإنسان بظروفه الحقيقية، ويتجاوز أي وعي زائف بخصوص وجوده، ويرى نفسه عاريًا، ويتخذ موقفًا صادقًا تجاه خبرة واقعه. هم من شددوا على ذكر الموت والسهر الروحي-اليقظة. آليثيا، الكلمة اليونانية التي تعني الحقيقة هي أيضًا تعني اليقظة، أي غياب النسيان أو الغفلة!

فإذا كان الإنسان بارعًا في إنكار الموت لدرجة أنه بنى حضارات وأديانًا وأيديولوجيات كاملة لهذا الإنكار، فكيف يمكن 'اختراق' هذا الإنكار؟ كيف يمكن جعله يواجه الحقيقة دون أن ينهار تحت كثافتها وثقلها؟ يبقى لنا أن نفهم، كيف تعالج المسيحية قضية موت الإنسان؟

—————–

1- أريك فروم - فن الحب ص 45

2- جريجوري زيلبورج - الخوف من الموت ص 465

3- إنكار الموت - إرنست بيكر

4- الأب الكسندر شميمن - من أجل حياة العالم - ووطئ الموت بالموت.