لما بشوف الحاجات اللي بينزلها مهاجمي المسيحية على السوشيال ميديا، بشعر أولًا بضيق؛ لأني بشوف شخص منغلق على ذاته بهذا القدر من الاستعلائية اللي تمنعه أن يسمع اللي قدامه. حتى وهو ساكت أثناء ما المحاور بيتكلم، هو مش بيسمعه، هو بيسمع ذاته. أي رؤية دينية وأي منطق ممكن يجعلنا صنميين لهذا الحد! بنكون صورة سطحية في عقلنا بفهمنا الخاص عن عقيدة أو إيمان، بدون ما نُعتق من تعصبنا. تلفيق وإسقاط الصور اللي في ذهني عن عقائد ما درستهاش، ده على افتراض كمان إني هسبر غورها وأعماقها بالدراسة السطحية.
إلى جانب إني علشان أقدم نقد حقيقي لشيء، المفروض أعرف جوهره وأولوياته إيه، وأنتقده بناءً على معاييري الأكثر جوهرية وأولوية، فلو جيت أنتقد المسيحية كإيمان وحياة جوهرها هو المحبة الكاملة من الله للإنسان، هل أقدر أنتقدها فعلًا إلا لو إيماني بيقدم محبة تفوق المحبة المسيحية؟
ثاني شعور هو التعاطف، المسيحية مش سهلة، وعمرها ما هتكون سهلة ومقبولة ومنطقية بهذا المنطق الصنمي المنغلق على ذاته والمتأله بذاته؛ لأنها في أساسها مبنية على المبادرة الإلهية والخروج نحو الآخر، الإخلاء صادم ومعثر لهذا المنطق، ومرفوض بلا شك.
من البداية، ظهرت المسيحية بكونها حدث يتجاوز العقل والمنطق البشريين. الإله الأبدي يظهر في الزمن، إيه هتكون النتيجة والتبعات لده؟ إيه البعد التأويلي لده؟ من بداية: "ها العذراء تحبل وتلد عمانوئيل" (الله معنا)، إله يأتي للإنسان، يتجاوز الحدود، ويتحد بالإنسان ليرفعه!
أي منطق صنمي [صنمي هنا معناها مقفول على نفسه وحدوده ويعبد تصوراته الذاتية] يدرك عظمة الله انطلاقًا من صور بشرية عن عظمة الملوك والرؤساء، العظمة عنده مرادف للرفعة والتعالي اللي من أساساتها احتقار الإنسان ومقاطعته، طبيعي الإخلاء يكون معثر لهكذا منطق، يرفض الصليب، يرفض التجسد ويسخر منه، ويتهكم ويقول: "إلهك كان عيل وكانت النساء تعوله وتطعمه!"
بيقول القديس كيرلس الكبير: "لقد وجد الله أن الإنسان قد انحط إلى مستوى الحيوان، فلذلك وضع نفسه في مذود على هيئة طعام [علف]، لكيما نتحول من السيرة الحيوانية ونرتقي إلى الذهن والبصيرة اللائقين بالإنسان، ونحن الذين كنا متوحشين في نفوسنا، نتقدم إلى المذود أي إلى مائدته الخاصة، فلا نجد فيه فيما بعد علفًا، بل خبزًا من السماء، أي جسد الحياة، فلنذهب الآن إلى بيت لحم، حيث إن بيت لحم تُفسر أنها بيت الخبز، فإلى أين كان الرعاة مزمعين أن ينطلقوا بعد أن سمعوا بشارة السلام إلا إلى البيت الروحي الذي للخبز السماوي، أعني الكنيسة التي فيها يُقدم كل يوم بالسر الخبز النازل من السماء الواهب حياة للعالم" (١)
في الحقيقة، هو صار طفل لأجل أننا أطفال وعيال، واتولد في المذود في وسط البهائم والحيوانات لأجل أن يرتقي بذهننا من التفكير البهيمي إلى فكره الإلهي زي ما بيقول القديس كيرلس، هو تقبل المذود كهدية مننا ومكان للسكن زي ما بنقول في لحن إيبارثينوس (٢)، وأعطانا حضن أبيه! رضع من ثدي أمه مريم وأعطانا كأطفال اللبن العقلي العديم الغش لننمو به، صار صغيرًا ليكبرنا نحن، صار طفلًا، نزل إلى الأحشاء لكي تقبله مريم العذراء، تلده وتقدمه للعالم، كما هي دعوة كل واحد منا ليكون نفسًا عذراء تُقدم المسيح للعالم. وقبل من النساء طعام جسدي وكسوة منسوجة بأيديهم ليُطعمنا نحن جسده، ويُلبسنا بره!
وفي كل اللي أخذه ما كانش في احتياج، ما كانتش إعالة اعتمادية بالمنطق الساقط، لكنه بيقبل منا العطاء البسيط، علشان يُشركنا في عطاء المحبة. وكأن بتقديم الطعام البسيط والكسوة اشتركوا هؤلاء النساء في حياة يسوع وفي تدبيره، واحنا بنقدم خبز وخمر من ثمار الطبيعة، مما له كخالق، وهو يعطينا جسده ودمه للحياة الأبدية. نقدم له أفكارنا كذبيحة عقلية، ليعطينا فكره.
قد يبان أن ده دفاع أو تبسيط وتسهيل للحقيقة علشان تكون مقبولة، لكن تظل الحقيقة المسيحية معثرة، ولو كانت مقبولة على مستوى العقل فمش ده الهدف، لكن إنها تكون مقبولة على مستوى الحياة وتتعاش.
العقل الساقط ما يفهمش إزاي تكون الحياة الأبدية نعمة وهبة من الله لا يوازيها أي شيء من أعمالنا. في المسيحية نُعطى لنشترك، نعطي لنُقدس القليل والزمني، نعطي لأننا نحب، ونحبه لأنه أحبنا أولًا، نؤمن أن عظمته هي عظمة المحبة. الله عظيم لدرجة أنه يُخلي ذاته ويتحد بالإنسان ويمجده معه. وده مش شيء يدعونا للاستنكار أو الخزي، ده سر الفرح الذي لا يفهمه العالم.
"لذا فحينما ترى الطفل ملفوفًا بالأقمطة، لا تركز فكرك على ميلاده في الجسد فقط، بل ارتفع لتأمل مجده الإلهي، ارفع عقلك عاليًا لتسمع تسبيح السيرافيم: السماء والأرض مملوءتان من مجدك!" (٣)
______________
١- شرح إنجيل لوقا للقديس كيرلس الإسكندري – المركز الأرثوذكسي للدراسات الأبائية ٢-١ لوقا ٢:٧
٢- "اليوم البتول تلد الفائق الجوهر، والأرض "تُقَرِّبُ" المغارة لغير المقترَب إليه"
٣- نفس المرجع، ٢-٢ فقرة