والِدةُ الإله ; فرح الخليقة

والِدةُ الإله ; فرح الخليقة

Abanoub Ayman

بماذا ندعوها؟ الممتلئة نعمة؟ سماءً إذ أشرقت شمس البر؟ فردوسًا إذ أزهرت زهرة الخلود؟ كيف ندعوها؟ عذراءً إذ بقيت بلا فساد؟ أمًّا عفيفةً؟ أم أدعوها وجهًا للكنيسة الحقيقية؟!

إذا كان للإيمان المسيحي وجه، فهذا الوجه هو مريم العذراء.

هي وجه الكنيسة الحقيقية.. وجه الإنسانية التي تقبل الحقيقة، التي تتمخض بالحقيقة وتلدها في عالم الزيف.

التي تلد النور في عالم يبغضه وينفر منه ويرتكن للظلمة.

سر الإنسانية التي تقبل الحياة من الله، وتلدها في وسط الموت.

مريم هي أرض اللوغوس التي تخرج ذوات أنفس حية، وسط أراضي مجاورة تنبت شوكًا وحسكًا.

في والدة الإله تحققت الدعوة الأصيلة في كياننا المخلوق، هي كما نراها، عذراء بسيطة وجميلة تحمل المسيح بداخلها وتقدمه للعالم، حكمة سليمان نفسه لم تصل لحكمتها، وهي التي رأت العالم في مشروعه الأصلي “إن مشروع الله هو خلق إنسانية منفتحة، منفتحة على ذاتها، شفافة تجاه ذاتها، “كائنًا مؤلهًا”. (١)

هي ذات الدعوة المتجددة لكل نفس لتكون على مثال عذراوية مريم. “كل نفس تؤمن، تحمل وتلد كلمة الله؛ هكذا قال أبونا مكسيموس المعترف في مئويات المحبة.

كل ما أجمعت عليه المجامع الكنسية الأرثوذكسية تقريبًا فيما يخص مريم هو التأكيد على كونها والدة الإله “الثيؤتوكوس”، وعلى كونها دائمة البتولية، أما بقية ما نعرفه عنها فهو من التراث الكنسي، والصلوات الليتورجية والروح القدس.

مع ذلك نجد كل هذا الغنى الليتورجي، مئات التعبيرات والصور التي تملأ التسبحة. نهر لا ينضب.. القديس يوحنا الدمشقي يقول: «اسم والدة الإله يحوي سر التدبير» هذا النور المتدفق من تعبير والدة الإله يجعلنا ننمو في سر دعوتنا المتجددة، ليس نموًا فكريًا بل وجوديًا بحتًا.

كل تعبير نرتله في الثيؤطوكيات يكشف لنا عمقًا جديدًا لا يسبَر غوره في سر التجسد، سر اتحاد الألوهة بالبشرية في رحم العذراء، سر خلاصنا!

نهرًا لا ينضب من التسبيح! كل هذا ينبع من صمتك يا أم الله، هذا الإيمان العجيب الذي ينمو فينا بفضل شفاعاتها هو جزء من كياننا الكنسي، التسبيح هو دهشة المعرفة، عندما يفرح قلبي، عندما يفرح قلب الكنيسة كلها بمحبة والدة الإله، يمجد معها لإيمانها، يكفينا فرح التواجد بقربها، تتضاعف الصور والرموز والتعابير، هي حواء الجديدة وهي تابوت العهد، هي العليقة المشتعلة بنار اللاهوت، نهر من التعبيرات يستمد جريانه من اعتراف الإيمان!

الكلام عن والدة الإله ليس منفصلًا عن ربنا يسوع المسيح.. جمال والدة الإله في احتضانها ليسوع، في احتوائها لسره.. في خضوعها لسره بثبات عجيب! إنسانية حرة بمقتضى رجاء الخلاص الكامن في قلبها وفكرها، تتجاوب مع صوت الحياة وتقبل السر بدهشة وتحفظه في قلبها.

علشان كدا التسبيح لوالدة الإله هو في جوهره احتفال بإنسانيتنا الحرة في انفتاحها على الله.. التسبيح هو حالة اشتياق تعمق إنسانيتنا في صورتها الأصيلة!

” فلهذا نمجدك كوالدة الإله ” ثيؤطوكية الأحد (9:5)