إننا لا نفهم كيف صرنا ما نحن عليه إلا إذا أخذنا في الاعتبار التأثيرات التي وقعت على مجتمعنا العريق. وهذا يصدق على الجدالات والضغوط التي واجهناها في الماضي البعيد، في أزمنة الخلافات اللاهوتية والاضطهاد، كما يصدق أيضًا على الخبرات الأحدث عهدًا التي أضفت لونًا معيّنًا على معتقداتنا وممارساتنا، إلى حدّ ما. كان القرن التاسع عشر …

إننا لا نفهم كيف صرنا ما نحن عليه إلا إذا أخذنا في الاعتبار التأثيرات التي وقعت على مجتمعنا العريق. وهذا يصدق على الجدالات والضغوط التي واجهناها في الماضي البعيد، في أزمنة الخلافات اللاهوتية والاضطهاد، كما يصدق أيضًا على الخبرات الأحدث عهدًا التي أضفت لونًا معيّنًا على معتقداتنا وممارساتنا، إلى حدّ ما.

كان القرن التاسع عشر فترة حاولت فيها جماعات بروتستانتية مختلفة أن تؤثّر في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الإسكندرية. ومع أن هذه الجماعات البروتستانتية كانت تحمل طيفًا متدرّجًا من التصوّرات عن الكنيسة الأرثوذكسية، فإنها كانت جميعًا مقتنعة بأن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية قد انحدرت إلى حالة متدنّية جدًا، بل تكاد لا تكون مسيحية أصلًا.

وقد عقدوا العزم على “تجديد” كنيسة الإسكندرية القديمة، وذلك بإدخال تعاليم بروتستانتية من نوع أو آخر، وتشجيع الأقباط الأرثوذكس على التخلّي عن تلك التعاليم والممارسات التي كانت تصطدم بالأفكار البروتستانتية.

وسأتناول بعض التقارير التي نُشرت في الإعلام البريطاني خلال القرن التاسع عشر، بغية تكوين صورة أوضح عن نظرة المسيحيين البروتستانت إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وعن الخطوات التي خُطِّط لها ونُفِّذت بالفعل لدفع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في اتجاه أكثر بروتستانتية.

وفي تقرير نشرته صحيفة Newry Telegraph

بتاريخ 16 ديسمبر 1841، ورد ما يلي:

«لقد قام البطريرك القبطي برسامة شاب مصري بصفته أبونا، أي أسقف الحبشة، وكان هذا الشاب قد تلقّى تعليمه على يد أحد مرسلي كنيستنا. كما أن عددًا من رجال الإكليروس الأقباط قد توجّهوا إلى مرسلينا طالبين الكتب المقدسة وغيرها من الكتب الدينية، وأقاموا معهم اتصالات ودّية بشأن الموضوعات الروحية. »

وكان هذا ثمرةً لإحدى طموحات الإرساليات البروتستانتية. وليس من الضروري أن نفترض أن دوافعهم لم تكن شريفة؛ فقد كانوا يرون الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ميتة روحيًا، وكانوا يأملون أن تبعث فيها تعاليمهم البروتستانتية حياةً جديدة.

أما منهجهم فكان يتمثّل في الوصول إلى شباب الكنيسة، ثم إقناعهم بصحة الإيمان والممارسة البروتستانتيين، لكي تُدخَل هذه الروح البروتستانتية إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بصورة غير مباشرة، عندما يصير هؤلاء الشباب أنفسهم كهنةً وأساقفة.

ويبدو أنهم قد نجحوا فعلاً. فأحد هؤلاء الشباب الذين تلقّوا تدريبهم على أيدي مرسليهم لم يُرسَم مجرد كاهن، بل رُسِم أبونا للكنيسة الأرثوذكسية في إثيوبيا. وكان ذلك انتصارًا فريدًا لجهودهم الإرسالية. كما أن بعض رجال الإكليروس الآخرين في مصر كانوا قد بدأوا بالفعل يتوجّهون إليهم طلبًا للترجمات البروتستانتية للكتاب المقدس، ولغير ذلك من مواد التعليم البروتستانتي. ولا بدّ أن هذا جعلهم يشعرون بأن احتمالات تحوّل الكنيسة الأرثوذكسية كلها في مصر وإثيوبيا إلى البروتستانتية آخذة في الازدياد.

وربما لا يكون ما تصفه هذه الجريدة مطابقًا تمامًا للصورة التي عرضتُها أنا؟ فـالموسوعة الأمريكية، المنشورة سنة 1873، تتحدث عن هذه الواقعة بهذه العبارات:

«في سنة 1830 وصل أوائل المرسلين البروتستانت، وهما جوبات (الذي صار لاحقًا أسقفًا أنجليكانيًا لأورشليم) وكوجلر، إلى الحبشة؛ ثم تبعهم سريعًا آخرون، من بينهم إيزنبرج وكرابف، اللذان أصبحا الأكثر شهرة. وقد اكتسبوا نفوذًا سياسيًا، وفي سنة 1841 رُسِم أحد تلاميذ مدرسة الإرسالية الإنجليزية البروتستانتية في القاهرة، ويدعى أندراوس، باسم أبا سلامة، أبونا للحبشة، وذلك على يد البطريرك القبطي في الإسكندرية.

ومن خلاله كانوا يرجون أن يكسبوا الكنيسة الحبشية لإصلاح إنجيلي، وقد تعزّز هذا الرجاء حين أصبح أحد الأمراء، الذي بدا مخلصًا لهم، حاكمًا على سائر الحبشة باسم ثيودور. لكن ثيودور، ما إن استقر له السلطان كاملًا، حتى نفى المرسلين أو سجنهم؛ أما أبونا، الذي ظلّ وديًّا تجاه البروتستانت، وإن لم يكن يحبّ أن يسمع عن التحوّلات الدينية، فقد مات سجينًا سنة 1867.»

وكان أبونا الإثيوبي، في ذلك الوقت، دائمًا كاهنًا قبطيًا أرثوذكسيًا يُرسَم أسقفًا على إثيوبيا. وكانت البلاد قد بقيت مدة بلا أسقف، بما ترتّب على ذلك من اضطراب ومشكلات بسبب غياب الإشراف الأسقفي. وكان حاكم إقليم تيجراي، الساعي إلى ترسيخ سلطته المتنامية، قد أوفد بعثة ضمّت الأسقف الروماني الكاثوليكي في مصر، لترتيب رسامة أبونا يكون خاضعًا لنفوذه هو.

وكان الأمل أن يكون الأبونا الجديد أيضًا متعاطفًا مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية.

لكن هذا الطموح لم يتحقق. ووفقًا للرحّالة هنري بلان، فإن «البطريرك اختار لهذه الكرامة شابًا تلقّى جزءًا من تعليمه في مدرسة إنجليزية بالقاهرة، وكانت آراؤه أميل إلى البروتستانتية منها إلى عدوّ الأقباط القديم، أي كنيسة روما». وكان عمره آنذاك عشرين سنة فقط، وقد كانت مسيرته في إثيوبيا معقدة ومليئة بالمشكلات. ويقول بلان، الذي عرفه شخصيًا:

«أما تجاه البروتستانت، فكان أكثر ميلًا إليهم؛ ومع ذلك لم يكن يقبل بحديث “التحوّلات الدينية”. فكان يمكن للمرسلين أن يعلّموا، لكن عليهم أن يقفوا عند هذا الحد. وحين حدث أن قاد تعليم المرسلين بعض اليهود إلى قبول المسيحية، كان لا بدّ من تعميدهم وقبولهم أعضاءً في الكنيسة الحبشية.»

ولو كان هو نفسه قد صار متحوّلًا صريحًا إلى البروتستانتية، لأثار ذلك بلا شك جدلًا واضحًا، لكن ربما كان من الممكن التعامل معه بسرعة. غير أن الضرر الأعمق والأطول أثرًا جاء من ذلك الإذن المستمر الذي مُنح، في إثيوبيا وفي مصر، للمرسلين البروتستانت بأن يعلّموا بحرية، ما دام الذين يستمعون إليهم ويتعلّمون منهم لا يتركون الكنيسة الأرثوذكسية. ذلك لأن هذا الأمر أدخل الأفكار واللاهوت البروتستانتيين إلى قلب الكنيسة نفسها.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *