تعاليم المطران يوحنا عن وجود الله بتعتمد في الأساس على الشهادات الكتابية, و خصوصا على تعاليم الآباء الكبادوك ( القديس باسيليوس الكبير, و غريغوريوس النزينزي و غريغوريوس النيصي ), و علشان يشرحوا إزاي ربنا واحد و في نفس الوقت هو الثالوث القدوس, الأباء دول فرقوا بين "الأقنوم" (hypostasis) و"الطبيعة" في الله. يعني, الآب و الابن …
تعاليم المطران يوحنا عن وجود الله بتعتمد في الأساس على الشهادات الكتابية, و خصوصا على تعاليم الآباء الكبادوك ( القديس باسيليوس الكبير, و غريغوريوس النزينزي و غريغوريوس النيصي ), و علشان يشرحوا إزاي ربنا واحد و في نفس الوقت هو الثالوث القدوس, الأباء دول فرقوا بين “الأقنوم” (hypostasis) و”الطبيعة” في الله.
يعني, الآب و الابن و الروح القدس هم تلات أقانيم, لكن ليهم طبيعة إلهية واحدة, هم مش تلات آلهة, لكن تلات أقانيم بيشاركوا نفس الجوهر الإلهي.
و ده عكس الفلاسفة اليونانيين القدام, إللي كانوا شايفين إن الوجود مرتبط بـ “الطبيعة” كحاجة عامة و مش شخصية.
الآباء القديسين قالوا لا, الطبيعة ما بتظهرش لوحدها و لكن دايما بتظهر من خلال كيان معين, أقنوم يعني. زي ما القديس باسيليوس قال: ” الطبيعة لا توجد أبدًا في عزلة, بل دائمًا ككائن ملموس ( في صورة أقنوم معين)”.
يعني مثلا, الطبيعة البشرية مش بنشوفها كده مجردة, لكن من خلال أشخاص زي مرقس, أو يوحنا, او القديسة مريم, كل واحد فيهم أقنوم بيعبر عن الطبيعة البشرية دي, و بنفس الطريقة, و من خلال الكتاب المقدس, الآباء الكبادوك شافوا إن الله ( إللي هو إله واحد ) بيتجلى في تلات أقانيم : الآب, و الإبن, و الروح القدس, و كلهم ليهم نفس الجوهر الإلهي إللي ما بينقسمش.
ده فتح باب لسؤال مهم عند الناس إللي كانوا بيسمعوا عن الإيمان ده لأول مرة: ” طب إزاي ربنا يُعتبر إله واحد, لو الآب و الابن و الروح القدس كل واحد فيهم هو الله؟ “.
الآباء الكبادوك خطّوا خطوة أعمق من إللي سبقوهم, لما عملوا تعريف”للأقنوم” على إنه “شخص”, النقطة دي المطران يوحنا ركز عليها بشكل خاص, الفلاسفة اليونانيين القدام، وكمان اللاتين، كانوا بيتكلموا عن وجود “الشخص”, بس مفهومهم للشخص كان سطحي جدا, بالنسبالهم الشخص كان أشبه بـ”قناع” أو “دور” بيلعبه الإنسان, يعني الشخص هو الدور إللي الواحد بيقوم بيه في المجتمع أو قدام الدولة, أو حتى زي القناع إللي كان الممثلين بيلبسوه في المسرح علشان يخبوا نفسهم عن الآلهة, و ميتعاقبوش على السخرية إللي بيعملوها في العروض المسرحية.
ففي الفلسفة اليونانية القديمة, الشخص كان ليه وجود كفكرة, لكن من غير ما يكون ليه قيمة وجودية حقيقية, يعني “الشخص” كان مجرد قناع أو دور الواحد بيلعبه بالنسبة للناس إللي حواليه من غير ما يكون ده ليه علاقة بكيانه الحقيقي أو بوجوده الفعلي.
لكن الآباء الكبادوك نقلوا مفهوم “الشخص” من مجرد فكرة سطحية لقيمة وجودية حقيقية, و عرّفوه على إنه “أقنوم”, يعني كيان حقيقي, وجوده مرتبط بعلاقته بغيره, يعني الشخص مش بيبقى موجود لوحده لكن وجوده بيعتمد على وجود علاقة مع حد تاني, و ده واضح جدًا في كلام القديس غريغوريوس النزيزنزي لما سأل: ” علي ماذا يدل اسم الآب ؟, الجوهر أم الطاقة ؟ “, إجابته ولا واحدة منهم, بل يدل على العلاقة و كيفية تعريفها بالإبن.
و بالتالي, إذا كان الله الآب أقنوما ملموسا, فإن وجوده يستلزم على الأقل الابن و علاقة معه, فبدون الإبن, من يكون الآب؟
يعني ببساطة, لو الآب هو أقنوم حقيقي, فوجوده مرتبط بوجود الابن, و بالعلاقة إللي بينهم, من غير الابن, الآب هيكون مين؟, مفيش معنى للآب من غير الابن, و نفس الفكرة تنطبق على الابن و الروح القدس.
العلاقة بين أقانيم الثالوث مش حاجة زيادة أو إختيارية, لكن دي من جوهر وجودهم, مش إن الآب كان موجود الأول و بعدين قرر يلد الابن أو يبقى في علاقة معاه, لا, وجود الآب نفسه مرتبط بالابن إللي بيولده و بالروح إللي بيرسله.
فعلى حسب فهم المطران يوحنا لتعليم الآباء, جوهر الله نفسه هو “العلاقة” و “الشركة”, الوجود الإلهي مش كيان فردي منعزل, لكن هو وجود قائم على المحبة و الشركة بين التلاتة : الآب, و الابن, و الروح القدس.
علشان كده, زي ما المطران يوحنا بيشرح, و بناء على وجود الله كثالوث قدوس, الشخص الحقيقي هو كيان موجود, واقعي, أبدي, و مفيش منه نسخة تانية, بس لما يكون في علاقة و في اتحاد حر مع شخص تاني, مفيش شخص جوه الثالوث بيعيش لوحده أو منفصل, وجود كل واحد فيهم مرتبط تماما بعلاقته و إتحاده مع التاني.
المطران يوحنا بيقولها بشكل واضح : ” الشخص المنعزل كأنه ليس شخصََا” يعني الشخص إللي ملوش علاقة بحد, إللي عايش لوحده من غير محبة أو إتحاد, ميبقاش شخص حقيقي, الهوية المميزة و الفريدة لأي شخص بتيجي من العلاقة إللي بيكونها مع الآخر, من الشركة, مش من العزلة.
الله الآب, هو شخص حقيقي, أزلي, موجود فعلا, لأنه في علاقة واتحاد دايم مع الابن و الروح القدس, و نفس الكلام على الابن والروح القدس هما أشخاص أزليين و فريدين. وجودهم بيتحدد بالعلاقة الحرة إللي بيربطهم بالآب.
يعني في فهم المطران يوحنا, مش بس إن الله موجود كثالوث, لكن كمان إن الوجود نفسه بيتحقق من خلال العلاقة, الوجود من غير محبة و من غير شركة ميبقاش وجود حقيقي.
و في نفس الوقت, الآباء القديسين شددوا على إن الله الآب هو مصدر الألوهية, و هو الضامن لوحدة الثالوث القدوس, يعني هو إللي بيجمع التلاتة الآب و الابن و الروح القدس في إله واحد, و طبقا الكتاب المقدس و تعاليم الآباء, الله أولا هو الآب, لكن في نفس اللحظة هو كمان الثالوث إللي بيشمل الابن و الروح.
علشان يشرحوا الفكرة دي, قالوا, إن الآب هو ” العلّة ” أو السبب الجوهري لوجود الله كثالوث يعني هو الأصل, البادئ للعلاقة إللي بتكوّن الثالوث, و المطران يوحنا ركز على النقطة دي جدا, و كان دايما بيأكد إن في إله واحد, و الإله ده بحسب الشهادة الكتابية هو الله الآب.
ليه بقى؟ علشان الطبيعة (الجوهر) ماينفعش توجد لوحدها, “عارية” كده من غير شخص, و في نفس الوقت, الشخص أو الأقنوم ماينفعش يكون موجود من غير طبيعة, بس إللي بيخلي الطبيعة تبقى موجودة فعليا هو الشخص, هو إللي بيحقق وجود الطبيعة في الواقع.
و علشان كده المطران يوحنا شاف إن التمييز ما بين الأقنوم و الطبيعة كان محوري جدا, لأنه مش بس بيساعدنا نفهم وجود الله فقط, لكن كمان بيورينا إن الوجود نفسه بيتحقق لما يكون الشخص في علاقة مع الآخر, مش بشكل مجرد أو منعزل.
تعليم آباء الكنيسة زي ما تبناه المطران يوحنا بيقول : إن سبب وجود الله هو شخص الآب, مش الطبيعة الإلهية, المبدأ ده بيوضح إن طريقة وجود الله في أصلها هي وجود في حرية, و زي ما المطران يوحنا بيشرح, الآب هو إللي بيلد (يقوم بولادة) الابن و بيٌخرج الروح القدس, الابن و الروح مش ناتج من الجوهر الإلهي ولا من قوانينه, لكن بيصدروا من الأقنوم. يعني الشخص, يعني أقنوم الآب, و بالتالي, الله الآب بولادته للإبن و بإخراجه للروح القدس, بيعمل ده بإرادته الحرة, و بما إن الآب عمره ما بيكون من غير الابن و الروح, ده معناه إن الله الآب بولادته للابن و بإخراجه للروح بحرية, هو نفسه موجود بحرية.
العمل ده, إللي فيه الآب بيلِد الابن و يُخرج الروح القدس بحرية, معناه إن الله الآب بيختار إنه يكون موجود, و بيُظهِر أو بيبين حرية وجوده من خلال علاقته بالابن و الروح القدس كفعل محبة ناحيتهم هما الاتنين, و لو الآب بيولد الابن و بيُخرج الروح القدس بحريته, و علشان كده بيكون موجود أبديا كآب, يبقى وجود الله هو تعبير عن الحرية, و بنفس الطريقة الابن و الروح القدس هما كمان في شركة حرة مع الآب, و ده بيخليهم موجودين أبديا بهويتهم المتميزة : الابن و الروح, إنما لو كان الثالوث القدوس ناتج عن الطبيعة الإلهية, كان هيبقى وجود الأقانيم الإلهية بسبب ضرورة من الطبيعة, من غير حرية يعني, و ده بيتعارض مع جوهر الألوهية و هو إن الله حر حرية مطلقة, لأن الله بيُمثل الألوهية بإنه موجود أزليا, و حٌر تماما في وجوده, يعني وجوده مش جاي من ضرورة, لكن ناتج عن إرادته, علشان كده, الإله الواحد كثالوث قدوس هو إله حر تماما, و حريته, إللي بتظهر في شركة الأقانيم هي نفسها الكينونة و الوجود.
بنفس الطريقة, المتروبوليت يوحنا بيشرح إن الله هو المحبة, و محبة الله مش ناتجة عن الطبيعة, ولا هي مفهوم نفسي أو إحساس, لكن هي كيان الله نفسه, و طريقته في الوجود, و إللي من غيرها ما يقدرش يكون موجود.
من المحبة, الله الآب بيلد الابن و بيُخرج الروح القدس, و ده بيُظهر حريته من خلال فعل الولادة و الإخراج كتعبيـر عن محبته للابن و الروح, وبالطريقة دي بيكون موجود أبديا, و بالمثل, الابن و الروح القدس بيُظهِروا حريتهم من خلال محبتهم للآب, و ده بيخليهم كمان موجودين أبديا, فبالتالي, الله هو المحبة, و التوصيف ده بيلخص كيان الله نفسه, يعني طريقته في الوجود. و إللي هي شركة في حرية.
وجود أقانيم الثالوث القدوس إللي قايمة على علاقة حرة و متبادلة, بيكشف إنهم غير منقسمين و غير منفصلين, و ده بيوضح إن الله في نفس الوقت واحد و ثلاثة, لكن, إللي بيوحّد الثالوث كإله واحد هو الله الآب, لإن من غير الآب ماكانش هيبقى فيه لا ابن ولا الروح القدس, و في نفس الوقت, الأقانيم التلاتة في الثالوث هما كيانات متمايزة و واقعية, التنوع و الوجود الواقعي بتاعهم جاي من علاقتهم ببعض, من شركتهم مع أقنوم تاني, كل أقنوم في الثالوث بيكون و بيتحدد من خلال الشركة مع أقنوم تاني.
الآب هو الآب إلى الأبد بسبب علاقته بالابن اللي بيولده و بالروح اللي بينبثق منه, و المبدأ ده بينطبق برضه على الابن و الروح, الابن هو الابن عشان مولود من الآب, و الروح القدس هو أقنوم مميز لأنه منبثق من الآب, و بالتالي, الثالوث القدوس هو إله واحد, و في نفس الوقت بيحافظ على تميز كل أقنوم : الآب, و الابن, و الروح القدس.
بناء على تعاليم الآباء القديسين عن الله, إللي هو الثالوث القدوس و هي العقيدة إللي شرحها المطران يوحنا, إحنا بنفهم إن وجود الله مش معتمد على الطبيعة, إللي كتير من اللاهوتيين المعاصرين خصوصًا في الغرب بيعتبروها أزلية, لكن معتمد على الأقنومية أو الشخصانية, و على العكس من الفلاسفة اليونانيين القدماء و كمان كتير من المفكرين المعاصرين إللي بيشوفوا إن الطبيعة هي الحقيقة الوحيدة, و إن الأشخاص حاجة مؤقتة و ملهاش كيان وجودي حقيقي, المتروبوليت بيأكد إن الوجود مينفعش يتفصل عن الأقنوم, لإن مفيش طبيعة بدون شخض, و مفيش وجود غير شخصاني, و بخلاف النظرة الفلسفية السايدة دلوقتي و إللي بتشوف إن الأقنوم أو الشخصانية كيان منعزل و مستقل عن وجود الآخرين, المتروبوليت بيشدد على إن الأقنوم بيتعرّف من خلال علاقته بأقنوم تاني, وبيستشهد بعبارة : “Una persona, nulla persona”, يعني ” شخص واحد, ولا شخص “, الوجود محتاج علاقة مع شخص تاني, و العلاقة دي لازم تكون مبنية على الحرية, يعني نتيجة إتحاد إرادي بين كيانين, الشركة دي مش بس بتأكد حقيقة الأقنوم, لكن كمان بتحافظ على تميُّز كل شخص.
إزاي الفَهم اللاهوتي ده عن ربنا بيرتبط بوجود الإنسان والكائنات التانية المخلوقة؟ (يتبع في الجزء القادم)
المصادر
https://zizioulas.org/reception/articles/neo-patristic-synthesis-in-the-writings-of-metropolitan-of-pergamon-john-zizioulas