عندما دخلت الإرساليات البروتستانتية إلى مصر ، عملت بكل جد لتطويق وحصار الأرثوذكسية وتعميق الفجوة بين ماضي أم الشهداء المتمثل في إرثها اللاهوتي الشرقي وبين حاضرها وواقعها الذي إعتراه الضعف نتيجة الإنفصال عن هذا الإرث، وتعددت الوسائل والأساليب ولكن ظل الهدف واحدا وهو ان تسقط الأثوذكسية في يد البروتستانتية كالثمرة الناضجة! لقد سارت الإرساليات في …

عندما دخلت الإرساليات البروتستانتية إلى مصر ، عملت بكل جد لتطويق وحصار الأرثوذكسية وتعميق الفجوة بين ماضي أم الشهداء المتمثل في إرثها اللاهوتي الشرقي وبين حاضرها وواقعها الذي إعتراه الضعف نتيجة الإنفصال عن هذا الإرث، وتعددت الوسائل والأساليب ولكن ظل الهدف واحدا وهو ان تسقط الأثوذكسية في يد البروتستانتية كالثمرة الناضجة!

لقد سارت الإرساليات في عدة مسارات متوازية هادفة لضرب الأساسات القبطية ، فباديء ذي بدء كانت ترجمة ڤان دايك للكتاب المقدس التي تم تقديمها في أواخر القرن التاسع عشر ، تلك الترجمة التي لم تلتزم بالأصل اليوناني للعهد الجديد بل كانت تتعمد إنتقاء تعبيرات تخدم البناء اللاهوتي البروتستانتي، ومع كل أسف تعد هذه النسخة الأوسع انتشارا عربيا.

المسار الثاني تمثّل في إعداد وتشكيل كوادر بشرية خضعت لتغذية ممنهجة باللاهوت البروتستانتي، حيث جرى ترسيخ تصور عدائي تجاه الكنيسة القبطية بوصفها “ميتة روحيًا”، وتصوير البروتستانتية كحركة خلاصية تهدف إلى “إعادة الروح” إلى الكنيسة المصرية. هذا التشكيل لم يكن نظريًا فحسب، بل اتخذ طابعًا عمليًا، إذ دُفعت هذه الكوادر للانخراط في الخدمات الكنسية، بل والسعي إلى التسلل إلى الإكليروس ذاته، في محاولة لإعادة تشكيل الوجدان الكنسي من الداخل، وفقًا لرؤية لاهوتية دخيلة ومفككة عن سرّ الكنيسة.

المسار الثالث -وأكثرهم خطورا لنعومته ومظهره البريء- هو الترانيم البروتستانتية ، وهذه الترانيم قد ظهرت في مصر في سياق توسّع الإرساليات التبشيرية الغربية خلال القرن التاسع عشر، خاصة مع وصول المبشّر الأمريكي “لانش” إلى الإسكندرية، ثم القس الاسكتلندي “يوحنا هوج” الذي استقر في أسيوط عام 1865 وبدأ نشاطًا تبشيريًا واسعًا. هذه الترانيم لم تنبع من السياق الليتورجي الأرثوذكسي، بل جاءت محمّلة بروح فردانية وجدانية، تعكس اللاهوت النفسي الذي يركّز على العلاقة الشخصية المباشرة مع الله، بعيدًا عن السرائر ولاهوت الإتحاد الأقنومي الشرقي.

في بنيتها، اعتمدت الترانيم البروتستانتية على الترجمة الحرفية للنصوص الغربية، مع إدخال ألحان شعبية أو غربية بسيطة، مما جعلها سهلة التداول رغم فقرها اللاهوتي. لم تكن هذه الترانيم امتدادًا للتراث القبطي، بل كانت أدوات دعائية تُستخدم لتكريس لاهوت الخلاص الفردي والانفصال عن الكنيسة الأم. ومع انتشار المدارس والمطبوعات البروتستانتية، بدأت هذه الترانيم تتسلل إلى وجدان الأقباط، خاصة في المناطق التي نشطت فيها الإرساليات، مثل صعيد مصر.

وهكذا، أصبحت الترانيم البروتستانتية في مصر ليست مجرد تعبير موسيقي روحي بريء ، بل وسيلة لإعادة تشكيل الوعي المسيحي على صورة وجدانية منفصلة عن اللاهوت الشرقي وسر المسيح ، ويتم تقديمها وكأنها كيان بديل عن الليتورجيا يُغني عن السرائر ويُقدّم المسيح كموضوع شعوري لا كإله متجسد يُعاش داخل الكنيسة.

الترانيم البروتستانتية في جوهرها هي مثال صارخ على ضياع خدمة الثالوث في اللاهوت البروتستانتي. فهي تنحصر في عموميات وصفية تُبقي الوعي أسير الصور الخارجية، وكأن صفات الله ليست دعوة لشركة حقيقية، بل موضوع للتأمل من بعيد. وهكذا يتحول المؤمن من شريك في الخليقة الجديدة إلى متفرج على كلمات خاوية.

أما البُعد الزمني فهو الأشد خطورة ، حيث ان العمل الإلهي المستعلن في المسيح، والذي هو حضور أبدي، يُختزل إلى أحداث تاريخية في الذاكرة. وهكذا يُنتزع سرّ التجسد من جذوره ويتحوّل إلى ذكرى ماضٍ بعيد، لتصبح العلاقة بين الله والإنسان علاقة ذهنية لا كيانية. وهذه هي الكارثة الكبرى: إلغاء الحضور الحيّ للثالوث في الإنسان، واستبداله بعلاقة عقلية باهتة.

يزيد الطين بلّة أن هذا اللاهوت النفسي البروتستانتي يقف عند حدود الأشواق الإنسانية، عواطف ومشاعر بلا روح. بينما الإيمان المسيحي ليس نزعة نفسية ولا أخلاقية، بل شركة حقيقية في الحياة الإلهية ، إمتلاء بالروح القدس وسكنى الثالوث في الكيان البشري. ولكن الترنيمة تنسى أن المبادرة ليست من الإنسان نحو الله، بل من الله الذي جاء إلينا في المسيح وبالروح القدس. تجاهل هذا الجوهر هو إنكار عملي للتجسد، وانحدار باللاهوت إلى عاطفة إنسانية بلا حياة، وهو ما يُفرغ المسيحية من حقيقتها الثالوثية.

 

في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتتشابه فيه الألحان، يحتاج أولادنا وبناتنا الأرثوذكسيين إلى نعمة الإفراز والتمييز الروحي، لا ليحتقروا الآخر، بل ليُميّزوا ما هو من روح الكنيسة وما هو دخيل عليها. فالترانيم البروتستانتية، رغم جاذبيتها العاطفية، تحمل لاهوتًا غريبًا عن سرّ التجسد، وتحاول تشتيت الإنتباه بعيدا عن الكنيسة والأسرار ، وتقدم مخدرا شعوريا يترك متعاطيه في حالة خواء وفي إحتياج للعودة إلى المخدر دون شبع حقيقي!

الترانيم البروتستانتية تُقدّم علاقة شعورية بلا شركة. أما الروح الأرثوذكسية، فهي تُدخل النفس في سر المسيح وفي شركة الحياة الإلهية، لا في حالة وجدانية عابرة أو في عموميات وصفية دون اتحاد حقيقي.

لهذا، فلنشجّع أبناءنا على قراءة الإبصاليات والثيئوطوكيات، لا كتراث قبطي وحسب، بل كمدخل حيّ إلى لاهوت الشرق، حيث يُكرَّم المسيح في جسده، وتُعلَن أمه العذراء كهيكل حيّ، وتُسبَّح الكنيسة كعروس للمسيح. في الإبصالية، لا نسبح الله من بعيد، بل ندخل إلى أعماق الشركة في المسيح. هناك يتعلّم أولادنا أن الترنيم ليس عاطفة، بل شركة، وأن التسبيح ليس ارتياحًا عاطفياً بل دخول إلى سرّ المسيح.

فلنربِّهم على الإفراز، لا على الانفعال، وعلى التمييز، لا على الانبهار، وعلى التشبّع بالروح الأرثوذكسية التي فيها التسبيح لا يُغني عن المسيح، بل يدخلنا إلى أعماق الشركة فيه.

 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *