قد يتفاجئ البعض ويعتقد أن الغنوسية أو العرفان أو الغنوسيس هي مجرد هرطقة حاربتها الكنيسة، ولكن المفاجأة الكتاب المقدس والكنيسة ممثلة في آبائها المعلمين قد علمت بالفعل بما يسمى بـ "الغنوسية المسيحية الحقيقية" في مقابل الغنوسية الهرطوقية. فنجد أن المسيح نفسه في إنجيل يوحنا يعلم بأن الحياة الأبدية هي معرفة الإله الحقيقي وحده، أي الثالوث …

قد يتفاجئ البعض ويعتقد أن الغنوسية أو العرفان أو الغنوسيس هي مجرد هرطقة حاربتها الكنيسة، ولكن المفاجأة الكتاب المقدس والكنيسة ممثلة في آبائها المعلمين قد علمت بالفعل بما يسمى بـ “الغنوسية المسيحية الحقيقية” في مقابل الغنوسية الهرطوقية.
🔷 فنجد أن المسيح نفسه في إنجيل يوحنا يعلم بأن الحياة الأبدية هي معرفة الإله الحقيقي وحده، أي الثالوث القدوس، ويستخدم ق. يوحنا الرسول كاتب الإنجيل اللفظة اليونانية غنوسيس للتعبير عن معنى الحياة الأبدية وغايتها قائلاً: “وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ ίνα γινώσκωσιν أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ” (يو ١٧ : ٣) .
🔷 ويروي لوقا البشير أن المسيح بعد القيامة فتح ذهن تلميذي عمواس ليفهموا الكتب، ويستخدم البشير هنا اللفظة اليونانية نوس للتعبير عن انفتاح ذهن أو نوس التلاميذ على الكتب التي تشير إلى المسيح كمخلص، وهنا يستخدم البشير تعبير النوس ببساطة وانفتاحه على إعلان الكتب والأسفار عن المسيح قائلاً: ” حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ τόν νοϋν لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” (لو ٢٤: ٤٥).
🔷 ويعتبر بولس الرسول من أكثر كتاب العهد الجديد الذي تحدث عن المعرفة أو الغنوسيس واستخدم تعبيرات النوس والإنسان الباطني للتعبير عن انفتاح النوس على استنارة معرفة الله في وجه يسوع المسيح قائلاً: “لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ τής γνώσεως مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيح” (٢كو ٤: ٦)
🔷 كما يتحدث بولس الرسول عن التأييد بقوة الروح القدس في الإنسان الباطني ويستخدم مصطلح الإنسان الباطني للتعبير عن الباطنية والسرية لعمل قوة الروح القدس داخل هذا الإنسان الباطني قائلاً: “لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ” (أف ٣: ١٦) .
🔷 ويستخدم بولس الرسول نفسه تعبير النوس في الترتيل والصلاة بالروح قائلاً: “أُصَلِّي بِالرُّوحِ، وَأُصَلِّي بِالذِّهْنِ أَيْضًا. أُرَتِّلُ بِالرُّوحِ، وَأُرَتِّلُ بِالذِّهْنِ τώ νοΐ أَيْضًا” (أف ١٤: ١٥) .
🔷 وهناك العديد من آيات الكتاب المقدس الأخرى التي تستخدم مصطلحات المعرفة والغنوسيس والنوس والإنسان الباطني والاستنارة في سياق الروحانية السرية والغنوسية المسيحية الحقيقية بالاتحاد مع المسيح، اللوغوس، ابن الله.
🔷 وبالتالي، لا يمنع استخدم الهراطقة الغنوسيين لنفس المصطلحات الإنجيلية والرسولية في سياقات هرطوقية مختلفة، من استخدام نفس المصطلحات في إطار الروحانية والعرفان المسيحي الأرثوذكسي.
🔷 وقد استخدم آباء الكنيسة على مر العصور نفس المصطلحات كالغنوسيس والنوس والإنسان الباطني في إطار الروحانية الأرثوذكسية. ويعتبر ق. إيرينيؤس أسقف ليون المعارض القوي للهرطقات الغنوسية من أبرز من استخدم مصطلح الغنوسية المسيحية الحقيقية في رده على الغنوسية الهرطوقية، حيث يرى أن الغنوسية الحقيقية تكمن في تعليم الرسل والدستور القديم للكنيسة في كل العالم وفي الظهور المميز لجسد المسيح أي الكنيسة عبر تسلسل الأساقفة من المسيح والرسل قائلاً:
“إن المعرفة★ الحقيقية هي التي تكمن في تعليم الرسل، والدستور القديم للكنيسة في كل العالم، والظهور المميز لجسد المسيح حسب تسلسلات الأساقفة، التي بواسطتها سلموا التعاليم للكنيسة في كل مكان، التي وصلت إلينا وقد حُفظت وحُرست بدون تزييف للكتب المقدسة، وذلك بواسطة نظام تعليمي كامل جدًا، ولم تحدث له أية إضافات، ولا تعرض للبتر في الحقائق التي تؤمن بها، وهو يتكون من قراءة كلمة الله بدون تزوير وبتفسير قانوني وجاد بما يتفق مع الكتب المقدسة بدون خطر وبدون تجديف معًا، وفوق كل شيء، هو يتكون من الموهبة الفائقة جدًا أي المحبة التي هي أثمن من المعرفة، وأعظم مجدًا من النبوة، والتي تفوق كل مواهب الله الأخرى (١كو ١٣) “.
إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩، ٤: ٣٣: ٨، ص ٢٣٠.
🔷 وهذا ما يوضحه ق. يوستينوس الشهيد المدافع القوي عن المسيحية ضد الهرطقات الغنوسية في عصره، حيث يرى أن بذرة اللوغوس مزروعة في كل البشر، وأنهم يحيون بالأكثر بمعرفة أو غنوسية وتأمل اللوغوس الكامل أي المسيح، فالغنوسيس الحقيقي هو معرفة وتأمل اللوغوس أي المسيح كالتالي:
“لأن بذرة اللوغوس مزروعة في كل البشر […] ليس كما كانوا يفعلون مع من كان يحيون بحسب بذرة اللوغوس، بل بالأكثر مع من يحيون بمعرفة وتأمل★ اللوغوس الكامل الذي هو المسيح”.
يوستينوس (قديس)، القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، ترجمة: أ. آمال فؤاد، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، ٢٠١٢، الدفاع الأول: ٤٦، ص ٧٣-٧٤.
🔷 ويعتبر ق. كليمندس السكندري أكثر آباء الكنيسة حديثًا وشرحًا لمعنى الغنوسية المسيحية الأرثوذكسية، وذلك في مواجهة خرافات وأضاليل الغنوسية الهرطوقية ، حيث يرى أن الغنوسي الحقيقي في الأرثوذكسية بعد أن كبر في الكتاب المقدس ، وفي الحفاظ على العقائد الرسولية والكنيسة الأرثوذكسية ، فإنه هو وحده الذي يعيش بشكل أكثر صحة وفقًا للإنجيل كالتالي:
“إذًا، الغنوسي★ لدينا، بعد أن كبر في الكتاب المقدس ، وفي الحفاظ على العقائد الرسولية والكنيسة الأرثوذكسية، هو وحده الذي يعيش بشكل أكثر صحة وفقًا للإنجيل، ويكتشف البراهين التي يبحث عنها، كأنها مرسَلة من الرب، ومن الناموس والأنبياء. لأن حياة الغنوسي★، في رأيي، ليست سوى أفعال وأقوال طبقًا لتقليد الرب”.
كليمندس السكندري (قديس)، المتفرقات (نسخة إلكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، القاهرة: موقع الكنوز القبطية، ٧: ١٦ : ٣٦، ص ١٦٧.
🔷 ويرى العلامة أوريجينوس أن أعظم موهبة من بين المواهب الروحية هي كلمة المعرفة التي ينقلها الروح القدس، ويوضح أن الوظيفة الأسمى للمعرفة أو الغنوسيس هي معرفة الثالوث وخليقة الله قائلاً:
“يقول الكلمة الإلهي على لسان النبي: ‘ استنيروا لأنفسكم بنور المعرفة’ (هو ١٠: ١٢ سبعينية). ومن بين المواهب الروحية، هناك أعظمها حقًا، ألا وهو المعرفة التي ينقلها الروح القدس؛ والهدف الأسمى من تلك المعرفة هو ما يضعه إنجيل متى بهذه الطريقة: ‘ليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له’ (من ١١: ٢٧) […] وبالتالي، فإن الوظيفة الأسمى للمعرفة★ هي معرفة الثالوث؛ وثانيًا، معرفة خليقة الله”.
أوريجينوس (علامة)، عظات وتعليقات على سفر نشيد الاناشيد، ترجمة: القس بولا رأفت، القاهرة، ٢٠٢٤، الكتاب الثاني، تعليق على نش ١: ٨ سبعينية، ص ١٠٥.
🔷 ويوضح چوهانس كواستن الفرق بين الغنوسية المسيحية الحقيقية وبين الغنوسية الهرطوقية بحسب باسيليدس أحد زعمائها كالتالي:
١. تأتي المعرفة أو الغنوسية من السلاطين الذين صنعوا العالم.
٢. قليلون فقط، واحد من كل ألف، أو اثنان من كل عشرة آلاف، قادرون على اقتناء المعرفة الحقة.
٣. لا بد من حفظ الأسرار بلا كشف.
٤. لا فائدة من الاستشهاد.
٥. يؤثر الفداء في النفوس فقط، لا الجسد الخاضع الفساد.
٦. كل فعل، حتى أشنع خطايا الشهوة، منشأه منتهى الجهل واللامبالاة من الشخص.
٧. لا ينبغي على المسيحي الاعتراف بمسيح مصلوب، بل بيسوع المرسل من الآب ، وإلا ظل عبدًا تحت سلطان الذين صنعوا أجسادنا.
٨. لا بد من اختفاء ذبائح الأمم، لكن يمكن استخدامها بلا أدنى تردد لتفاهتها.
چوهانس كواستن، علم الآبائيات “باترولوچيا” مج١، ترجمة: أنبا مقار أسقف الشرقية والعاشر، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، ٢٠١٥، الفصل ٧، ص ٢٨٦-٢٨٧.
🔷 ويتضح من خلال العرض السابق أنه يوجد غنوسية مسيحية في إطار أرثوذكسي تستخدم مصطلحات الغنوسيس أو العرفان، والباطنية، والنوس، وذلك في إطار الروحانية الأرثوذكسية السليمة حسب تقليد الكنيسة الحي.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *