في تركيبة تأملات المتروبوليت يوحنا زيزيولاس حول الفن, و الإبداع, و طبيعة الشخص, نجد نسيجًا غنيًّا يتشابك فيه خيط لاهوتي (مرتبط بالله), و آخر أنثروبولوجي (مرتبط بطبيعة الإنسان), و ثالث أنطولوجي (مرتبط حول معني الوجود), يتعمق زيزيولاس في الأبعاد العميقة للإبداع البشري, و خصوصًا من خلال منظور الفن, ليتكشف جوهر الكينونة و الشخصانية. و تعتمد …

في تركيبة تأملات المتروبوليت يوحنا زيزيولاس حول الفن, و الإبداع, و طبيعة الشخص, نجد نسيجًا غنيًّا يتشابك فيه خيط لاهوتي (مرتبط بالله), و آخر أنثروبولوجي (مرتبط بطبيعة الإنسان), و ثالث أنطولوجي (مرتبط حول معني الوجود), يتعمق زيزيولاس في الأبعاد العميقة للإبداع البشري, و خصوصًا من خلال منظور الفن, ليتكشف جوهر الكينونة و الشخصانية.
و تعتمد رؤيته على مصادر متنوعة, منها ملاحظات بول فاليري حول الموسيقى, و المنظور السوسيولوجي (الإجتماعي) لكارل منهايم, ليقدم رؤية عن الخلق تتجاوز الثنائية المعتادة بين الموضوعية (إن الشئ مستقل عن الوعي) و الذاتية (كونه مرتبط فقط بالشعور أو الخبرة الفردية), نحو فهم يتأسس على الحضور الشخصاني الذي يضفي المعنى على الوجود و الخليقة.

“عندما نقول إن الإنسان قادر على الخلق لكونه شخصًا (أقنوم), فنحن نعبر عن أمر مختلف تمامًا, يتعلق بإمكانية مزدوجة يفتحها هذا النوع من الخلق, فمن جهة, تكتسب الأشياء أو العالم المحيط بنا حضورًا, أي تصبح جزءً حيّا و متكاملا و ذو صلة بكلية الوجود, و من جهة أخرى, يصبح الإنسان نفسه “حاضرًا” كشخصية وجودية فريدة (هيبوستاسيس – hypostasis, كيان شخصي متفرد في الوجود لا يمكن إستنساخة), و ليس مجرد رقم لا شخصي داخل تركيب جماعي (يعني إن الإنسان يتم التعامل معاه كأنه مجرد رقم في نظام معين من غير ما يكون له هوية شخصية أو قيمة فريدة).
بعبارة أخرى, في هذا الفهم للخلق, تتجه الحركة من “الشيئية” (thinghood النظر إلى العالم كأشياء مادية صامتة) نحو “الشخصانية” (personhood الوجود كشخص له حرية و علاقة و معنى), و ليس العكس.
على سبيل المثال هذا ما يحدث في حالة العمل الفني الحقيقي, مقارنة بالآلة, فعندما ننظر إلى لوحة فنية أو أيقونة, أو نستمع إلى قطعة موسيقية, نحن لا نواجه مجرد مواد أو خصائص كالقماش, الزيت, الشكل, أو اللون, و الأصوات, بل نجد أنفسنا أمام “بداية لعالم”, آي أمام “حضور” تصبح فيه تلك الأشياء جزئاً من كيان شخصي متجسد.
و هذا كله هو إنجاز الشخصانية (آي القدرة الفريدة للإنسان على أن يخلق حضورًا شخصيًا) و هي قدرة مميِزة للإنسان, لا تشبه أي إنجاز تقني (معمول بالآلة زي ال AI كده), ولا تُهدَّد من قبَل الكائنات الذكية الناشئة عن علوم الحاسوب.
و لهذا, يستخدم مصطلح “الإبداع” (creativity) بشكل خاص في وصف الفن, و مع ذلك, نادرًا ما ندرك المعاني العميقة لهذا الأمر على الصعيد اللاهوتي (علم دراسة الطبيعة الإلهية) و الأنثروبولوجي (علم الإنسان و طبيعة وجوده الشخصاني).”
– من كتاب “The Meaning of Being Human” (معني أن يكون الإنسان إنسانً) صفحة 31.

يوضح زيزيولاس أن الإبداع البشري, و بالأخص كما في الفن, ليس مجرد إنتاج لأشياء مادية, بل هو عملية حيوية تتحرك من “الشيئية” إلي “الشخصانية, هذه الحركة لا تضيف فقط معنى جديد للأشياء, بل تمنح العالم حضور حقيقي يعكس عدم قابلية التكرار (الفردانية) للشخص المبدع.
بالنسبة للمطران, الفن الحقيقي يجسد هذا التحول, و يخالف جذريًا الإنتاج التكنولوجي الذي يسير في الإتجاه المعاكس : من الشخص إلى الشئ, من الحضور إلى الإستخدام.
و يؤكد هذا التمييز على جانب جوهري من الأقنومية (الوجود), آي القدرة على الخلق بطريقة تؤكد سلامة الوجود و شموليته.

” لقد كنت أتحدث عن قدرة الإنسان على الخلق بوصفها حركة تنتقل من “الشيئية” إلى “الشخصانية”, و هذا بالضبط ما نجده في العمل الفني الأصيل, بخلاف ” الخلق ” التكنولوجي الذي يتحقق من خلال حركة معاكسة,
لكن عند هذه النقطة تظهر فرضية مثيرة, ماذا لو لم تكن هناك ” أشياء ” من الأصل, بل فقط “أشخاص” ؟, ماذا يحدث إذًا لفعل الإبداع باعتباره حركة من “الشيئية” إلى “الشخصانية”؟.
– من كتاب “The Meaning of Being Human” (معني أن يكون الإنسان إنسانً) صفحة 38.

– توضيح من المٌترجم للنص السابق ( الجزء إللي جاي كله مش موجود في المقال الأصلي ده توضيح مني مش أكتر).
المطران قال إن الإبداع بيحصل لما الإنسان ياخد أشياء زي الزيت و الألوان و القماش و يحولها من مجرد مادة او شئ إلى حضور شخصاني, يعني يخليها تعبر عن ذاته كشخص, فده اسمه : حركة من الشيئية إلى الشخصانية.
لكن دلوقتي في النص إللي فات يفترض سؤال صعب, إيه اللي يحصل لو أصلا مفيش أشياء ؟ لو كل الموجود هو شخصاني ؟ هل العالم “شيء” نحوله إلى “شخصاني”, ولا هو من البداية شخصاني و الإنسان دوره إنه يدخل في العلاقة دي و يكتشفها ؟

في طرح زيزيولاس يكمن تناقض ظاهري معروف بـ “الحضور في الغياب” (presence-in-absence), و هو مفهوم يكشف في وقت واحد عن حدود الإبداع البشري من جهة, و عمقة الوجودي الشخصاني من جهة أخرى.
هذا التناقض يشير إلى أن حضور الفنان يتم الشعور به بأقوى صورة في غيابه, آي أن العمل الفني يُفصح عن ذات الفنان من خلال غيابه الجسدي, كأن حضوره يتجلى في المسافة التي تفصله عن مادته, و هذا يكشف عن القيود الملازمة لفعل الخلق الإنساني, و الذي يحدث دائمًا ضمن حدود الزمان و المكان (القيود الزمكانية).
و يتوسع زيزيولاس بهذا التناقض ليشمل الإلهي : فلو أن الله خلق بإستخدام مادة موجودة سابقًا, لكان حضوره الإلهي سيحمل أيضًا طابع الغياب, لأن وجود شيء سابق على فعل الخلق يُقيده (لا يجعله حر حرية مطلقه), لكن الفعل الإلهي في الخلق حر تمامًا من هذه القيود, لأنه لا يعتمد على شيء قبله, بل يوجد من العدم (creatio ex nihilo – الخلق من لا شئ), و من هنا, فإن الحضور الإلهي في الخلق لا يحمل غيابًا, بل هو حضور كامل. يتم تقديمه لنا كنموذج أصيل لحضور لا يتضمن غيابًا, أي حضور شخصاني مطلق.

” الإنسان بشكل خاص, و إن لم يكن حصرًا, من خلال الفن و التاريخ, يخلق حضورًا شخصانيًا, و هذا يُظهر أنه شخص (أقنوم) ( يعني مش مجرد كائن بيولوجي فقط و لكن كيان حر له إرادة حرة). و تكمن أهمية الفن, و من الواضح أن الإشارة هنا ليست إلى من يُطلق عليهم فنانون لمجرد أنهم يقلدون الطبيعة بأسلوب تصويري أقرب إلى الفوتوغرافيا او تصوير بالكاميرا, و تكمن هنا أهمية الفن في أنه يُظهر أن الإنسان, كشخص, لا يكتفي بحضور الكائنات كما تُعطى له في العالم. بل, على مثال الله, يريد أن يُدرك الكائنات لا بحسب “طبيعتها الذاتية”, آي لا كما تُفرض عليه كمعطى لا يُقاوَم, بل كنتاج لإرادته الحرة, كما عبر القديس ماكسيموس المعترف عن ذلك بمصطلح idia thelēmata (آي ” إرادة الإنسان الخاصة “). و يتمكن الإنسان فعلا من تحقيق ذلك, لكنه لا يحققه إلا في صورة المفارقة ” للحضور في الغياب “, أي أن حضوره الشخصي في ما يخلقه, رغم أنه حقيقي, إلا أنه مشوب بالغياب, لأنه لا يستطيع تجاوز قيود الزمان و المكان و المواد المخلوقة.”
– من كتاب “The Meaning of Being Human” (معني أن يكون الإنسان إنسانً) صفحة 38.

يتناول المطان البعد التاريخي للشخصانية, موضحًا أن التاريخ, مثل الفن, هو مجال تظهر فيه حرية الإنسان و إبداعاته, فعبر الأفعال التاريخية, يستطيع الإنسان التعبير عن حريته مقابل و ضد القوى الحتمية (deterministic آي التي تفترض أن كل ما يحدث يخضع لقوانين جامدة لا يمكن تغييرها تمامًا) للطبيعة و الأحداث, فيزيد بذلك على التاريخ نفسه أهمية أنطولوجية تشبه ما يحدث في الفعل الإبداعي داخل الفن, و من هذا المنظور, يدعونا زيزيولاس إلى أن ننظر إلى التاريخ و الفن كمجالين مترابطين, يتجلى فيهما حضور الكينونة, و يعاد التفاوض حول هذا الحضور بإستمرار من خلال الحرية و الإبداع.

” الغياب الذي يُحدثه الموت هو الغياب الذي يهدد الحضور, كما وضحناه هنا, و لذلك, فإن الإبداع و الفن هما دفاع الشخص ضد الموت, و في الوقت ذاته مذاق للموت, إذ أن هذا الإبداع يؤدي إلى الحضور في غياب (شرحتها في نفس البوست أرجع لمعنى الحضور في الغياب)ط.
– من كتاب “The Meaning of Being Human” (معني أن يكون الإنسان إنسانً) صفحة 38.

تبلغ المناقشة حول الفن و الشخصانية ذروتها في تأمل حول التحول الخريستولوجي (الأخروي) للخليقة, مشير إلى أن الكمال النهائي للوجود يكمن في رؤية للعالم تُشبه الفن, هذه الرؤية تتجاوز حدود النماذج الفلسفية و العلمية الحالية, و تقدم لمحة عن واقع قد تحول و تغير بفعل الإبداع الناتج عن حرية الله والإنسان سويََا.

يعكس المتروبوليت يوحنا زيزيولاس بعمق في الدلالة اللاهوتية و الأسخاتولوجية (ما بعد الدهر الآتي) للأيقونات البيزنطية, مع تسليط الضوء بشكل خاص على إسهامات كاتب الأيقونة ستاماتيس سكليريس.

التمثيل الأسخاتولوجي : يؤكد المطران أن الأيقونات ليست مجرد تمثيلات تاريخية, بل هي إستشراف للواقع كما سيكون في المستقبل, و بالأخص مستقبل تُهزم فيه قوة الموت. هذا المنظور متجذر في الإيمان المسيحي بالقيامة و الحياة الآتية, حيث ستوجد الخليقة كلها و بالأخص الإنسان في حالة أبدية متحررة من قيود الموت و فساده.

” الأيقونة هي تمثيل للأشياء, كما ستكون في المستقبل, أي بلا موت, و الآن, ما الذي يفعله الموت؟ إن الموت يهدد الكائنات بالعدم, فالعدم الذي خُلِق منه العالم يُظهِر نفسه دائمًا عبر الموت. كتهديد بالعودة إلى العدم, إلى اللاوجود, أما في الملكوت, عندما يُقهر الموت, فإن كل كائن فردي و محسوس, سيبقى و يستمر في الوجود.
“The Icons of Fr. Stamatis Skliris”, in Stamatis Skliris, In the Mirror: A Collection of Iconographic Essays and Illustrations (Los Angeles: Sebastian Press, 2007), p. 10
المصدر : : أيقونات الأب ستاماتيس سكليريس”, في : ستاماتيس سكليريس, في المرآة : مجموعة من المقالات و الرسم الأيقونوجرافي ( لوس أنجلوس : دار سيبستيان للنشر, 2007), ص 10.

تجاوز الموت في الفن : إن التحدي الفريد أمام الأيقونة هو أن تمثل الكائنات بطريقة تتجاوز و جودها التاريخي المطبوع بالفساد و الموت, فالأيقونات يجب أن تزيل أي عناصر قد تذكر المُشاهد بالفناء, و بذلك تتميز جوهريًّا عن الفن الدنيوي و الفن الديني الغربي, الذي يسعى غالبًا إلى تصوير الواقع “كما هو”.

” و بالأخص, فإن كل إنسان سيبقى, وهذا يعني أنه يجب أن يكون في الأيقونة أسلوب يوضح أن الكائن المخصوص لا يحمل سمات وجوده التاريخي المرتبط بالموت, مثل الفساد, و كل الأمور التي تُذكرنا بالموت, كل هذه يجب أن تٌمحي, و هذا يعني أن الأيقونة تختلف جوهريًا عن الفن الدنيوي أو الفن الديني الغربي. لأن الأخير يحاول أن يمثل الواقع كما هو, لا كما سيكون. و هذا البعد الإسخاتولوجي مرتبط كما قلت, بالشخصاني, لان علينا أن نحفظ كل شخص من أن يبلعه الموت “.
كتاب ” الأيقونات عند الأب ستاماتيس سكليريس”, ص 10

إستخدام النور : الأداة الفنية الحاسمة لتحقيق هذا التخطي في الأيقونات هي النور, و لكن ليس أي نور طبيعي ينتج ظل, لأن الظلام مرتبطة بالفساد و الموت, بل تستعمل الأيقونات النور الإلهي غير المخلوق (Uncreated Light) المنبثق من الله, هذا النور يضيء موضع الأيقونة بشكل لا ينتج ظل, و بذلك لا يكتفي بتمييز الأشخاص من غير ااإعتماد على النور الطبيعي, بل يتجاوز بشكل رمزي سلطان الموت.

” الان, كيف يمكن تحقيق ذلك ؟ أعتقد أن هذه هي العظمة و القيمة الفنية الحقيقية للأيقونة – أنها تستطيع أن تكون كذلك, و الطريقة التي يتم بها هذا هي من خلال النور, النور الذي يتم تسليطه على وجوه الأشخاص وا لكائنات – نور ليس مثل أي نور طبيعي ينتج ظلال, لأن الظلال مرتبطة بالفساد و الموت, بل هو نور ينتج كيان كامل و مختلف, من دون الحاجة إلى الظل. ”
كتاب ” الأيقونات عند الأب ستاماتيس سكليريس “, ص 10

إسهامات ستاماتيس سكليريس: يشدد زيزيولاس على عمل ستاماتيس سكليريس بوصفه تجسيد لهذه الرؤية اللاهوتية و الفنية, فقد نال فنه تقدير خاص لقدرته على توظيف النور غير المخلوق بطريقة تحمي فردانية الكائنات من دون أن تقع تحت سلطة البصريات المرتبطة بالفساد و الموت, و من خلال هذا النور, تؤكد أيقونات سكليريس على الهوية الأبدية و بقاء كل شخص, مطتلعة وجودهم في واقع جديد لا مكان فيه للموت.

” على سبيل المثال, إذا أردت أن أكون نفسي من دون أن اختلط مع الأب ستاماتيس, فإن النور الطبيعي المسلط عليا سينتج ظلًا يميزني عنه, لكن هذا الظل مرتبط بالموت ارتباطًا مباشرًا, و لذلك لا بد أن يٌزال, و هنا يطرح السؤال : كيف يمكنني أن أكون مميّزًا عن الأب ستاماتيس من دون ظل, و من دون نور طبيعي ؟ الحل هو في النور غير المخلوق, النور الآتي من الله, الذي لا ينتج موتًا ولا ظلًا, و أعتقد أن هذه هي الميزة العظمى, و القيمة الحقيقية لفن الأب ستاماتيس, إذ اكتشف الدور الذي يلعبة النور في الأيقونة بوصفه وسيلة لحماية الكائنات الخاصة من الموت و الفساد, و بذلك يضمن بقاءها و نجاتها “.
كتاب ” أيقونات الأب ستاماتيس سكليريس”, ص 10.

ببساطة, يرى المطران يوحنت أن الأيقونة البيزنطية, خصوصًا كما يقدمها ستاماتيس سكليريس, هي تعبير لاهوتي عميق يسبق المستقبل الإسخاتولوجي للخليقة, فالأيقونات, من خلال إستخدامها الفريد للنور الإلهي, لا تُعتبر مجرد فن ديني, بل لاهوت بصري ينطق برجاء القيامة و الحياة الأبدية حيث يُهزم الموت و الفساد بشكل مهائي.
و يشير زيزيولاس أيضًا إلى أن الحيوانات قد إندمجت في العبادة الكنسية و الفن الكنسي, كرموز لاهوتية مقدسة إلى جانب الإنسان, حيث يمثل السمك و الحمامة و الحمل المسيح نفسه و أحداث كتابيّة جوهرية, و منذ الأيقونات الكنسية الأولى و حتى اليوم, لا تزال هذه الرموز جوهر لكل موضوع الروحي و الأسرار المقدسة, و بالأخص سر الإفخارستيا.

إن دمج الحيوانات في عبادة الكنيسة – دائمًا, بطبيعة الحال, من خلال الإنسان و معه – يجد تعبيره أيضًا في الفن الكنسي,, فمنذ الأيام الأولى للكنيسة, لم يكن هناك أي تردد في إستخدام الحيوانات كرموز في الأيقونوغرافي و العمارة المقدسين, و أبرز مثال على ذلك هو السمكة, التي استخدمت رمزًا يشير إلى المسيح نفسه, مثال علاقته بسر الإفخارستيا, غير أن الأمر لا يقتصر على السمكة, بل نجد أيضًا الحمامة ( المرتبطة بمعمودية المسيح في نهر الأردن ), و الحمل ( رمز مسياني محوري في الفداء و الذبيحة) منذ الكنيسة الأولى, بل إن الحمل لا يزال حتى اليوم مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بسر الإفخارستيا.
كتاب ” كهنة الخليقة “, المطران يوحنا زيزيولاس, ص 200.

كانالمطران معجب بالأيقونوغرافي في مدينة رفينا, حيث تُظهر الحيوانات و النباتات في بازيليك القديس أبولويناري و غيره من الأعمال الفنية أن ملكوت الله يشمل الخليقة بأسرها, كما أن الأيقونات الخاصة بالأعياد الكنسية الكبرى, مثل عيد الميلاد, غالبًا ما تتضمن حيوانات كالطور و الحمار. لتبرز دورها في المواضيع و السرديات الإلهية.

” تزين الغزلان و الطواويس أو الأطواس (جمع كلمة طاووس من معجم المعاني), إلى جانب طيور و كائنات أخرى كثيرة, داخل الهياكل و المذابح الكنسية, و كذلك ملابس الإكليروس, ففي الفسيفساء الشهيرة من القرن السادس في بازيليك القديس أبوليناري في كلاسي بمدينة رفينا, يصور الحالة الإسخاتولوجية للفردوس كروضة خضراء, حيث تحيط الأشجار و الزهور برمز الصليب, و معها الخراف – و كلها تدل بوضوح على أنّ المشاركة في ملكوت الله ليست حكرًا على البشر وحدهم، بل تشمل الخليقة بأسرها والبيئة الطبيعية، بما فيها الحيوانات والنباتات. كما أن حضور الحيوانات يبدو واضحًا أيضًا في الأيقونات التي تصوّر الأعياد الكبرى للكنيسة، مثل عيد الميلاد، حيث تُظهر الأيقونة تقليديًا حضور ومشاركة الحيوانات—وفي حالة أيقونة ميلاد المسيح، يظهر الثور والحمار محيطَين بالمذود.

يقدم زيزيولاس رؤية عميقة حول العلاقة بين الإسخاتولوجي, و الفن, و فعل الخلق, و ذلك من منظور لاهوتي مسيحي.

الخلق كفعل فني : يقارن المطران بين النظرة العلمية الحديثة لله كرياضي (جاية من الرياضيات), و بين النظرة القديمة و اللاهوتية التي ترى الله كفنان, فهذه الرؤية الفنية تبرز فعل الخلق لا كعملية ميكانيكية, بل كعمل يهدف إلى إظهار الجمال و النظام (كوزموس : κόσμος) و التفرد, أشبه بعمل فنان يبدع تحفة فنية, لا بعالِم يفعل تجربة.

” الله يخلق كفنان أكثر منه كعالِم, فاللغة التي يستخدمها الكتاب المقدس و الآباء في وصف خلق الله للعالم تبدو و كأنها مأخوذة من عملية بناء معبد (عب ٣: ٣–٤), حيث يتم ترتيبه و تأثيثه بحيث يصير كوزموس (κόσμος : نظام جميل و منسق), شيئًا حسنًا (كالون, καλόν؛ تك ١: ٣١), و هذا بالفعل كان الأسلوب الذي وصف به أفلاطون الخلق في محاورة تيميوس, و مع الإضافة المسيحية لفكرة الخلق من العدم (creatio ex nihilo) أستمر الآباء في إستعمال نفس اللغة.
لكن في الأزمنة الحديثة, و تحت تأثير العلم, صار النظر إلى العالم كآلة منظمة بدقة و قابلة للحساب الرياضي, تعكس حكمة الله, أي عقلانية الكائن الأعظم حكمة, و أصبح يتم فهم الله الخالق على أنه أشبه بـ “عالِم رياضيات” يحمل في ذهنه كل قوانين الطبيعة, و من يتمكن من إدراك هذه القوانين لا يعرف الماضي و الحاضر فحسب, بل يستطيع أيضًا التنبؤ بمستقبل الخليقة بيقين كامل, و هو ما يشكل إسخاتولوجيا الحتمية المطلقة.”
كتاب تذكر المستقبل, ص. 148, للمطران يوحنا زيزيولاس.

أنطولوجية الفن : يجادل النص ضد النظر إلى الفن بإعتباره مجرد وسيلة لإثارة المتعة الجمالية, بل يؤكد على ضرورة فهم الفن في بعده الأنطولوجي (الوجودي), حيث يمثل الفن إنبثاق للهوية و الحقائق الجديدة و المتفردة, هذا المنظور الأنطولوجي أساسي ليتوافق مع الفهم المسيحي لله بوصفه خالق يُوجد عالم جديد.

” يجب أولاً تفسير صورة الفنان قبل إستخدامها لوصف الفعل الإبداعي لله, إذا ما فهمنا العالم على أنه مجرد شيء يتماثل مع الصناعات اليدوية البشرية, فلن نتمكن بالضرورة من تجنب المفهوم الديستي للخلق كآلة, هذا واضح بشكل خاص في التكنولوجيا الحديثة, حيث ينتج العقل البشري آلات يفوض إليها أنشطته البدنية, تمامًا كما يفعل إله ديستي مع خليقته, كما يجب علينا استبعاد أي تصورات للفن كإنجازات جمالية تثير المتعة و الإعجاب دون أن تعبر عن أو تشير إلى ظهور هويات جديدة و فريدة, أي دون أهمية وجودية (أنطولوجية), إذا أردنا وصف الخالق المسيحي كفنان, يجب أن نفكر في الفن كما وصفه بول فاليري بعمق فيما يتعلق بالموسيقى, بأنه ” بداية عالم “, وا لفنان الذي يناسب صورة الخالق المسيحي لن يكون فنان العصر الرومانسي الذي يسعى لإستخلاص المعنى و الشعور و” الجمال ” من علاقة إبداعية بين الجمال الطبيعي و الذكاء و الفهم, ولا ذلك الفنان الذي يجرب التعبير عن تجارب بشرية ذاتية أو اجتماعية, أو عناصر التناقض و اللاعقلانية في الحالة البشرية و الحياة, أو إستحالة تحقيق الكمال أو ” الحضور ” التي ميزت الكثير من فن القرن العشرين, فكرة الخلق المسيحي لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال صورة فنان يهدف إلى إيجاد عالم جديد كليًا, و ليس إستخلاص المعنى و الجمال مما هو موجود بالفعل.
كتاب تذكر المستقبل, ص 148, للمطران يوحنا اسقف برجامون.

– ملحوظة من المترجم ( الديستية هي معتقد شايف إن الله خلق الكون و وضع له قوانين طبيعية, لكنه لا يتدخل في شؤون العالم أو يؤثر فيه بعد الخلق, زي صانع الساعات, الراجل يصنع الساعة و يضبطها و يسيبها تشتغل لوحدها دون تدخل مباشر, لكن في سياق النص, لما نقول أن تصور الله كمجرد خالق يصنع العالم ثم يتركه يعمل بشكل ميكانيكي (كآلة) يتماشى مع الفكر الديستي, و لكن لا يتماشى مع التصور المسيحي التقليدي الذي يرى الله كخالق متفاعل و مستمر في علاقته مع الخليقة.

التفرد ( الوحدانية ) و الشخص:
المحور المركزي في فكر زيزيولاس هو أن الفن الأصيل, و بالتالي الخلق نفسه يتسم بالفرادة, و هو غير منفصل عن شخص الخالق, و هذا يعني أن خليقة الله هي فريدة و غير قابلة للاستبدال, قائمة على علاقة شخصية به, ولا يمكن تكرارها أو نسخها من دون أن تفقد جوهرها.

” كل فن أصيل يفترض و يستلزم قصدًا في إنتاج شيء جديد و فريد, و كما يصف كارل منهايم ما يسميه بـ ” الحيّز الجمالي “, فإن العمل الفني لا يتحدد لا بمكان الموضوع ( مثل : ” كتلة من الرخام “), ولا بمجرد خبرة الذات بل له “موضوعيته ” الخاصة, فالآلة (زي ال AI كده ) أو المنتج التكنولوجي يمكن نسخه و تكراره, أما العمل الفني فيجب أن يظل فريد إلى الأبد, إذ إن أي نسخة منه تشكل موضوعًا آخر, و هوية مغايرة, و هكذا فإن خلق الله هو, بالطريقة عينها, فريد و غير قابل للإستبدال, و أي محاولة لنسخه محكوم عليها بالفشل.”
كتاب تذكر المستقبل, ص. 150, للمطران يوحنا زيزيولاس

” إن تفرد أو فررادة العمل الفني مرتبطة على نحو لا ينفصم بفرادة شخص الفنان, فلا وجود للفن من دون الشخصانية, من دون شخص يبدع هذا الفن بحرية, إن الله الخالق هو إله شخصي, و خليقته تعتمد دائمًا على علاقتها الشخصية به, فهي له, أو لا تكون على الإطلاق, تمامًا كما أن موسيقى موزارت لا يمكن أن تكون عملًا لأي شخص آخر.”
كتاب تذكر المستقبل, ص. 150, للمطران يوحنا زيزيولاس

مفارقة الحضور في الغياب : إن من أهم الرؤى اللاهوتية فكرة المفارقة التي يظهر فيها حضور الخالق في خليقته من خلال غيابه, هذه المفارقة تبرز الطبيعة الشخصانية للعلاقة بين الخالق و الخلق, و هي تفيد بأن حضور الله في العالم ليس حضورًا يمكن ملاحظته أو إخضاعه للسيطرة المباشرة, بل هو حضور شخصي لا آلي (حضور ميكانيكي), يعكس علاقة حرة و شخصانية بين الله و خليقته.

” إن و جه التشابه بين خلق الله و العمل الفني هو حضور الفنان فيه في صورة غيابه, هذه المفارقة تميز كل عمل من أعمال الخلق, سواء كان خلقًا إلهيًا أو عملًا فنيًا إنسانيًا, و إن دلالات هذه المفارقة الأنطولوجية (الوجودية) تحمل أهمية حاسمة في ما يخص الأنطولوجيا الإسخاتولوجية.
أولًا, إن مفارقة ” الحضور في الغياب ” تحفظ الطابع الشخصاني لعلاقة الخالق بعمله الفني, فلو كان الخالق حاضرًا بطريقة يمكن السيطرة عليها بحواسنا, لاختفت حريته, إذ أن
” الشخص الذي يمكننا الإحاطة بكيانه و معرفة كل لحظة من لحظات وجوده مسبقًا, سيتوقف بذلك عن أن يكون شخصًا بالنسبة لنا, و حين يتم التعامل مع البشر خطأً بوصفهم مجرد كائنات قابلة للإدراك و السيطرة, فإن شخصيتهم يُستهان بها.”
وهذا ينطبق أيضًا على حضور الله في الخليقة.
فمع أن هناك علامات كثيرة تشهد و تشير إلى حضور الله في الخليقة ( كما يقول سفر الأعمال 14: 17 و رسالة رومية 1: 20), إلا أن أي منها لا يمكن أن يكون تحت سيطرة حواسنا, و لهذا فإن ” البرهان الكوزمولوجي ” القديم على وجود الله يفقد قيمته عندما يُنظر إلى حضور الله في الخليقة باعتباره حضورًا شخصيًا, و بالمثل, فإن الطاقات الإلهية و التدخلات العجائبية لله في الطبيعة و التاريخ, لأنها حضور شخصاني و” متجسد أقنوميًا ” (enhypostatic, أي قائم في الأقنوم الشخصي), لا يمكن أن تُحوّل إلى أشياء موضوعية ولا أن تكون تحت سيطرة البشر.”
كتاب تذكر المستقبل, ص. 150, للمطران يوحنا زيزيولاس.

توضيح من المٌترجمز
زيزيولاس بيتكلم عن فكرة إزاي خلق الله يشبه العمل الفني, بس فيه نقطة مهمة : إن الفنان (سواء الله أو فنان بشري) بيكون موجود في عمله بس بنفس الوقت غايب عنه, يعني إيه ؟ إنك تشوف أثر الفنان في اللوحة أو العمل الفني, بس ما تقدرش تلمسه أو تتحكم فيه, دي حاجة أساسية عشان الأنطولوجيا الإسخاتولوجية ( يعني النظر للوجود من زاوية النهاية أو الهدف الأخير للخليقة ). فلو الفنان كان موجود بشكل ملموس, يعني تقدر تشوفه و تتوقع كل حاجة هيعملها, هيفقد حريته و هيبقى زي ال Ai مثلا, نفس الكلام على الله, لو حضوره في الخليقة كان مادي نقدر نتحكم فيها بحواسنا, كان هيفقد طابعه الشخصي و حريته, فيه إشارات كتير في الكتاب المقدس (زي أعمال الرسل 14:17 و رومية 1:20) بتشهد إن الله موجود في الخليقة, بس مش بطريقة نقدر نتحكم فيها, يعني البراهين القديمة إللي كانت بتحاول تثبت وجود الله بعقلانية بحتة مش كفاية, لأن حضور الله شخصي, مش مادي,
حتى الطاقات الإلهية أو المعجزات إللي بتحصل في الطبيعة أو التاريخ, دي كلها شخصية (يعني مرتبطة بذات الله), ومنقدرش نعاملها بششكل مادي أو نقدر نتحكم فيها, فالنص بيحاول يقول إن خلق الله زي العمل الفني الأصيل, لازم يكون فريد, لا يمكن تقليده, و حضور الله فيه بيبقى زي الفنان في لوحته او الموسيقار في الموسيقى بتاعته موجود بس مش ملموس.

التوجه الإسخاتولوجي : النص يبرز الطبيعة المستقبلية للخلق و الفن, حيث تتأكد الفرادة الأنطولوجية للعمل الإبداعي عبر الزمن, و قد تبلغ قيمة أبدية, و هذه النظرة الإسخاتولوجية (المتجهة نحو الدهر الآتي و الملكوت) تشمل كلاً من العمل الفني و شخص الفنان نفسه, لتشير إلى أن الإبداع الحقيقي, سواء الفني أو الإلهي بالقياس, ينطوي دائمًا على شوق نحو الكينونة الأبدية و المعنى الأبدي.

” إن الإبداع الإنساني متوجه أيضًا نحو المستقبل, حيث ينال منه تأكيد فرادته الوجودية, فقد لا يُعترف بالعمل الفني على الفور كعمل فني, و قد يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى يتم تقييمه باعتباره إنجازًا جديرًا بالبقاء الأبدي و “الخلود”, و من المهم أن ندرج في المصير الإسخاتولوجي للعمل الفني, ليس العمل نفسه فحسب, بل شخص الفنان أيضًا, فمثلًا, إن بقاء موسيقى موزارت من دون بقاء موزارت نفسه لا يكون مٌرضيًا من الناحية الأنطولوجية, فالكينونة (أي الهوية الشخصية للفنان, بما في ذلك جسده) لا تستنفد بالمعنى ولا تتطابق معه.”
كتاب تذكر المستقبل, ص. 150, للمطران يوحنا زيزيولاس.

تدعونا تأملات المتروبوليت يوحنا زيزيولاس إلى إعادة النظر في طبيعة الإبداع و الفن و الشخصانية, ضمن سياق أشمل و أوسع للكينونة و فعل الله في العالم, فرؤيته تقدم تعليقا لاهوتيًا عميقًا على الحالة الإنسانية, تبرز القدرة الفريدة للشخص البشري أن يتجاوز حدود طبيعته من خلال الفعل الإبداعي, و هذه القدرة الإبداعية, وإن كانت مصابة (مميزة او موسومة) بمفارقة الحضور في الغياب, فإنها تشير في النهاية إلى رجاء, حيث يتحقق الحضور الكامل بلا ظل للغياب.
تكشف تأملاته عن إنعكاس لاهوتي عميق حول الخلق و الفن و الإسخاتولوجيا, مشيرة إلى أن فعل الخلق يعبر عن قصدٍ إلهي لإيجاد عالم جميل, و منظم, و جميل, يعكس إنخراط الله الشخصي في خليقته, هذا المنظور يتحدى الفهم الحديث و الآلي للعالم, و يؤكد على أهمية الفرادة, و الشخصانية, و البعد الإسخاتولوجي المستقبلي للخلق.

المصدر
https://zizioulas.org/theology/art

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *