يقبل الآب ذبيحة الابن "بحسب التدبير": لأنه "كان ينبغي للإنسان أن يتقدس بإنسانية الله" كما يقول القديس غريغوريوس النزينزي، العظة 45، عن الفصح المقدس). يبلغ الإخلاء kenosis ذروته بموت المسيح، وينتهي بتقديس كل حالات الإنسان، بما فيها الموت. لماذا صار الله إنسانًا؟ ليس فقط بسبب خطايانا، بل من أجل تقديسنا، لإدخال كل لحظات / مراحل …

يقبل الآب ذبيحة الابن “بحسب التدبير”: لأنه “كان ينبغي للإنسان أن يتقدس بإنسانية الله” كما يقول القديس غريغوريوس النزينزي، العظة 45، عن الفصح المقدس). يبلغ الإخلاء kenosis ذروته بموت المسيح، وينتهي بتقديس كل حالات الإنسان، بما فيها الموت. لماذا صار الله إنسانًا؟ ليس فقط بسبب خطايانا، بل من أجل تقديسنا، لإدخال كل لحظات / مراحل حياتنا الساقطة في تلك الحياة الحقيقية التي لا تعرف الموت أبدًا . بقيامة المسيح، يُدخل ملء الحياة في الشجرة الجافة للإنسانية.

 

عمل المسيح يُقدّم إذن واقعًا ماديًا، بل حيوياً . على الصليب، يُبتلع الموت في الحياة. في المسيح، يدخل الموت إلى اللاهوت وهناك يُستنفَد، لأنه “لا يجد مكانًا هناك”. الفداء يعني إذن صراع الحياة ضد الموت، وانتصار الحياة. إن إنسانية المسيح تُشكل باكورة خليقة جديدة. من خلالها تُدخل قوة حياة الله إلى الكون لتبعثه وتُحوّله في

هزيمة الموت. منذ التجسد والقيامة، أصبح الموت ضعيفًا، لم يعد مطلقًا. كل شيء يتجه نحو استعادة كل شيء ، أي نحو الاستعادة الكاملة لكل ما دُمّر بالموت، نحو احتضان المجد الإلهي للكون بأكمله ليصير الكل في الكل، دون استثناء أي أحد من هذا الملء، مع احترام حرية كل شخص أمام ذلك الوعي الكامل ببؤسه الذي سيتحول الي فرح بفِعل النور الإلهي.

 

ولهذا يجب أن نري الصورة القانونية للفداء بصورة ذبائحية. الفداء هو أيضًا الذبيحة حيث يظهر المسيح، وفقًا لرسالة العبرانيين، كمقدم الذبيحة الأبدي، الكاهن الأعظم على رتبة ملكي صادق الذي يكمّل في السماء ما بدأه على الأرض. الموت على الصليب هو فصح العهد الجديد، يملأ في واقع واحد كل ما رمز إليه فصح العبرانيين . لأن التحرر من الموت وإدخال الطبيعة البشرية إلى ملكوت الله يحققان الخروج/ الفصح الحقيقي الوحيد . هذه الذبيحة، هذه التسليم للإرادة ذاتها التي لم يستطع آدم أن يوافق عليها، تمثل بالتأكيد كفارة . لكن قبل كل شيء، تمثل سرًا، السرّ بامتياز، في العطية الحرّة لله، بواسطة المسيح في إنسانيته، باكورة الخليقة، إكمال ذلك الفعل السرّي الهائل، الذي يقع أولاً على عاتق آدم، والذي يجب أن تكمله الإنسانية الجديدة، أي تقديم الكون كوعاء للنعمة. القيامة تُحدث تغييرًا في الطبيعة الساقطة، تفتح إمكانية مذهلة: إمكانية تقديس الموت ذاته. من الآن فصاعدًا، لم يعد الموت طريقًا مسدودًا، بل بابًا إلى الملكوت. أُعيدت إلينا النعمة، وإذ نحملها كـ آنية خزفية، أو أوعية لا تزال فانية، فإن هشاشتنا ستكتسب الآن قوة تنتصر على الموت. إن الطمأنينة الهادئة للشهداء، الذين لا يشعرون ليس فقط بالخوف بل بالألم الجسدي ذاته، تثبت أن الوعي الفعلي للقيامة أصبح ممكنًا للمسيحي من الآن فصاعدًا.

 

لقد أكد القديس غريغوريوس النيصي هذا الطابع السرّي للآلام حين قال : إن المسيح لم ينتظر أن يُجبره خيانة يهوذا، أو شر الكهنة، أو ثورة الشعب وجهلهم : “لقد سبق إرادة الشر هذه، وقبل أن يُجبر علي شئ ، بذل نفسه طواعية في عشية الآلام، يوم الخميس المقدس، بإعطاء جسده ودمه”. إنها ذبيحة الحمل المذبوح قبل إنشاء العالم التي تتحقق هنا بملء هذه الحرية. تبدأ الآلام الحقيقية يوم الخميس المُقدس، ولكن بحُرية مطلقة.

 

بعد ذلك بوقت قصير جاء جثسيماني، ثم الصليب. الموت على الصليب هو موت أقنوم إلهي : مرت به إنسانية المسيح، وعانى منه بأقنومه الأزلي بوعي . وانفصال الجسد والروح، الجانب الأساسي للموت، يقع أيضًا على إله الإنسان . فالروح التي تنزل إلى الجحيم تبقى “مؤقنَّمة” ” enhypoststasized “في الكلمة ، وكذلك الجسد المعلق على الصليب. وبالمثل، يبقى الشخص البشري حاضرًا بالتساوي في جسده ، كما في روحه. لهذا نحن نكرم رفات القديسين . ولكن هذا يصح أكثر في حالة المسيح، لأن اللاهوت يبقى ملتصقًا بالجسد الذي يغط في “نوم طاهر” يوم السبت المقدس في القبر، وبالروح المنتصرة التي تهدم أبواب الجحيم. كيف يمكن للموت بالفعل ، أن يغلِب هذا الأقنوم ، طالما أن هذا الأقنوم إلهي؟ لهذا السبب فإن القيامة حاضرة بالفعل في موت المسيح. تنبثق الحياة من القبر .. تتجلى الحياة بموته ، في موت المسيح نفسه. تنتصر الطبيعة البشرية على حالتها المهزومة . لأنها بكاملها مُجتمعة في المسيح، مُستعادة فيه، بحسب تعبير القديس إيرينيئوس . المسيح هو رأس الكنيسة، أي الإنسانية الجديدة التي لا تستطيع أي خطيئة، أو أي قوة معادية، من الآن فصاعدًا ، أن تفصل الإنسان عن النعمة في قلبها. في المسيح، يمكن لحياة الإنسان أن تبدأ دائمًا من جديد، مهما كانت مُثقلة بالخطيئة. يمكن للإنسان دائمًا أن يُقدم حياته للمسيح، حتى يستعيدها مرة اخري محررة وكاملة. وهكذا عمل المسيح صالح ومُعطي لكل البشرية ، حتى خارج الحدود المرئية للكنيسة. كل إيمان بانتصار الحياة على الموت، كل حدس بالقيامة ، هو إيمان ضمني بالمسيح: لأن قوة المسيح وحدها ترفع، وسترفع، الموتى. منذ انتصار المسيح على الموت، أصبحت القيامة قانونًا عالميًا للخليقة؛ وليس للإنسانية فقط، بل للوحوش، والنباتات والحجارة، للكون بأكمله . نحن مُعمدون في موت المسيح، مُكفنون في الماء لنُقام معه. وبالنسبة للروح التي تُطهر في مياه الدموع ، [تعتمد بدموعها] ، والمشتعلة بنار الروح القدس، فإن القيامة ليست فقط رجاءً بل واقعًا حاضِرًا. المجيء الثاني يبدأ في أرواح القديسين، هكذا يستطيع القديس سمعان اللاهوتي الحديث أن يكتب: “بالنسبة لأولئك الذين أصبحوا أبناء النور وأبناء الدهر الآتي، لأولئك الذين يسيرون دائمًا في النور، فإن يوم الرب لن يأتي أبدًا، لأنهم هم بالفعل مع الله وفي الله” .. محيط لا نهائي من النور ينبع من جسد الرب القائم من الموت ! .

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *