الكنيسة الأرثوذكسية لا ترى العلم كعدو. بل بالعكس… أبونا متى بيقول إن العلم هو "ملكوت الله على الأرض"، لأنه بيخدم الإنسانية ويقلل صور الموت. وعشان كدة في أحد الكنائس الأرثوذكسية في كرواتيا، هتلاقي أيقونة للعالم نيكولا تسلا! الأب الأرثوذكسي كاليستوس وير بيأكد: "أن نستخدم التكنولوجيا، أمر يبدو لي يتوافق تماما مع التقليد الكنسي…" فمن بدايات …

الكنيسة الأرثوذكسية لا ترى العلم كعدو. بل بالعكس… أبونا متى بيقول إن العلم هو “ملكوت الله على الأرض”، لأنه بيخدم الإنسانية ويقلل صور الموت.
وعشان كدة في أحد الكنائس الأرثوذكسية في كرواتيا، هتلاقي أيقونة للعالم نيكولا تسلا!

الأب الأرثوذكسي كاليستوس وير بيأكد:

“أن نستخدم التكنولوجيا، أمر يبدو لي يتوافق تماما مع التقليد الكنسي…”

فمن بدايات الذكاء الاصطناعي وهو بيقدم للإنسان السرعة والتخزين، فتلاقي المعالجات الحديثة اسرع من الدماغ البشري في العمليات الحسابية واسترجاع المعلومات بملايين المرات!
ودة ممكن ينقذ حياة الانسان في كتير من التخصصات الحرجة في الطب أو غيره.

لكن وسط الانبهار بالذكاء الاصطناعي، هل الخوف والحذر منه مُبرر؟

كل تفاعل مع أي جهاز، بيضيف بيانات للذكاء الاصطناعي وبيطوره. فهل إحنا كده بنشارك في تدمير نفسنا؟ ولا بنحقق “ملكوت الله”؟

الحقيقة ان الذكاء الاصطناعي مش شر في ذاته، ومش هو “ضد المسيح” ولا ضد تجسده لكن في كام نقطة محتاجين ناخد بالنا منها ونفكر نفسنا بيها

1- الخلاص مش من الكمبيوتر

الخلاص بنعمة المسيح، مش بالتكنولوجيا. صحيح إن العلماء ساعات يوصفوا الابتكارات بكلمات لاهوتية زي “الخلاص” او ان الذكاء الاصطناعي هو “المخلص” لتضخيم الإنجاز البشري، لكن الكنيسة بتشوف الإنجاز ده كنعمة من الله.

الأنبا بيمن مطران ملوي قال:

“لو وصلنا لتصنيع خلية في المعمل، هنمجد ربنا لأنه أشركنا معاه في الخلق.”

الله عطانا الذكاء الاصطناعي كهدية، لكن لو الهدية دي كبرت في عينينا لدرجة تحجبنا عن العاطي، لدرجة نشوف فيها الإله او الخلاص تتحول من بركة لقوة مدمرة.

التكنولوجيا بعيد عن يسوع قوة تخريبية. لكن في المسيح هي تحقيق لملكوته.

يعنى لو رجعنا لأول انجاز بشري عبر عنه الكتاب المقدس، اللي هو برج بابل. هل الله غضب من برج بابل لأنه انجاز بشري “ناطحة سحاب”؟ أكيد لأ.

هل الله ممكن يغضب لأن الذكاء الاصطناعي بيمد الانسان بمعلومات سريعة تنقذ الناس في المستشفيات وتختصر علينا مجهود في حياتنا؟ قطعا لأ، مسرة قلب الله هي انجاز الانسان واشتراكه معاه في الخلق، الثالوث حياه وكل ما يرسخ الحياه هو مسرة للثالوث.

لكن زي ما بيشير الاب كاليستوس وير “الخطية هنا هي الرغبة في أن نكون كالله، لا بالشركة معه، بل من خلال قوتنا الذاتية عندما نحاول أن نخلق كائنا يشبه الانسان ونبرمجه ليؤدي وظائف بشرية هناك دائما خطر ان نغتر بقوتنا الذاتية ونظن اننا اصبحنا خالقين بأنفسنا

محاولة تخليق كائن غير بشري ليست فقط مسألة علمية بل روحية أيضا هل نحاول أن نعيد تعريف الانسان دون الرجوع إلى الله؟ اعتقد ان هذا توجه خطيرجدا” .”

السؤال دة مهم جدا: هل بنحاول نعيد تعريف الإنسان بعيد عن الله؟

2- كل تكنولوجيا ممكن تؤدي لامتداد وبتر للإنسان

المفكر الكاثوليكي ماكلوهان قال:

“كل تكنولوجيا هي امتداد للإنسان، ومع كل امتداد فيه بتر Amputation أو تخدير للطبيعة البشرية.”

يعني إيه؟

الكاميرا هي امتداد للنظر، الميكروفون هو امتداد للصوت، لكن في المقابل اتقطع مننا جزء اللي هو الإيماءات، اللمس، الريحة واللقاء الحقيقي اختفى.

حتى الترجمة بالذكاء الاصطناعي ممكن تتحول لبتر لقدرتك الطبيعية على التعلم.

الكنيسة بتقول: استخدم، لكن ما تعتمدش بالكامل.

عشان كدة قداسة البابا تواضروس التاني نصح بإستخدام الذكاء الإصطناعي جوة الكنيسة في الخدمة! على الرغم من تحذيره في نفس الوقت من سيادة الآلة

 3-أسطورة نرجس والذكاء الاصطناعي

اللاهوتي والفيلسوف الأرثوذكسي ديفيد بنتلي هارت بيقول نقطة مهمة جدا: زي ما نرجس اتسحر بصورته في بركة المياه وفضل باصص على نفسه لحد ما مات من العزلة والفردانية.
احنا كمان اتسحرنا بصورتنا اللي في الأجهزة، اللي بتحلل بيانات وبترتبها. وبالتالي انسانيتنا ووجودنا يفضل يتراجع و يموت مع الوقت زي نرجس، احنا مش بس اتسحرنا بصورتنا اللي ف الاجهزة (بركة المياه) زي نرجس، لكن كمان بدأنا نفتكر ان التفكير الانساني نفسه هو نوع من عمليات الكمبيوتر(الصورة).. يعني شبهنا نفسنا بالآلة.

فبيقول:

“تبدو لي أسطورة نرجس مناسبة.. وظائف الكمبيوتر تعكس ببراعة قدرات عقولنا لدرجة أنها أحيانا تبدو وكأنها عقل مستقل آخر، يقبع على الجانب الاخر من الشاشة. انها خدعة ساحرة.. والأسوا من الخطأ الذي وقع فيه نرجس بدأنا في العودة الى الوراء، فصرنا نخلط بين تفكيرنا البشري وعمليات الكمبيوتر. لكن هذا في جوهره اساءة فهم لطبيعة عقولنا وأجهزة الذكاء الاصطناعي”

 

ومن هنا تيجي حقيقة ان الإنسان هو ما يعبد

حقيقة متأصلة في التقليد الكنسي، اللي بيقولنا ان الله اصبح انسان بقدر ما أحب الانسان. والانسان يصير مثل الله بقدر ما يحب الله ويعبده
“مثلها يكون صانعوها وكل من يتكل عليها” — المزمور 115 و 135

لو عبدنا صورة صناعية أو بديل افتراضي، صورة الله فينا تتشوه. ونفقد انسانيتنا بشكل تدريجي ونتحول لآلة.

لازم الانسان يعرف قيمة نفسه، الآلة مش بتشعر ولا بتبدع وانت تتفوق عليها في التعلم والتكيف وحاجات كتير، لكن حتى لو الانسان صنع آلة فيها كل دة.
هتفضل انت سيدها وصانعها، ونقدر نقول خالقها في المسيح!

وهيفضل الانسان متميز عن الآلة بإنه صورة الله، وواحد من جوانب صورة الله هو الضمير، والحكم على المعرفة.
فكلمة ضمير مكونة من مقطعين con و science وعشان كدة معناها مشاركة المعرفة ومناقشتها مع الذات!
ودة اللي بنشوفه في سفر التكوين في الله نفسه “وقال الله: لنصنع الانسان على صورتنا كشبهنا” فالله هو أصل الضمير وإحنا على صورته

وعشان كدة نقدر نقول ان الذكاء الاصطناعي كبديل للجسد البشري او الانسان عموما يبقى ضد التجسد الإلهي بشكل مباشر.

ماكلوهان قال:

“الإنسان غير المتجسد لا يتوافق مع كنيسة متجسدة.”

فالمسيحية هي ديانة الانسان، الله تجسد من أجل محبته للإنسان، فبالتالي أي تقليل من قيمة الانسان ترفضه الكنيسة رفض حاسم وتشوفه ضد التجسد الالهي.

”الروحانية المسيحية تدور حول العلاقة الالهية الانسانية، التى يلعب فيها الجسد دورا مركزيا، كما يؤكد تقليد الكنيسة. فالبشارة المفرحة هي حقيقة تتجلى من خلال اللقاءات الشخصية الأصيلة ويمكن للمرء ان يختبر هذه الحقيقة شخصيا في وحدة كيانه- جسد وروحا. اما التحول الى عالم افتراضي يقود الى واقع زائف، وقد حظر البابا بنديكتوس ال 16 في عام 2010 من ان هذا قد يعيق اختبارنا لله، لان اختبار الله يتطلب تعزيز حواسنا البشرية وليس إلغاءها”

نيجي لمصطلح مهم إسمه Transhumanism: الإنسان بلا حدود

هي حركة بتسعى الى ما بعد الانسانية وبتشوف الانسان مشروع ممكن نحسنه بدون حدود، عشان نخليه اقوى واذكى وخالد! لكن هنا الكنيسة تبدأ تقول اننا مينفعش ننسى ان “التأله لا يأتي من خارج.. بل عبر النعمة الالهية “ كاليستوس وير. وان الانسان ممكن نحسنه بدون حدود بإنه يكون اكتر محبة، واكثر شبها بالمسيح.

“ولهذا اعتقد ان بعض جوانب حركة transhumanism تنبع عن كبرياء ورغبة في السيطرة الكاملة على مصير الانسان” كاليستوس وير

يعنى ببساطة هنا الفكرة في الدافع:

لو الهدف تحسين حياة البشر وإنقاذهم دة هيؤدي لمجد الله، لكن لو الهدف حياة بلا الله يبقى دة وهم.

 

الاب الارثوذكسي ستانيلواى بيقول: “يجب الا تتطور التكنولوجيا بما يتجاوز احتياجات الانسان الحقيقية، ويجب الا تستخدم لإلحاق الضرر به. يجب ان يبقى الانسان هو السيد، وان لا تعيقه التكنولوجيا في صعوده نحو الله”

واحتياجات الانسان تضم احتياجات باقي المخلوقات برضو، لان سيادة الانسان هي سيادة محبة، وهو كاهن بيرفع الكون كله لله في صلاته (راجع صلوات القداس من اجل الزروع والعشب والبهايم والدواب..الخ)

طب هل نقدر نعرف حدود تطور الذكاء الإصطناعي؟
الكنيسة بتصلي من أجل حياة الانسان، وبالتالي بتصلي من أجل تطور كل تكنولوجيا تخدم حياته.
لكن من خلال التقليد بنلاقي القديس مكسيموس المعترف في تعليقه على خطاب القديس غريغوريوس اللاهوتي “عن المعمودية” بيقول: أي مخلوق خلقه ربنا له طبيعة ثابتة، مش هتزيد أو تنقص في جوهرها اللي مخلوقة عليه، ومفيش مخلوق يقدر يتجاوز حدود طبيعته!

وبيعلق الاب ستانيلوى على كلام القديس مكسيموس وبيشرح ويقول: “الانسان يمكنه ان يخلق اشكالا جديدة في العالم من خلال العلم والفن، لكنها لا تدوم الى الابد، ولا تتكاثر بذاتها.. ولهذا فان توسع التكنولوجيا له امكانيات محددودة”

فحدود تطور الذكاء الإصطناعي هي حدود ان الانسان اللي صنع الآلات دي اصلا “مخلوق محدود ليس له حياة في ذاته” وكل الخليقة كمان مخلوقة ولا تمتلك الحياه.

ودة معنى اننا نكون مساكين بالروح، أن نتقبل الحياه وكل ما فيها كعطية مجانية من آخر مطلق وهو الله.

من خلال النقط دي تقدر تحكم على استخدامك بدون ما حد يحكم عليك

ممكن أستخدم الذكاء الاصطناعي جوة الكنيسة لرسم صورة تشرح لاهوت؟ ممكن جدا، لكن ده لا يلغي سر الأيقونة في الكنيسة أو موهبة الفنان وقيمته كإنسان زي ما قولنا.
سر الايقونة المستخدم في الليتورجيا عظيم جدا، تقدروا تقروا عنه هنا على الموقع.

لكن كمان بشكل عام الخطأ البشري فيه جمال خاص، وعوجان يد الفنان سر من أسرار الجمال. كمال الذكاء الإصطناعي مش بيعبر عن إنسانيتنا لكن بيخدمها!

لكن تستخدم الذكاء الاصطناعي يرسم صورة، وانت متأكد ان اللاهوت مش محصور في الرسمة دي.
وان دة ميخليناش نقلل من دور الفنان وابداعه زي ما قولت، لكن هو بيساعدني لو انا مش بعرف ارسم، وبخليه يعبر من خلال صلاتي انا، عن وعي الكنيسة اللاهوتي

الأب كاليستوس وير بيقول:

“الذكاء الاصطناعي لا يحب، لا يشعر، لا يصلي… الانسان يفعل”

الذكاء الاصطناعي أداة، مش إله. نقدسه لما نخضعه للمسيح، ونخليه يخدم محبتنا، إبداعنا، وصعودنا نحو الله. عداؤنا المطلق له… زي عبادتنا له… الاثنين ضد تقديس الخليقة في المسيح.

المصادر:
1. Metropolitan Kallistos Ware – Religion, Science and Technology: An Eastern Orthodox Perspective [Video on YouTube]

2. David Bentley Hart – The Myth of Machine Consciousness Makes Narcissus of Us All

3. Octavian-Mihai Machidon – From Fear to Theosis: Patristic Reflections on Artificial Intelligence

4. الأب سمعان حيدر – الذكاء الاصطناعي والبعد الأنثروبولوجي الكنسي [فيديو على يوتيوب]

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *