كل مفهوم متعلق بالله هو طيف، صورة خداعة، وصنم. المفاهيم التي نُكوِّنها، على أساس تصور معقول، بحسب فهمنا واعتقادنا الطبيعيين، تخلق أصناماً لله، بدل أن تكشف لنا الله نفسه. - القديس غريغوريوس النيسي   النيسي هنا بيختصر جوهر الروحانية الأرثوذكسية بمنتهى الرشاقة والراديكالية والعبقرية. خلي بالك انه مش بس بيقول ان كل مفهوم "سيء" عن …

كل مفهوم متعلق بالله هو طيف، صورة خداعة، وصنم. المفاهيم التي نُكوِّنها، على أساس تصور معقول، بحسب فهمنا واعتقادنا الطبيعيين، تخلق أصناماً لله، بدل أن تكشف لنا الله نفسه.

– القديس غريغوريوس النيسي

 

النيسي هنا بيختصر جوهر الروحانية الأرثوذكسية بمنتهى الرشاقة والراديكالية والعبقرية. خلي بالك انه مش بس بيقول ان كل مفهوم “سيء” عن الله يعتبر صنم. مش بس بيقول ان مفاهيمنا المنحطة عن الله بكونه إله غاضب أو منتقم أو متسلط أو مستنيك تغلط عشان يعاقبك، تعتبر مفاهيم صنمية وإسقاطات بشرية. لأ. هو بيقول كل مفهوم عموما عن الله بيحجبه. طاب إزاي؟! ايه الكلام دا؟ يعني هل تصوري عن الله بكونه محب وحنون وعطوف بيحجبه بردو؟ هل مفهومي عن الله بكونه محبة يعتبر صنم؟! معقولة؟! ايه الكلام الغريب دا؟!

الحقيقة ان النيسي هنا بمنتهى الرشاقة والإيجاز بيختصر كل فلسفة الأرثوذكسية في معرفة الله. كيف نعرف الله؟ في الأرثوذكسية مش بنعرف الله بالتلقين. يعني لما أنا أقولك ان الله محبة فهل إنت كدا فعلا تعتبر عرفت محبة الله؟ اختبرتها بشكل مباشر؟ ولا يدوب عرفت “عنها”. هو دا لب الموضوع كله. هو عاوز يقول ان حتى مفاهيمنا الصالحة عن الله تظل معرفة غير مباشرة عنه. تظل تصورات. انت لما بتقول ان الله محبة فإنت متعرفش محبته عاملة إزاي. مختبرتهاش بشكل مباشر. انت بس سمعت ناس بتقول عن الله انه محبة. فبالتالي انت بييجي في دماغك تصوراتك المستقاة من خبرتك البشرية عن المحبة وبتسقطها على الله.

طبعا دا أفضل من انك تسقط عليه تصورات منحطة. لكن تظل بردو بتدور في فلك الحديث عن الله مش اختباره المباشر. في الأرثوذكسية، الله لا يعرف بالمفاهيم وبالحديث عنه أو بالتفكير فيه أو بتَخَيُّله. لكن طريق معرفة الله بيبدأ من تنقية الذهن من كل التصوارت دي إلى أن يشرق الله بنوره في قلبك فتتذوقه. تختبره خبرة مباشرة. ساعتها تقدر تقول انك عرفته. وساعتها مش هتقبل بأي تصورات عنه. لإنك عارف ان الحقيقة اللي انت اختبرتها لا يمكن يتسعها تصور أو مفهوم. ساعتها ربنا بالنسبالك بيبقى أشبه بنبضة في القلب. نغزة جوا قلبك متعرفش تختزلها في كلام. يدوب تشاور عليها. لكن يفضل دايما فيه فجوة بين كلامك عنه والخبرة اللي جواك. ولذلك النيسي بيقول انك لما تختبره وترجع تفكر فيه هتلاقي ان مفيش فكرة أو مفهوم متناسب مع الخبرة ولذلك: ” هناك اسم واحد للتعبير عن الطبيعة الإلهية – إنه الاندهاش الذي يستولي على النفس عندما تفكر في الله”.

الوسوم:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *