يعني ممكن أصوم.. ويكون صومي باطل؟! فيه حقيقة بسيطة جدًا، لكنها خطيرة في نفس الوقت: لو الصوم مش بيخلّيني أحب.. يبقى ملوش أي لازمة! القديس جيروم، وهو بيكلم العذراء أوستوشيوم، قالها: "إذا صمتِ يومين، لا تعتبري نفسك أفضل من الذي لم يصم. انتِ تصومين لكنكِ تغضبين، هو يأكل لكنه لطيف. تعب نفسك وجوع معدتك، يضيع …

يعني ممكن أصوم.. ويكون صومي باطل؟!

فيه حقيقة بسيطة جدًا، لكنها خطيرة في نفس الوقت: لو الصوم مش بيخلّيني أحب.. يبقى ملوش أي لازمة!

القديس جيروم، وهو بيكلم العذراء أوستوشيوم، قالها:
“إذا صمتِ يومين، لا تعتبري نفسك أفضل من الذي لم يصم. انتِ تصومين لكنكِ تغضبين، هو يأكل لكنه لطيف. تعب نفسك وجوع معدتك، يضيع حين تتشاجرين، أما هو فيتغذى باعتدال، لكنه يقدم الشكر لله.”

يعني الصوم اللي مفيهوش حب.. مجرد جوع!

القديس باسيليوس الكبير كان أشد حدة:
“لا تأكل لحماً، لكنك تفترس أخاك! تمتنع عن شرب الخمر، لكنك لا تخفف من شتائمك! تنتظر المساء لتتناول طعامك، لكنك قد أمضيت النهار كله في المحكمة!”
“ويل للذين يسكرون، بدون شرب خمر!”

وبطريقة حادة تانية، يقول يوسابيوس الأجش:
“لا تصم على الخبز والملح، فيما أنت تنهش لحم الناس بالنميمة والحكم عليهم.”

وإشعياء النبي اتكلم كلام عظيم جدا:

“فالصوم الذي أريده: أن تُحَل قيود الظلم، وتُفَك مرابط النير، ويُطلق المنسحقون أحرارًا، ويُنزَع كل نير عنهم، أن تفرش للجائع خبزك، وتُدخِل المسكين الطريد بيتك، أن ترى العريان فتكسوه، ولا تتهرب من مساعدة قريبك…”

يعني الصوم اللي مفيهوش رحمة ومحبة مش صوم أصلاً!

جربت قبل كده تصوم… بس مش عشان نفسك؟

في العصور الأولى، المسيحيين كانوا فاهمين الفكرة دي كويس جدًا، لدرجة إنهم عملوا تدريب روحي جميل جدًا: الصوم لأجل الآخر.

الفيلسوف “أريستيد” بيحكي عنهم في القرن التاني:
“إذا صودف وجود فقير بينهم يحتاج إلى مساعدة، يصومون ليومين أو ثلاثة أيام، ومن عادتهم إعطاؤه الطعام الذي حضروه لأنفسهم.”

و”هيرماس” بيقول نفس الفكرة:
“لا تتناول، يوم الصوم، سوى الخبز والماء، ثم تُقَدِر قيمة الإنفاق الذي كان عليك دفعه في هذا النهار، وتعطيه لأرملة أو يتيم أو معوز: هكذا تحرم نفسك بغية جعل الآخر يستفيد من حرمانك، ليشبع ويصلي للرب من أجلك.”

وفي القرن التالت، بقى مبدأ ثابت عندهم:
“إن كان أحدهم لا يملك شيئًا ليعطيه، فليصم، وليقدم لإخوته ما كان يمكن أن ينفقه في هذا اليوم.”

وهنا نلاقي حتى معنى للشموع اللي بنولعها وإحنا بنصلي.. إنك بتقلل من ذاتك عشان تنور لحد تاني.

لكن ليه كل الربط ده بين الصوم وأعمال الرحمة؟
لأن الصوم في حقيقته هو كسر دائرة الاستهلاك، مش بس استهلاك الأكل، لكن استهلاك كل حاجة في الدنيا لنفسي وبس. بدل ما تكون حياتي عبارة عن “آكل، أشتري، أستهلك”، الصوم بيخليني أوجّه الطاقة دي ناحية الآخر، ناحية الشركة، ناحية الاتحاد بالله وبالناس.

“اذكروا المسجونين كأنكم مسجونون معهم، واذكروا المعذبين كأنكم أنتم أنفسكم تتعذبون في الجسد.” (بولس الرسول )

حتى أنطون تشيخوف، في قصة “الدموع الخفية للعالم”، لمس نفس الفكرة:
“عزيزتي.. هذه ليست مسألة طعام! ليست مسألة ما يدخل الفم، بل ما يخرج منه.. تمتنعين عن أكل اللحم والدهن، وتنفعلين كما من قبل… بدل أن تنهكي جسدك، من الأفضل أن لا تغضبي، وأن لا تتلفظي بكلمات..”

“هي لا تريد حتى الاستماع إلىّ! فتقول لي: هذا ما تعلمته.”

الوسوم:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *