لطالما دأبت التيارات البروتستانتية منذ أن زرعتها الإرساليات الغربية في مصر على التطاول والتجريح في الإيمان الأرثوذكسي وفي تقليد الكنيسة الراسخ ، وفي قديسيها وشهداءها ، بل أنه لم يسلم أي جانب من جوانب الحياة الأرثوذكسية من سهام البروتستانتية ونقدها غير الشريف وغير الأمين بل وغير المسيحي. وذلك التطاول لا يسعهم الكف عنه، لأن في …

لطالما دأبت التيارات البروتستانتية منذ أن زرعتها الإرساليات الغربية في مصر على التطاول والتجريح في الإيمان الأرثوذكسي وفي تقليد الكنيسة الراسخ ، وفي قديسيها وشهداءها ، بل أنه لم يسلم أي جانب من جوانب الحياة الأرثوذكسية من سهام البروتستانتية ونقدها غير الشريف وغير الأمين بل وغير المسيحي.

وذلك التطاول لا يسعهم الكف عنه، لأن في تطاولهم هذا كانوا – ولا يزالون- يحاولون استحضار أجواء القرن السادس عشر ، فيصبغون الكنيسة الأرثوذكسية بصبغة كنيسة روما ومشاكلها في العصور الوسطى ، وهم في ذلك يحاولون إيجاد ذريعة تبرر وجودهم. هذا الوجود الذي تأسس على عداء روما ، فبدون “روما” لا وجود للحالة البروتستانتية مسيحياً ، لأن الأساس هش ، والجذور ميتة!

وكان حريٌ بأبناء البروتستانتية أن ينظروا إلى الداخل ، ليبتبين لهم جوانب العار والعوار التي شملت البروتستانتية منذ نشأتها ، ولو انفتحت عيون أبناء “حركة الإصلاح” على أبيهم الشرعي – مارتن لوثر- لوجدوا فيه ما يخجل منه الضمير السوي ، ويضطرب له الوجدان السليم ، لأن فيه من العوار ما لا يستقيم مع التقوى المسيحية.

 

وهنا يلزم أن أقدم اعتذارا للقاري الكريم عما سوف يحتويه هذا المقال من تعبيراتٍ صدرت عن لوثر يعف اللسان عن ذكرها، ولكن الأمانة تقتضي عرض الحقائق دون تجميل ، ولأن السعار البروتستانتي قد بلغ مبلغًا كبيرًا من العتو والكبر ، أوجب علينا أن نكشف حقيقة الرجل الذي شكل وصاغ الأفكار البروتستانتية المشوهة. ولأن هذه الأفكار المختلة قد تغلغلت في الأوساط المسيحية بما تقدمه من مخدرات نفسية ووجبات لاهوتية جاهزة ، وجب علينا إذن أن نأخذ بيد أبناءها ونعود بهم إلى جذور النشأة ، لبيان صحة الأساسات الإصلاحية من عدمها.

 

حين هبت رياح حركة الإصلاح المشؤومة في القرن السادس عشر ، إدعى مارتن لوثر أنه يناهض فساد كنيسة روما. بيد أن الحقيقة أن لوثر قام باستبدال فساد روما بفساده الخاص. ففضلا عن أخلاق الرجل المشكوك فيها ، وفقا لما دونه تلامذته في “أحاديث الطاولة” وهي تسجيل لأحاديثه معهم في منزله ، نجد انهم تركوا لنا من أقوال لوثر المأثورة على سبيل المثال لا الحصر:

“الرهبان هم براغيث على معطف الله القدير”

“الله يستخدم الشهوة ليحث الرجال على الزواج ، ويستخدم الطموح إلى المنصب ، والجشع لحثهم على العمل، ويستخدم خوفهم من أجل إيمانهم ”

“الجزء الوحيد من الجسد البشري الذي اضطر البابا إلى تركه دون سيطرة هو مؤخرته ”

“المرأة خُلقت بأرداف كبيرة لتلزم بيتها وترعاه”

 

وفي عام 1545، أصدر عمله البذيء المطول: “ضد البابوية الرومانية مؤسسة الشيطان”، يشتم المقال البابا بولس الثالث ويصفه بأنه لوطي ومخنث، وكتب ساخراً منه:”العذراء المقدسة، مدام البابا، القديسة باولا الثالثة”

وأخذ يتهم جميع الباباوات عبر التاريخ بأنهم “مليئون بأسوأ الشياطين في الجحيم – ممتلئون، ممتلئون، وممتلئون لدرجة أنهم لا يستطيعون فعل شيء سوى التقيؤ، والرمي، وإخراج الشياطين من داخلهم”.

ثم يقارن لوثر رفض يسوع لعرض الشيطان بجميع ممالك العالم بشهوة البابا للسلطة فيجعل البابا يقول: “تعال إلى هنا يا شيطان! وإذا كان لديك عوالم أكثر من هذا، فسأقبلها جميعًا، ولن أعبدك فحسب، بل سألعق مؤخرتك أيضًا”. وخلص لوثر إلى أن “كل هذا مختوم بقذارة الشيطان الخاصة، ومكتوب برياح مؤخرة البابا”.

 

السؤال هنا للقاريء الكريم، والجواب متروك له: هل القلب والضمير الذي لم يتورع عن صك تعبيرات وأفكار بهذا التدني والسوقية والبذاءة ، قادر على الإتيان بأي شكل من أشكال الإصلاح الاهوتي؟

 

ولم يقتصر الأمر على البذاءة وحسب ، لأن لوثر كان يتفاخر أيضاً بقدرته على شرب الخمر ، فقد كان لديه قدحٌ تحيط به ثلاث حلقات. قال إن الأولى تُمثّل الوصايا العشر، والثانية قانون الإيمان للرسل، والثالثة صلاة الربّ. وكان لوثر يستمتع كثيرًا بأنّه كان قادرًا على تفريغ الكأس من النبيذ حتى نهاية صلاة الربّ، في حين أنّ صديقه أَجريكونا لم يكن يستطيع أن يتجاوز الوصايا العشر!

 

وكان المشهد الأكثر مأساوية وفضحاً للوجه القاسي الحقيقي للوثر كان في موقفه من ثورة الفلاحين في 1524–1525. هؤلاء البسطاء الذين استلهموا من نصوصه عن “حرية المسيحي” شعارات للمطالبة بعدالة اجتماعية لإنهاء استعبادهم. فأعلنوا في المطالب الإثنا عشر حقهم في اختيار رعاتهم، مطالبين تخفيف الضرائب وإنهاء الاستعباد.

ففي بدايات الأزمة كتب لوثر في كتيبه Admonition to Peace:

“لا ينبغي للسادة أن يظلموا الفلاحين، لأن هذا ضد الله وضد الإنسان.”

 

لكن ما أن تحولت المطالب إلى انتفاضة فعلية هددت النظام الاجتماعي الذي كان لوثر يستند إليه، حتى انقلب كلياً، وأطلق فتوى دموية ، داعيا الأمراء إلى قمع المتمردين بكل ما أوتوا من قوة ، فنجده يقول في كتيبه Against the Murderous, Thieving Hordes of Peasants (1525)، ضد الحشود القاتلة من الفلاحين:

“لذلك فليضرب وليذبح وليطعن كل من يستطيع، سراً أو علناً، وليتذكر أنه لا شيء أشد سُمّية وضرراً وشيطانية من متمرّد… لا بد من قتل الكلب المسعور.”

 

لقد خان لوثر الفقراء الذين صدّقوا وعوده، وألقى بهم إلى سيوف الأمراء الذين استظل بظلهم، وانخرط معهم في شراكة سياسية ، يقدم لهم فيها الغطاء الديني اللازم و يطوع فيها لاهوته “الإصلاحي” لخدمتهم -سواء على مستوى الحياة الشخصية للأمراء أو على المستوى السياسي لمناصرتهم في سعيهم للاستقلال عن الإمبراطورية الرومانية – وفي مقابل هذا يجد الحماية والدعم من سيوف الأمراء الألمان.

 

وكانت إحدى سقطاته أو إنحرافاته الأخلاقية هو موقفه من فيليب، لاندغريف هِسّه.

لم يكن فيليب رجلًا من عامة الناس، بل كان أحد أقوى أمراء ألمانيا وأهمّ داعمي الإصلاح البروتستانتي. كان لوثر بحاجة ماسة إلى نفوذه وسيفه ليحمي مشروعه من بطش الإمبراطور الكاثوليكي. لكن فيليب، رغم تدينه المزعوم، كان غارقًا في حياة من اللهو والرذيلة. وبعد زواج طويل من زوجته الأولى كريستين، استسلم لنزواته وقرّر أن يتخذ امرأة ثانية، مارغريت فون دير سايله.

وكانت الآراء المسيحية كلها تجمع على أنه لا يمكن لرجل أن يكون متزوجاً من إمرأتين في الوقت ذاته ، لكن فيليب لم يكن ليسمع “لا” من أحد. وعندما رفض المصلحون بدايةً، هدّدهم علنًا بوقف دعمه السياسي والعسكري لحركتهم. وهنا انكشفت هشاشة المبدأ أمام ضغط القوة، وسقط لوثر ومعه زميله الإصلاحي ملانكتون في امتحان الأخلاق سقوطًا مدوّيًا.

في العاشر من ديسمبر عام 1539، جرى الزواج الثاني سرًّا وبموافقة رسمية من لوثر وملانكتون. لقد مُنح الزنا ثوبًا لاهوتيًا جديدًا، وسُمّيت الخيانة “تدبيرًا رعويًا استثنائيًا”. كتب لوثر آنذاك مبرّرًا هذا الفعل، مدّعيًا أن تعدد الزوجات “أفضل من الطلاق”، ومتناسيًا أن تعاليم المسيحية لم تترك مكانًا لمثل هذه التسويات المريبة.

كانت تلك اللحظة، كما وصفها المؤرخون، انتصارًا فاضحًا للسياسة على الدين، وإنكشافا للوثر الذي يضع مصالحه السياسية فوق أي إصلاح لاهوتي.

لقد خان لوثر رسالته في سبيل بقاء نفوذه. وكأن التاريخ أراد أن يقول لنا إنّ الإصلاح الذي بدأ ضد فساد الكنيسة البابوية، انتهى ملوّثًا بفسادٍ جديدٍ، ولكن تحت شعار مختلف.

كتب المؤرخون أن خصوم لوثر أطلقوا عليه لقب “مُداهن الأمراء” (the toady of princes)، إذ رأوا فيه مصلحًا تخلّى عن الحقّ حين اصطدم بسلطان السياسة.

بل إنّ التاريخ لم يرحمه؛ فحتى بعد قرون، ظلّ هذا الحدث شاهدًا على أن الإصلاح اللوثري، الذي ادّعى التحرر من فساد روما، قد خضع بدوره للعرش الألماني وركع أمام إرادة السلطة.

 

لا يمكن، بل لا يجوز، اختزال مارتن لوثر في صورة المصلح اللاهوتي النزيه، كما يحلو لأتباعه أن يروّجوا. فالصورة الأوسع، حين تُعرض بلا رتوش، تكشف عن رجلٍ براجماتي النزعة، سياسيّ الهوى، لا يتورع عن بيع مبادئه المزعومة في سوق المصالح، ولا يخجل من أن يضع قناعه اللاهوتي على وجهٍ تكسوه ملامح الانتهازية والقسوة. رجلٌ لا يعرف للثبات على المبدأ طريقًا، ولا للضمير الحيّ موطئًا، يتقلب بين المواقف كما يتقلب السكير بين كؤوسه، ويُبدّل قناعاته كما يُبدّل قدحه المفضّل في يده!

هو صاحب “مزاج” لا يخجل من التفاخر بقدرته على الشراب، حتى جعل من الوصايا العشر وقانون الإيمان وصلاة الربّ علامات على كأسه تشير لمدى تحمّله للنبيذ، وكأن التقوى تُقاس بقدرة الكبد لا بنقاء القلب. أما لسانه، فكان سيفًا مسلولًا على الحياء، لا يعرف إلا البذاءة، ولا يأنف من أن يُلقي بأقبح العبارات في حضرة تلاميذه، الذين نقلوا إلينا “أحاديث الطاولة” لا بوصفها زلات عابرة، بل كأنها دررٌ مأثورة من فم “المصلح العظيم”.

 

فأي إصلاح هذا الذي يخرج من قلبٍ ملوّثٍ بالشتائم، وعقلٍ مغمورٍ في الخمر، وضميرٍ يساوم على الفضيلة؟!

أي نورٍ يُرتجى من شمعةٍ منطفئة؟!

أي قداسة تُستنبط من رجلٍ يبرّر الزنا بتدابير رعوية، ويُلبس الخيانة ثوب الإصلاح، ويُقايض المبادئ بالتحالفات السياسية؟!

هل هذه أخلاق مصلحٍ لاهوتي، أم ملامح مهرّجٍ سياسيّ يتقن فنّ التلون؟!

هل يُرتجى من شجرةٍ مسمومةٍ إلا ثمرًا فاسدًا؟!

هل يجتنون من الشوك عنبًا، أم من الحسك تيناً؟!

كلا، بل هو لوثر… حيث تنقلب الموازين، ويُصبح الفساد إصلاحًا، والانحراف اجتهادًا، والشتيمة حكمة، والخمر طقسًا من طقوس الإصلاح!

 

 


مراجع:

Rock and Sand: An Orthodox Appraisal of the Protestant Reformers and Their Teachings-  Josiah B. Trenham

 

Here I Stand: A Life of Martin Luther – Roland Bainton

 

Martin Luther: Renegade and Prophet-  Lyndal Roper

 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *