لماذا اكتب والكثير قد كًتب وقيل؟ هناك الأمل العنيد لدي كل إنسان ان يًعبر ويصيغ من جديد معايشته للامور ، قال احد الشعراء "لهذا أُعطيَ الانسانُ اللغةَ: لكي يؤكِّد من هو" وهناك الإيروس .. التوق لتوحيد الخبرة والإبداع وبلوغ المعني. لكي نجد إجابات حقيقية وذات معني يجب ان نسأل السؤال الصحيح، أحياناً الجواب العقيم ينتج …

لماذا اكتب والكثير قد كًتب وقيل؟ هناك الأمل العنيد لدي كل إنسان ان يًعبر ويصيغ من جديد معايشته للامور ، قال احد الشعراء لهذا أُعطيَ الانسانُ اللغةَ: لكي يؤكِّد من هو وهناك الإيروس .. التوق لتوحيد الخبرة والإبداع وبلوغ المعني.

لكي نجد إجابات حقيقية وذات معني يجب ان نسأل السؤال الصحيح، أحياناً الجواب العقيم ينتج من سؤال غير ذي معني .. من هو الانسان، وما هي غاية وجوده، لماذا يحب ويفرح ويتألم ويذوق في الحب طعم الأبدية ولكنه في وجوده العيني الملموس ييبس وزهره يسقط ويموت!

وفي سياق الكلام عن الموت وهو خبرة ذاتية، كتب هايدجر اننا لا يجوز لنا ان نتحدث عن الموت لأننا لم نجتازه بعد. ولكن سؤالنا يتجاوز الموت الجسدي كحدث ذاتي منفرد الي الموت كخبرة حياتية يخوضها كل إنسان ويشكل فيها الموت بالجسد ختاما من نوع معين. خبرة عينية نراها حولنا ونتأثر بها ايضاً ونجتازها بأبعاد معينة. استهل اريك فروم كتابه فن الحب بعبارة: “ان اي نظرية عن الحب يجب ان تبدأ بنظرية عن الانسان” وبالمنهج  ذاته سأبدأ هذه المقالات: ان اي نظرية عن الموت يجب ان تبدأ بنظرية عن الانسان، من هو الانسان؟.

قالت الفلسفة القديمة ان مايميز الانسان هو تركيب داخلي ثابت يسمي ماهيته ولكن لم يعثر احد علي هذا التركيب . كتب إريك فروم ان سبب عدم عثور احد علي ماهية الإنسان هو إنعدام وجودها وان جوهر الإنسان يكمن هي هذا التناقض انه نصفه حيوان ونصفه رمز(1) له هوية رمزية تنتشله تجعله اكثر من مجرد طبيعة، انه يفكر ويبدع وله اسماً ووعي بذاته، وهذا ما يجعله يدرك محدوديته وحتمية فنائه وما ينتج عن هذا التناقض في نفسه إما مواجهة الخوف والقلق من الموت او ان يعيش حياته كلها محاولاً كبته و نسيانه.
ما جدوي هذه الحياة اذا كانت تنتهي؟

يأتي السؤال من واقع خبرة ذلك الإنسان الحساس الي الوجود، الفضولي وهو يراقب الوجود، المتجاوز لفرديته ، يشغله الوجود من حوله، فينجذب لما يحدث ويتلفت انتباهه الظواهر المحيطة، خاصة تعدد اوجه الاشياء، التي تظهر احياناً مفيدة ولصالح الإنسان وغداً تنقلب عليه. الكوارث الطبيعية مثل البراكين والأعاصير التي تكتسح الحياة وتحطم الوجود بلا رحمة، شبح الموت الذي يهاجم شباب ابرياء في مقتبل العمر، في مرض او موت مفاجئ..
هذا الإنسان الذي يصطدم بالتناقضات يري نفسه مملوءًة بالأسئلة، لماذا يختلط الخير بالشر والجمال بالقبح ولماذا يخيم الموت علي وجه الحياة؟ هذه العفوية في اصلها تعود لكونه إنساناً “مفرط” في إنسانيته بحسب تعبير “نيتشه
وليس هكذا فقط، قد يكون لهذا الإنسان العفوي والحساس الي الوجود نوعاً من الحِراك الإنساني الأصيل الي وجود اخر اسمي واعلي، يتطلع إلي وجود آبدي، الي فردوس مفقود، فهو في داخله يدرك ان الوجود الحقيقي ليس مظهراً حيادياً يوازن بين الخير والشر، يقبل ابدية الحياة ويقبل ابدية الموت

ظلت حقيقة الموت كثيفة الثقل علي الإنسان علي مر التاريخ. لا اقصد في هذه المقالات حدث الموت بالجسد الذي يإتي علي الانسان في لحظة من حياته بل بالاحري أتكلم عن محدوديته وفنائه وشعور الاغتراب والانفصال الذي يتأكله. خوفه من انه لا يمتلك الحياة في ذاته ولا يمتلك وجوده. ولذلك يحيا طوال حياته تحت العبودية لذلك الخوف كما قال بولس الرسول (عب2:15.”

كتب أريك فروم : : ان الانسان يولد وهو لديه وعياً بذاته، وعياً بحياته القصيرة، بأنه سيموت امام من يحبونه او ان أولئك الذين يحبونه سيموتون امامه، الوعي بانفصاله ووحدته وعجزه امام قوي الطبيعة والمجتمع احياناً كل هذا يجعل وجوده المنفصل والمفكك سجناً لا يُطاق. ان خبرة الانفصال تثير القلق وهي مصدر كل قلق.(2) ص 43

كان عذاب كيركغارد نتيجة مباشرة لرؤية العالم كما هو في الحقيقة، عندما ادرك ذاته بوصفه مخلوقاً ، فكل شيء يفعله الانسان ليلتهي به قد بُني بعناية تامة لإنكار شيء واحد فقط: كونه محدوداً وانه لا يملك وجوده ، انه مخلوق وب بمجرد الاعتراف بأنك مخلوق فأنت تسمح لبحر من القلق أن يغمرك، القلق الناتج عن التناقض البشري بأن الإنسان حيوان “مدرك” لمحدوديته. ماذا يعني أن تكون حيواناً واعياً بذاته؟ تعني أن يعرف المرء انه سيموت. أن تنبثق من الـ(عدم)، وأن يكون لك اسم ووعي بالذات ومشاعر داخلية عميقة وتوق داخلي محموم إلى الحياة والتعبير عن الذات. وبعد هذا كله ستموت عاجلاً أم آجلاً، يبدو الأمر وكأنه خدعة.(3) ولهذا السبب يتمرد الانسان علانية ضد فكرة الإله، فأي إلهة هذه التي تخلق مثل هذا الغذاء المعقد والفاخر ليتحلل؟ قال الاغريق انها إلهة ساخرة تسلي نفسها بعذابات البشرية .(4)

لانه ماذا يعني ان نولد؟ ان نمر عبر نفق ضيق جداً. ثم فجأة، نتتنفس.. ونتألم ونصرخ نتيجة دخول الهواء إلى الرئتين اللتين تنفتحان علي نفس الحياة. وكل هذا لماذا؟ لكي نموت؟. ما الفائدة؟ إنها كوميديا سوداء إذا كان هذا هو كل شيء. ماذا نقول امام كلّ هذا الموت، كلّ هذه الأقدار المشظّاة، كلّ هذه الحكايات التي قصمها الموت وحال دون بلوغها وكتب لها النهاية؟ فحين بنتهي كل شيء بالموت يسهل أن ينزلق الانسان إلى فراغ منطقي يرى فيه أن لا شيء يستحق العناء، وأن المعاني جميعها تتبخر. الحياة البشرية المنتهية بالموت تصيب باللامعنى، وبالتالي بعدم القيمة، كل العقلانية الموجودة في العالم، والعالم نفسه. المعاني التي تُسعى في أفق الحياة الأرضية تُصاب هي الأخرى، بدورها، باللامعنى.

كان اللاهوتيّ الفرنسيّ الأرثوذكسيّ أوليفييه كليمان مفتونًا بشدة بالأمور الروحية منذ سن مبكرة، وخاصةً بسبب قلقه من فكرة الموت يتذكر كيف أنه عندما كان تلميذًا في المدرسة، بعد أن علم أن شارلمان العظيم توج إمبراطورًا عام 800 وتوفي بعد أربعة عشر عامًا، فهم فجأة مأساة الموت. في تلك اللحظة، أدرك أن كل هذه الشخصيات التاريخية اللامعة كانت ميتة، كما تمامًا كما سيموت هو وكل من يعرفهم. هذا الشعور بالفناء رافقه، وكان أساس بحثه الروحي لذلك كتب لاحقاً في كتابه “تساؤلات حول الانسان”: “: ان كل تصور للعالم لا يشمل الموت، ويسعى إلى نسيانه، لا يمكن أن يكون إلا وهمًا.(5)

الموت، الذي شغل الفلسفة منذ سقراط وافلاطون في محاورة فيذون، والذي سماه وليم جيمس: الدودة في قلب الثمرة.(6) و صرخ شوبنهاور مراراً ان موت الانسان هو مصدر وحي الفلسفة كلها. كما ردد كيركيجارد ان القلق منه هو منبع الفلسفة.. (7)

صور لنا التاريخ في الأسطورة وفي الادب كما نري في الواقع كيف يستقبل الانسان حقيقة موته. في ملحمة جلجامش موت إنكيدو صديق جلجامش هو ذروة الحدث الذي دفعه ليصارع بحثاً عن مسببه. وفي قصة بروميثيوس الشهير بسرقة النار الإلهية المقدسة من معبد زيوس ليعطيها للإنسان، لا تتمحور القصة حول مصدر النار او حول العقاب الابدي الذي امر به زيوس لبروميثيوس ، لكنها قصة صراع الإنسان في خوفه من الموت..
وفي “قصة موت مُعلن ” للروائي الكولومبي جابرييل جارثيا ماركيز، نظن انه يحكي مجرد قصة عن جريمة قتل متعلقة بالشرف والثأر، ستحدث في قرية، كل سكان القرية يعرفون بها، ولكن في تسليم تام لم يحاول احداً ان يمنعها وكأنها قصة الإنسان الذي لا يستطيع الهروب من مواجهة الموت حتي وإن كان يعرف موعده.

فالإنسان وحده يشغله الموت أما الحيوان، فإنه يقضي أيامه دون أن يتوقع موته، ولهذا السبب لا ينشغل بأي شيء آخر ما خلا احتياجات اللحظة. فلا يسأل عن العالم حوله ولا ينشغل بما يدور في ذاته او بما يحدث للمخلوقات التي تختفي من الحياة، وحده الانسان يتسائل عن الموت، وحده يتفلسف حول الموت. حول واقع الذي لا مفر منه. والذي يشكل للبعض المأساة الأولي التي تُربك وجوده منذ ولادته. يري التحليل النفسي الحديث أن أول خبرة للخوف والقلق تبدأ مع الولادة، حين يُقطع الطفل عن جسد الأم؛ هي ذاتها خبرة الانفصال التي صورت في رواية السقوط. هي صورة خوف آدم الأول الذي فقد شركته مع الله مصدر وجوده وهي الخبرة القلق التي يحياها الانسان في حياته والتي يُكللها ويطلقها وعيه بالموت الجسدي ونهاية الحياة.

 

1- أريك فروم -جوهر الانسان

2- أريك فروم فن الحب ص 43

3- سورين كيركيجارد – المرض طريق الموات

4- سورين كيركيجارد – مفهوم الفزع

5- Olivier Clément – Questions sur l’homme

6-  تنويعات التجربة الدينية- وليم جيمس

7- سورين كيركيجارد – المرض طريق الموات

الصورة في الخلفية هي لوحة “بروميثيوس مُقيداً””Prometheus Bound” ل Briton Riviere.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *