هذه ليست بترجمة احترافية، فأنا لست بمترجم، انها في المقام الأول ترجمة شخصية قمت بها أثناء قرائتي للكتاب بالنسخة الإنجليزية الذي ترجمها keith schram عن اليونانية. مع بعض الحواشي التي سأضعها في الأجزاء القادمة كشروحات جانبية لي، حاولت ان اجعل الترجمة اقرب للمعني بحسب الرؤية العامة للكاتب ونقطة إنطلاقه في باقي اعماله. ليبارك الثالوث القدوس …

هذه ليست بترجمة احترافية، فأنا لست بمترجم، انها في المقام الأول ترجمة شخصية قمت بها أثناء قرائتي للكتاب بالنسخة الإنجليزية الذي ترجمها keith schram عن اليونانية.

مع بعض الحواشي التي سأضعها في الأجزاء القادمة كشروحات جانبية لي، حاولت ان اجعل الترجمة اقرب للمعني بحسب الرؤية العامة للكاتب ونقطة إنطلاقه في باقي اعماله.

ليبارك الثالوث القدوس هذه الترجمة، وليجعلها جسرًا لشركة خبرة الإنسان في الروح القدس الذي يسعي للتفاعل مع روح عصره وفهمها بوعي وبصيرة مُرتكزاً اولاً علي المقدمات التي يعطيها الإيمان المسيحي الأرثوذوكسي.

 

 خريستوس ياناراس لاهوتي وفيلسوف يوناني. درس اللاهوت في جامعة أثينا والفلسفة في جامعة بون (ألمانيا) وجامعة باريس (فرنسا). حصل على درجة الدكتوراه من كلية اللاهوت في جامعة أرسطو في تسالونيكي (اليونان). كما حصل أيضًا على دكتوراه من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة السوربون – باريس الرابعة. وكان أستاذًا زائرًا في جامعات باريس (الكلية الكاثوليكية)، جنيف، لوزان وكريت. شغل منصب أستاذ الفلسفة في جامعة بانتايون للعلوم الاجتماعية والسياسية في أثينا من عام 1982 حتى عام 2002. وكان عضوًا منتخبًا في جمعية الكُتّاب اليونانيين والأكاديمية الدولية للعلوم الإنسانية (بروكسل).

حصل على درجات دكتوراه فخرية من جامعة بلغراد، معهد القديس فلاديمير في نيويورك، كلية هيلينيك هولي كروس جامعة جورجيا الجديدة، وجامعة أثينا الوطنية والكابودستريانية. وفي عام 2019 منحه البطريرك المسكوني لقب “أرخون الخطيب الأكبر” للكنيسة الكبرى المقدسة للمسيح.

يمثل الجزء الأكبر من أعمال ياناراس مسارًا طويلًا من الدراسة والبحث في الفوارق بين الفلسفة والتقليد اليوناني والغربي الأوروبي، وهي فوارق لا تقتصر على المستوى النظري فقط، بل تحدد أيضًا ممارسة الإنسان، نمط حياته.

انتقل ياناراس الي المجد في اغسطس من عام ٢٠٢٤ عن عمر يُناهز ٨٩ عامًا.فلنصلي معاً، ليجعل الثالوث اعمال خدمته نوراً وإلهاماً لنا، وليثمر فينا روح الله لنتعلم كيف كيف نجتهد بحق في حياة الإيمان، وتسليم الحياة.

المقدمة

 

لا يسعي هذا الكتاب إلى إقناع أحد بمواقفه. ليس هذا الكتاب “دفاعًا” عن الإيمان المسيحي، ولا يهدف إلى فرض وجهة نظره علي القارئ. له طموح واحد فقط: أن يميز ما هو الإيمان المسيحي عمّا ليس هو الإيمان المسيحي. أي أن يوضح، قدر ما يستطيع، الالتباس الذي يبدو أنه قائم اليوم في وعينا بالنسبة إلى حقيقة الكنيسة المسيحية، وأن ينقّي هذه الحقيقة من الخليط الغريب والدخيل الذي يميل إلى أن يحلّ محلها.

لكن يجب أن يتم كل هذا بطريقة بسيطة، مفهومة، لـ “الإنسان العادي”، كما نقول، وبالأخص للمثقف العادي، لأنه هو، المثقف، الذي يكون غالبًا حاملًا وضحية لهذا الالتباس. مقطوع، في العادة، عن الجذور الاختبارية للإيمان، وربما أيضًا مضغوط نفسيًا بسبب تدين عائلي شكلي وذكريات – غالبًا سلبية – من مسار سطحي للتعليم الديني في المدرسة، فإن مثقف اليوم يرفض شيئًا يظن أنه الإيمان، بينما هو في الواقع يجهل ذلك الإيمان. ولكن إذا أراد يومًا أن يعرف ما هو بالضبط الشيء الذي يرفضه، ينبغي أن يكون هناك كتاب صغير – كتاب تمهيدي أو دليل ابتدائي – مكتوب بلغته الخاصة يجد فيه ملجأً.

ومع ذلك، فإن هذا عمل جريء، لأنه يكاد يكون مستحيلًا أن نتحدث عن يقينيات الحياة بلغة العقل، لغة الفكر. لكن إعلان الإيمان الكنسي هو، أولًا وقبل كل شيء، فعل محبة، تلك المحبة التي بها “تحتمل الكنيسة كل شيء” (1 كورنثوس 13:7). لذلك من الضروري أن نحتمل حتى هذا “الجيل البائس من المستنيرين”. يمكننا القول إنه على كل واحد منا أن يواجه العقلاني الكامن في داخلنا جميعًا اليوم. حتى المحبة يجب أن تتكلم بلغة تكون مفهومة لإنسان اليوم المحبوس في منطقه الخاص، دون أن تتحول تلك اللغة إلى نظام عقلاني، بل تبني جسرًا يصل إلى جانبه..

وباختصار، هذا الكتاب، الذي ربما كان يمكن أن يكون أشمل أو أوضح تعبيرًا، يقدم على الأقل “كتابًا تمهيديًا في الإيمان”. الإيمان المعبَّر عنه فيه هو الإيمان الأرثوذكسي للكنيسة – لا آراء شخصية لأحد. لكن أسلوب التعبير والنبرة هما مع ذلك جهد فردي، مع ما فيهما من ضعف ونقص، بلا شك. فإيجاد الطريقة الصحيحة لعرض الإيمان يتطلب الكثير من المحبة. والمحبة ليست عاطفية ولا مجرد نوايا حسنة، بل هي الكفاح الأسمى من أجل تجاوز الذات، وهو ما تسميه الكنيسة “القداسة”.

وإذا، رغم كل هذا، نجح أحدهم في أن يقرأ الإيمان من هذا الكتاب التمهيدي، فإنه يكون قد أكد مرة أخرى مفارقة سلوام: بقليل من طين الأرض، تنفتح العيون البشرية على عجب الحياة (يوحنا 9:6-7).

 

“المعرفة الإيجابية [التأكيدية] والميتافيزيقا”

 

هناك مجالات من المعرفة أو العلوم نسمّيها “علوم إيجابية”: فهي تدّعي أنها مؤكدة، مضمونة، تحمل طابع اليقين الذي لا يُشك فيه. يمكن لأي شخص أن يتحقق منها بالملاحظة أو التجربة أو الاستدلال الرياضي. إنها تتعلق بواقع العالم الذي يحيط بنا؛ فهي علوم الواقع المادي، [كالفيزياء والرياضيات وغيرها].

وبالمثل، تأتي العلوم التي تهتم بظواهر الحياة الاجتماعية للإنسان وتنظيمها ووظيفتها، أو بالمعلومات الموثوقة عن الماضي (تاريخ الإنسان)، وتقدّم نفسها كعلوم إيجابية. هنا تكون المعرفة مباشرة، قابلة للتحقق بالتجربة، وبالتالي مؤكدة وملزمة للجميع.

إن السعي الأساسي لحضارتنا اليوم يبدو أنه البحث عن هذه المعرفة الإيجابية المضمونة التي لا يُشك فيها. كل تفاصيل حياتنا، من التربية الأسرية إلى التعليم المدرسي، إلى المهنة وتنظيم البنى والمؤسسات الاجتماعية، تفترض وتستهدف ما نسميه الموضوعية: معرفة ثابتة، ملموسة، واضحة للجميع.

لكن في الوقت نفسه، وسط حياتنا المنظمة عقلانيًا، تكمن أسئلة يستحيل إخضاعها لمطلب المعارف الإيجابية او المؤكدة. أول مجموعة من هذه الأسئلة ترتبط بتجاربنا في مجال الفن: ما الذي يميز لوحة لرمبرانت عن لوحة لفان جوخ، أو موسيقى باخ عن موسيقى موتسارت؟ كيف يحدث أن الإبداع الفني للإنسان يستمر دون أن يخضع لأي تصنيف موضوعي او قياسات؟ وكيف يحفظ الرخام أو اللون أو الكلمات “شكل الإنسان”، ويصون التفرُد المطبوع من كل فنان في عمله؟

إن مجرد تأمل الطبيعة يثير مثل هذه الأسئلة التي لا يمكن للمعرفة التأكيدية أن تجيب عنها: ما أصل كل ما هو موجود؟ وما غايته؟ هل وُجد صدفة؟ هل كان موجودًا دائمًا وسيبقى موجودًا بطريقة غير عقلانية وغير مفسَّرة؟ كيف نفسر جمال العالم، انسجامه، نظامه، وظيفته العضوية التي تخدم أدق تفاصيله؟

وفوق ذلك، في لحظة ما من حياتنا، عند منعطف الطريق، نواجه المرض، الانحلال، الموت. حينها تُطرح الأسئلة الأكثر قسوة: ما منطق الموت والزوال الذي يجوز في وجودنا البيولوجي؟ هل ينتهي كل شيء في مترين من التراب؟ ما الذي يخفيه الموت من الإنسان ويترك الجسد ليتحلل في الأرض؟ إن ما يُخفي هو ما يجعل الإنسان فريدًا، متميزًا، غير قابل للتكرار: طريقته في الحب، في الفرح، في الألم، في إدراك الحياة. فهل هذه كلها مجرد وظائف بيولوجية كالهضم والتنفس والدورة الدموية؟ أم أن الإنسان موجود – يحيا بطريقة لا تتجاوز وظائفه البيولوجية، طريقة تجعله حقًا موجودًا دون أن يمسه الزمن والموت؟

في لحظة ما، يعتقد الإنسان أن المعرفة الإيجابية تجيب فقط عن أصغر أسئلته، وأن هناك مجالًا يتجاوز الفيزياء والعالم الواقعي الملموس – المجال الميتافيزيقي (مجال الفن، الحب، سرّ الوجود) – والذي يجب أن يُقترب منه بأدوات مختلفة تمامًا عن تلك التي تضمن الوصف الفيزيائي والرياضي البسيط للمعطيات المحسوسة للطبيعة..

لقد صارع الإنسان عبر العصور وما زال يصارع الأسئلة الميتافيزيقية. الفلسفة، الفن، الأديان هي أشكال هذا الصراع الدائم الذي يميز الإنسان عن كل كائن آخر ويصنع حضارته. ومع ذلك، فإن حضارتنا اليوم تحاول أن تؤسس نفسها على قمع هذه الأسئلة أو نسيانها، لكن حتى هذا الموقف هو في ذاته موقف ميتافيزيقي.

ومهما حاول الإنسان أن يهرب من هذه الأسئلة، أو أن ينساها في خضم النشاط المهني أو الخدمة السياسية أو البحث اللامتناهي عن اللذة، أو أن يسخر منها باسم “العلم” الذي “لديه جواب لكل شيء” أو “سيكون لديه جواب يومًا ما”، فإن هذه الأسئلة تنتظر لحظة على الطريق. حادث مفاجئ، مرض، أزمة قلبية، فينهار درع الاكتفاء الذاتي، وتكشف عُري الإنسان، ويُفتح فجأة أمامنا فراغ الأسئلة التي لا جواب لها.

وفي هذه اللحظات غير المتوقعة من “اليقظة”، يمكن القول إن كل أسئلتنا تُلخَّص تلقائيًا في كلمة واحدة عظيمة، معروفة عفويًا ومجهولة بلا قياس: الله. من هذا الذي كلمونا عنه؟ ما هو؟ وأين هو؟ هل هو مجرد خيال بشري، ضرورة يقترحها عقلنا، أم وجود حقيقي لكنه مخفي مثل الشاعر في كلماته والفنان في لوحاته؟ وأخيرًا: هل هو موجود أم غير موجود؟ هل هو سبب وغاية الوجود والعالم؟ هل يحمل الإنسان في داخله شيئًا منه، شيئًا يتجاوز المكان والزمان والانحلال والموت؟

 

 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *