⁷"أين كنزك؟" تبدأ رحلتنا في الصوم الأربعيني بهذا الاستفهام الضمني الذي صاغته الكنيسة بوعي شديد وحساسية بالغة ، في إنتظار أن نتجاوب ونتفاعل معه على نفس مقدار هذا الوعي. لأن الصوم في الذهنية الأرثوذكسية لا يهدف بأي حالٍ من الأحوال إلى تغيير منظومة الطعام أو ما نأكله وإنما هو سعينا لتغيير إتجاه القلب وإعادة تجديد …
⁷”أين كنزك؟”
تبدأ رحلتنا في الصوم الأربعيني بهذا الاستفهام الضمني الذي صاغته الكنيسة بوعي شديد وحساسية بالغة ، في إنتظار أن نتجاوب ونتفاعل معه على نفس مقدار هذا الوعي.
لأن الصوم في الذهنية الأرثوذكسية لا يهدف بأي حالٍ من الأحوال إلى تغيير منظومة الطعام أو ما نأكله وإنما هو سعينا لتغيير إتجاه القلب وإعادة تجديد الوعي بحقيقتنا الكيانية كشركاء في الطبيعة الإلهية!
فنجد أن قراءة هذا الأحد المبارك (متّى 6: “لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض… بل اكنزوا لكم كنوزًا في السماء… لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا”) لا تتحدث بالضرورة عن وصية أخلاقة تركها لنا المسيح وإنما تكشف لنا عن حقيقة القلب وطبيعته الديناميكية حيث أنه يتبع موضع “الكنز” ! والمسيح هنا يلفت انتباهنا إلى طبيعة ذلك الكنز الذي لا منفعة تُرجى منه إن كان أرضياً (حيث أنه إما سيفسد أو سيُسرَق) بل ينبغى أن يكون سماوياً حيثما لا يُمَس!
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:
“يقول (المسيح) ما معناه: لا تدفن الذهب في الأرض، ولا تفعل شيئًا من هذا القبيل، لأنك إنما تجمعه للعُثّ (السوس) والصدأ واللصوص. وحتى إن أفلتَّ تمامًا من هذه الشرور، فلن تفلت من استعباد قلبك وتسميره بكل ما هو أسفل؛ إذ حيثما يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا.
فكما أنك إن ادّخرت كنوزًا في السماء، لا تحصد هذه الثمرة وحدها—أي نوال مكافآت هذه الأمور—بل تنال أيضًا منذ الآن، في هذا العالم، جزاءك: إذ تدخل هناك إلى الميناء الآمن، وتوجّه محبتك إلى ما هو هناك، وتهتم بما هو هناك (لأنه حيثما تكون كنوزك الموضوعة، فمن الواضح أنك تنقل ذهنك أيضًا). كذلك إن صنعت هذا على الأرض، فستختبر العكس.”
العظة العشرون على إنجيل متّى (Homily 20 on Matthew)، ضمن تفسيره لمتّى 6.
لذا فإن تسمية “أحد الكنوز” ليست مجرد استعارة بليغة وإنما هي تشخيص روحي دقيق لحقيقة الصوم كعملية إعادة توجيه للقلب صوب الكنز الحقيقي.
ولكن ، ما هو هذا ” الكنز الحقيقي” ؟
في الأرثوذكسية نعيد اكتشاف هذه الحقيقة ، وهي أن كنزنا الحقيقي – بل أثمن ما نملك ! – هو شركتنا الكيانية في المسيح ، وهي شركتنا في الحياة الإلهية بالنعمة ، وما النعمة هنا سوى الحضور الإلهي نفسه.
من هنا يمكننا القول بأن ملكوت السموات هو إدراكنا لهذه الحقيقة الكيانية الكبرى ، الملكوت ليس مكاناً وإنما هو حالة وجودية كيانية ، الملكوت هو “الإنسان الجديد” في المسيح يسوع.
ولهذا جعلت الكنيسة الأحد الأوّل من الصوم الكبير “أحد الكنوز“ ناقوسَ يقظةٍ يدق في قلب كل واحدٍ منّا، لتنفتح أبصارنا الداخلية على حقيقة الصوم، لأنه ليس امتناعاً عن طعامٍ بقدر ما هو تحويلٌ للاتجاه كي نميّز أين كنزنا الحقيقي، وإلى أين تمضي قلوبنا.
وعليه فيكون أحد الكنوز بمثابة تأسيس لذهنية الصوم برمته، ونقل لمركز الثقل من الذات واهتماماتها إلى الإنفتاح على الشركة مع الله ، يقول الأب ألكسندر شميمن:
“إن غاية الصوم الكبير ليست أن يفرض علينا بضعة التزامات شكلية، بل أن “يُليِّن” قلوبنا لكي تنفتح على حقائق الروح، فتختبر “العطش والجوع” الخفيَّين إلى الشركة مع الله.”
Alexander Schmemann) (Great Lent: Journey to Pascha–
وبالعودة إلى (متى 6) نجد أن المسيح يقدم تشريحاً دقيقاً لحالة الكيان الإنساني ، وكيف يتحرك الإنسان داخليا من خلال ثلاث كلمات وهي الكنز والعين والقلب.
الكنز ليس شيئًا نملكه بقدر ما هو شيء يملِكنا ، هو مركز ثقل النفس وموضع الرجاء الخفي ، والعين هي نافذة الوعي وسراج الكيان كله ، ونقاء العين يعزز الإدراك ويسند الإنسان في رحلته للتمييز بين النور والظلال! أما القلب فهو المحرك صوب الوجهة الوجودية ، وهو مؤشر حقيقي على مسيرة الكيان ومساره.
وهنا يأتي الصوم الكبير في إطاره الأرثوذكسي كدواء وجودي يعيد ضبط الوعي ، ويعيد الإنسان إلى مسار الوعي بشركته الكيانية في المسيح.
ومن أخطر ما صنعته الروح الفردانية التي تميز هذا العصر هو أنها حوِّلَت الصوم إلى “خطة شخصية” لتحسين الذات، كأنه تدريب إرادة أو برنامج لضبط النفس. أمّا في الوعي الأرثوذكسي فالصوم ليس مشروعًا فرديًا، بل سرّ توبة كنسيّة نعيشه داخل جسد المسيح.( توبة هنا تعني “ميطانية” وهي عملية تغيير الذهن)
هو أولًا زمن كنسي بامتياز، فالكنيسة كلها تصوم، لأن صومنا لا يُعاش في عزلة، بل هو دخولٍ في نبض الجماعة وإيقاعها وتفعيل لهذه الشركة الحقيقة في جسد المسيح الحي، حيث يحمل الواحدُ الآخرَ وتستند النفس إلى صلاة الجسد كله. وهو أيضًا زمن ليتورجي بامتياز، تمتزج فيه التوبة بالصلاة، وتتشكل الروح بالألحان والقراءات والمزامير والميطانيات، فتغدو أيام الصوم مدرسةً للاتضاع وتهذيب الفكر. ثم هو أخيرًا زمن سرائري/مستيكي غايته ليست إنجازاً سلوكياً يحققه الإنسان ، بل هو اتحاد حقيقي يُستعلن في الإفخارستيا.
لهذا فالصوم، في جوهره، ليس مجرد امتناع عن شيء ولكنه عودة إلى حضن الكنيسة حيث نغتني جميعاً بالكنوز الحقيقية المستودعة لنا في جسد المسيح الحي (أي الكنيسة) ، فيتجدد الكيان كله وينفتح الوعي على هذه الشركة الحقيقة.
ولأن الأرثوذكسية تعني “التمجيد المستقيم”، تدخل الكنيسة كلّها في حالٍ من الهدوء النسكي (الهيزيخيا) فتغدو الصلوات والألحان بإيقاعٍ أبطأ وأهدأ، كأنها تُبطِّئ خطى النفس لتجمع شتاتها، وتُهيّئ القلب لحالة تغيير المسار صوب “الكنز الحقيقي”ز
والهدوئية الأرثوذكسية ليست مجرد ميلٍ نفسيّ إلى الصمت، بل استعادةٌ وتنقية للوعي بأن يهدأ الداخل كي يتجلّى الحضور وتنفتح الأعين والآذان. لذلك يضعنا “أحد الكنوز” أمام عملية هامة جداً لخفض الضجيج فنصمتٌ عن كل صخب الخارج – بل بالأحرى صخب الداخل! – فتتجلى الرؤية وتتضح الرغبة وتتشجع النفس على المسير.
ولهذا تُدخلنا الكنيسة القبطية إلى الهدوئية بالصوت واللحن، فنغمة الألحان تتخذ إيقاعًا هادئًا متمهّلًا، كأنها تُبطِّئ سرعة النفس لتعود إلى ميزانها. تمتد الجُمَل اللحنية وتتسع مسافاتها، وتتكرر بعض العبارات بتؤدةٍ تُشبه “التنفّس الروحي”، فيغدو اللحن نفسه ممارسة نسكية شديدة العمق، تدرّب القلب على الثبات، وتعلّم الفكر ألا يقفز من فكرة إلى أخرى ولا من خاطرٍ لآخرٍ ، وينجمع شتات الداخل فتحملنا الكنيسة ببراعة من ضجيج النفس إلى حضور الشركة ، فنبدأ رحلتنا نحو “الكنز الحقيقي” الذي لا يُمَس.







