يُعَدّ أوريجانس الإسكندري واحدًا من أعظم لاهوتيي الكنيسة الأولى وأكثرهم تأثيرًا، إذ ترك بصمة عميقة على تطور العقيدة والتفسير الكتابي. ورغم أن إرثه الفكري ظل مثار جدل، وتعرض لتفسيرات خاطئة واتّهامات متكررة، فإن أثره الإيجابي في صياغة الكثير من أركان الإيمان لا يمكن إنكاره. يتناول هذا المقال تاريخ استقبال فكر أوريجانس عبر العصور، والجدالات اللاهوتية …
يُعَدّ أوريجانس الإسكندري واحدًا من أعظم لاهوتيي الكنيسة الأولى وأكثرهم تأثيرًا، إذ ترك بصمة عميقة على تطور العقيدة والتفسير الكتابي.
ورغم أن إرثه الفكري ظل مثار جدل، وتعرض لتفسيرات خاطئة واتّهامات متكررة، فإن أثره الإيجابي في صياغة الكثير من أركان الإيمان لا يمكن إنكاره. يتناول هذا المقال تاريخ استقبال فكر أوريجانس عبر العصور، والجدالات اللاهوتية التي ارتبطت باسمه، مبرزًا الحاجة إلى قراءته في سياقه التاريخي واللاهوتي لفهم إسهاماته الفعلية بعيدًا عن سوء الفهم والتحريف.
نص المقال
ترجمة أمير إبراهيم
أوريجانس اللاهوتي البارع
لقد استقطب أوريجانس الإسكندري اهتمامًا علميًا واسعًا في العقود الأخيرة، وقد ترتّب على ذلك – إلى حد كبير – إعادة تأهيل هذه الشخصية اللاهوتية المصرية السابقة لعهد نيقية. ومع ذلك، فإن كل دراسة تقريبًا تُقرّ بأن إرثه كان إشكاليًّا، وغالبًا ما يُذكر هذا الأمر بصيغة غامضة – ربما كمبرّر لرفض إسهامات أوريجانس في الأرثوذكسية. ويُعدّ جون أنطوني مكغاكين أول من قام برسم خريطة دقيقة لما يُعرف بـ “الجدالات الأوريجانية” (وقد كان هناك أكثر من جدال واحد) عبر تاريخ الكنيسة.
إن كتابه «أوريجانس الإسكندري: اللاهوتي البارع في الكنيسة المبكّرة» هو في جوهره تاريخ لاستقبال إرث أوريجانس عبر العصور.
وسيخرج القارئ من هذا العمل برؤية أوضح لما كانت الكنيسة تعترض عليه في فكر أوريجانس، ومتى كان ذلك، ولماذا. ولكن ربما بنفس الأهمية، سيدرك أن اسم أوريجانس لم يكن دومًا مرادفًا للمشكلات، إذ له قائمة طويلة من المريدين في كل عصر من عصور الكنيسة؛ مريدون لعبوا أدوارًا محورية في صياغة وتحديد ملامح الأرثوذكسية، مثل كبّادوكيّي القيصرية، وأثناسيوس، وأمبروسيوس (معلّم أوغسطينوس).
لقد تحدّث المصلحون الذين قرأوا أوريجانس عنه باعتباره عبقريًا عظيمًا من عباقرة الكنيسة الأولى. فقد أشار تسفينغلي إليه أكثر من 340 مرة في مؤلفاته. أما إيرازموس، المحب للتصنيفات، فقد وضع بولس وأوريجانس وأوغسطينوس في المرتبة الأولى كأعظم المفسرين المسيحيين على الإطلاق – بهذا الترتيب. وكان يقول إن صفحة واحدة من كتابات أوريجانس تعني له أكثر من عشر صفحات لأوغسطينوس. وخلال هذه الحقبة، كان الكتّاب يتحدثون عن أوريجانس وأوغسطينوس معًا باعتبارهما أعظم المساهمين في اللاهوت المسيحي ما بعد الرسل.
أما الدراسات الحديثة، فهي تميل إلى الاتفاق مع هذا التقييم: فباستثناء أوغسطينوس، لا يوجد أيّ من آباء الكنيسة الأوائل يضاهي أوريجانس في التأثير. وكما يكتب مكغاكين: «سواء في اتّباع مقترحاته أو حتى في الردّ عليها صراحة، فإن معظم البنية العقائدية الكلاسيكية للمسيحية، وممارسات تفسير الكتاب المقدس، وتاريخها الروحي، قد تشكّلت بعمق من خلال مشروعه العلمي [أي مشروع أوريجانس]».
الجدل الأوريجاني الأول
ربما تكمن أعظم مساهمة قدّمها مكغاكين في هذا الكتاب في تمييزه بين الجدل الأوريجاني بمراحله المختلفة والمنفصلة. فهو يرى أن الجدل الأوريجاني الأول هو ذاك الذي حدث في حياة أوريجانس نفسه. وقد بدأ مع نشر عمله المبكر (وربما الأقدم)، “عن المبادئ الأولى” (On First Principles). أثار الكتاب انتقادات فورية، بلغت ذروتها في مناظرة علنية في أثينا. وكانت المسألة الخلافية هي: هل سيتخلّص الشيطان من الهلاك ويخلُص؟ زعم البعض أن أوريجانس علّم ذلك. لكن أوريجانس أنكر أنه قال شيئًا من هذا القبيل، وتحدّى مُتَّهِميه أن يحددوا الموضع في كتاب عن المبادئ الأولى حيث ورد هذا التعليم. لم يستطيعوا ذلك، غير أن هذا الجدل سيظل يلاحق إرثه الفكري إلى الأبد.
الجدل الأوريجاني الثاني
أما الجدل الأوريجاني الثاني، فيصفه مكغاكين بأنه ما يُسميه معظم كتب التاريخ “الجدل الأوريجاني الأول”. وقد وقع بعد قرن ونصف من وفاة أوريجانس، وتمحور حول الراهب إيفاغريوس البنطي (Evagrius of Pontus). ورغم أن اسمه غير مألوف لكثير من الغربيين اليوم، فقد كان إيفاغريوس شخصية محورية تركت تعاليمه أثرًا عميقًا في الحياة الرهبانية المسيحية، شرقًا وغربًا. كان معجبًا شديد الإعجاب بأوريجانس، غير أن ما كان أوريجانس يطرحه كفرضية أو كمجرد مادة للنقاش الأكاديمي، كان إيفاغريوس يعلنه عقيدة مُلزِمة ويطوّره بأفكاره الخاصة.
في كتاباته، وخاصة في “الفصول الغنوصية” (Gnostic Chapters)، علّم إيفاغريوس أن النفوس البشرية خُلِقت قبل وجودها الجسدي، وأن كل الكائنات—including الشيطان—ستُستَعاد في مصالحة نهائية مع الله، وأن حالة انعدام الأهواء التامة (apatheia) يمكن بلوغها على الأرض، وأنه في مصالحتنا النهائية مع الله ستزول هويتنا الفردية لتذوب في الطبيعة الإلهية. وباختصار، فقد أدخل إيفاغريوس ما يُسمّى حتى اليوم بـ”الأوريجانية”، رغم أن الوصف الأدق هو “الإيفاغريانية”.
عندما اندلع الجدل الأريوسي بعد ما يقرب من قرن على وفاة أوريجانس، نصّب أوسابيوس القيصري—المعروف اليوم أكثر بعمله التاريخ الكنسي—نفسه ممثلًا للأوريجانية. وبطبيعة الحال، فإن شخصية بمكانة أوريجانس كانت تُستَشهد بها من كلا طرفي النزاع. لكن الضربة الحاسمة وقعت عندما رفض أوسابيوس علنًا مصطلح هوموأوسيوس (homoousios) أثناء مجريات مجمع نيقية. فقد جادل أوسابيوس بأن هذا المصطلح، الذي يعني حرفيًا “من جوهر واحد”، يوحي بأن الله مكوَّن من “مادة” أو “شيء ملموس”، وهو ما يتعارض مع إصرار أوريجانس—الذي تحقّق بشق الأنفس—على أن الله غير مادي تمامًا.[4] ومع ذلك، اعتُبِر هذا الموقف على نطاق واسع من قِبل الفريق النيقاوي دليلًا على أن أوسابيوس كان أريوسيًا متخفيًا. ومن هنا لم يكن الانتقال صعبًا نحو تصوير الأوريجانية ذاتها كأنها أريوسية مبكرة (proto-Arianism).
وإذا كان إيفاغريوس وأوسابيوس قد شوّها فكر أوريجانس من خلال ولائهما له، فإن جيروم شوّه فكر أوريجانس من خلال عدائه له. فقد بذل جيروم جهدًا كبيرًا لتشويه سمعة أوريجانس، واتهمه بأنه الأب الروحي للأريوسية. ومن اللافت أن جيروم كان قد مدح أوريجانس في وقت سابق من حياته، إلا أنه يبدو أنه رأى تعارضًا في الولاء بين الإسكندرية ونيقية، واضطر للاختيار بينهما. ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن جيروم واصل الرجوع إلى كتابات أوريجانس والتدريس منها، بل وإعادة نشرها تحت اسمه الخاص. وقد أصبح هذا الانتحال واضحًا للأجيال اللاحقة من اللاهوتيين والعلماء. وهكذا أسفر إرث جيروم عن ظهور صورتين لأوريجانس: الأولى لاهوتيٌّ عقائدي يجب رفضه رفضًا قاطعًا، والثانية مفسِّر للكتاب المقدس يُعجَب به ويُحتذى به. وقد استمر هذا الانقسام في صورته العامة حتى زمن إيراسموس.
إن ما سبق ليس سوى ملخّص لأوائل الجدلـيّات حول أوريجانس. فقد اندلع جدل ثالث في القرن السادس، انتهى بالحكم عليه بالحرمان الكنسي في المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية سنة 553م. ومع ذلك، فإن مراجعة اللعنات الخمس عشرة الصادرة ضد “الأوريجانية” تُظهر أنها تشبه أفكار تلميذه المُحب له إيفاغريوس أكثر مما تشبه أوريجانس نفسه. ورغم أن مكغَكِن لا يسعى في كتابه إلى صياغة دفاع مباشر عن أوريجانس، إلا أنه يُجبرنا على مواجهة الطريقة التي نحكم بها على أسلافنا الدينيين. فهذا العمل، على أقل تقدير، يشكّل أشبه بمَثَل حول كمّ سوء الفهم وسوء التأويل الذي يمكننا تجنّبه لو أننا قرأنا المَحكوم عليهم بكلماتهم هم، وفي سياقهم التاريخي هم.
لينك المقال الأصلي
https://www.modernreformation.org/resources/articles/origen-of-alexandria-master-theologian-of-the-early-church-by-john-anthony-mcguckin