المرات اللي فاتت اتكلمنا عن ان مافيش آليثيا بدون سر (ميستيريون) وبدون نور المحبة الإلهية.. لو ماقريتش أو ماقريتيتش المقالتين دول، أشجعكم تقروهم قبل ما تقرأوا دي. مرة، صلى القديس أنطونيوس الكبير: “يا رب، وريني إزاي ممكن لشخص مؤمن عايش في قلب المدينة وسط الصخب والدوشة، أنه يوصل للمستوى الروحي اللي ممكن يوصله …
المرات اللي فاتت اتكلمنا عن ان مافيش آليثيا بدون سر (ميستيريون) وبدون نور المحبة الإلهية.. لو ماقريتش أو ماقريتيتش المقالتين دول، أشجعكم تقروهم قبل ما تقرأوا دي.
مرة، صلى القديس أنطونيوس الكبير: “يا رب، وريني إزاي ممكن لشخص مؤمن عايش في قلب المدينة وسط الصخب والدوشة، أنه يوصل للمستوى الروحي اللي ممكن يوصله الناسك اللي عايش في هدوء الصحراء.”
وقبل ما يخلص القديس صلاته، سمع صوت بيقول له: “يا أنطونيوس، بشارة الإنجيل هي هي نفسها لكل الناس. ولو حابب تتأكد بنفسك، وتشوف إزاي اللي بيعمل إرادة الله بيبقى قديس ومحفوظ سواء كان في المدينة أو الصحراء، انزل دلوقتي روح إسكندرية، وهناك هتلاقي دكان صغير بتاع رجل بسيط وفقير، مهنته إسكافي بيصلح أحذية.”
فرد القديس أنطونيوس بحيرة وقال: “دكان تصليح أحذية، يا رب؟ ويا ترى بقى مين في الدكان ده اللي هينور فكري ويفهمني؟”
فرد الصوت عليه وقال: “الإسكافي نفسه هيشرح لك.”
وهنا تساءل القديس أنطونيوس: “صانع أحذية ايه ده اللي هيجاوب أسئلتي؟ يعرف ايه ده عن الصراعات والنضالات والتجارب والإغراءات اللي بنعدي بيها احنا الرهبان في قلب الصحراء هنا؟ يعرف ايه العامل البسيط ده عن الآفاق العظيمة للإيمان وللحقيقة؟”
ولكن اعتراضات القديس أنطونيوس ماتمش تفسيرها بالصوت الإلهي. فقام وخد بعضه ونزل تاني يوم سافر إسكندرية، وربنا أظهر له فين دكان الإسكافي.
قام الرجل الإسكافي رحب بالقديس واستقبله بمنتهى الفرح والوقار، وبعدين سأله: “يا ترى يا أبي أنطونيوس، ايه اللي هيعود عليك من زيارة واحد بسيط زي حالاتي كده؟ ده أنا رجل جاهل لا بعرف أقرأ ولا أكتب وساذج. بس على أد حالي، أي شخص غريب عن إسكندرية، مهما كان هو مين، بحاول أساعده على أد ما أقدر.”
فرد القديس أنطونيوس باتضاع وقال له: “ربنا بعتني لك النهارده علشان تعلمني.”
فقام الرجل نط من مكانه وبص للقديس بدهشة وقال له: “أنا؟ أنا الجاهل الساذج أعلم قديس زيك يا أبي أنطونيوس؟ هعلمك ايه بس، وأنا أصلا مش عارف إذا كنت عملت أي عمل صالح أو أي عمل له أي قيمة في حياتي كلها!! ده أنا مش لاقي أي حاجة عملتها ممكن تقف قدام عين ربنا بلا عيب.”
فرد القديس أنطونيوس: “طيب قول لي، بتعمل ايه في يومك وبتقضيه إزاي؟ ربنا بيحكم على الحاجات بطريقة غيرنا خالص وبيوزنها بشكل مختلف عننا احنا البشر.”
فرد الإسكافي: “صدقني يا أبي، أنا معملتش أي حاجة صالحة أبدًا. يعني، بحاول أكافح علشان أسلك بحسب تعليم الإنجيل، وكمان بحاول أني منساش أبدًا عيوبي وعُقم حياتي الروحية. علشان كده، أثناء ساعات عملي في النهار، دايما أفكر وأقول لنفسي: “يا رجل يا بائس، كل الناس هيطولها خلاص ربنا، إلا أنت بسبب كثرة خطاياك واللي بسببها عمرك ما هتبقى مستحق أنك تتمتع برؤية وجه الله المقدس.” وبردد نفس الكلام لنفسي بالليل كمان بعد الشغل.”
وهنا بكى القديس أنطونيوس ورفع عينه للسماء وقال: “شكرًا لك يا رب!” وقام بص للإسكافي اللي كان لسه محتار من سبب الزيارة دي وودعه وحضنه بمحبة وقال له: “وشكرًا لك أنت كمان يا رجل يا مبارك. شكرًا لك، لأنك علمتني إزاي ممكن للإنسان أنه بسهولة يعيش في نعمة الفردوس لو كان له ذهن متضع زي ذهنك.”
وقام القديس ومسك العصاية بتاعته وبدأ طريق عودته للصحراء، وفضل ماشي لوحده مش صوت العصاية بتاعته. ومع مشيه، اشتعلت صلاته وارتفعت للسماء، وفضل يتأمل طول الطريق في الدرس اللي اتعلمه من الإسكافي البسيط.
وبدأ يفكر بينه وبين نفسه: “التواضع يا أنطونيوس! التواضع هو أسرع طريق للفردوس. التواضع هو الرداء اللي لبسه اللوجوس ونزل به للأرض كإنسان.”
وفي ظل ما القديس ماشي وبيفكر في الدرس اللي اتعلمه، وأد ايه التواضع فضيلة مقدسة محتاجة كفاح عظيم لاقتنائها، إذ به يشوف قدام عينيه مكائد وفخاخ شيطانية لا حصر لها بتحاوطه من كل حتة. كانت فخاخ من كل نوع، وأفكار فظيعة. مكائد عمره ما شاف زيها قبل كده.
“يا إلهي!” صرخ القديس أنطونيوس ورفع عينه المذعورة نحو السماء. “مين يا رب يقدر ينتصر على المكائد ويفلت من الفخاخ الفظيعة دي؟”
وهنا، سمع القديس الصوت الإلهي العذب والحلو مرة تانية داخل قلبه: “التواضع يا أنطونيوس. التواضع هو اللي ممكن وحده ينقذ الشخص من الفخاخ والمكائد دي.”
وكان الرد ده للقديس أنطونيوس هو السبب اللي أداله الشجاعة والصلابة اللي قدر بها يواجه المعارك الجديدة اللي مستنياه في الصحراء العميقة مع العدو الأبدي للإنسان.
نفهم من القصة الرائعة دي، أن لو كان التواضع هو خلاص الإنسان، يبقى العدو الأبدي عدوه الأول هو التواضع، وأن كل ما هو خالي من التواضع هو شيطاني من بدايته لنهايته.
وبكده، نقدر أن أي آليثيا بدون اتضاع هي آليثيا مزيفة، لأنها بلا سر (ميستيريون) وبدون محبة، آليثيا فارغة وفاضية، مافيهاش غير عدم.
وبكده، فالشخص االلي بيبشر بآليثيا خالية من الاتضاع، هو شخص تعليمه خطير ومضرّ حتى لو كان كلامه لاهوتيا دقيق. القديس مكسيموس المعترف بيقول في الصدد ده:
[المعرفة النظرية للروحيات، والتي لا تؤسَّس على حياة الاختبار العملي للإلهيات، ما هي إلا لاهوت شيطاني..] (١)
يا خوفي ورعبي أني أكون ببشر بمعرفة نظرية ولاهوت شيطاني!
وهنا مهم جدا أني أفكر نفسي كل يوم أني مش مُعلم لاهوتي، ولا أنا صاحب خبرة روحية تكفي أني أكون معلم لاهوتي مختبر.
أنا ما إلا مجرد قارئ. مجرد قارئ بيحاول يقرأ ويستوعب إيمانه. طلعت نزلت اتشقلبت اتقلّبت، هو ده حجمي مهما حاولت أنكره.
وطول ما أنا بستخدم اللاهوت علشان أخسر ناس، وأسخر من ناس، وأشتم ناس، وأقلل من ناس، وأتنطت على ناس، وأعلّي نفسي فوق الناس، فأنا بثبت لنفسي أني مجرد خزان معلومات وهمي ولا أمت للاهوت بصلة.
الخبرة اللاهوتية اللي تخليني أقول أن كل شخص هيخلص إلا أنا بسبب كثرة خطاياي، واللي المفروض تساعدني أُصلب لأجل الآخر وأنزل لجحيمه وأقوم معاه من القبر، بتتحول لخبرة شيطانية كلها كبرياء بيصلب الآخر ويهبط بيا لعمق الجحيم ويُغلق عليّ القبر من جوه. فأنا هنا بكبريائي، بحول الكرازة بالبشارة المفرحة لكرازة بذاتي وغروري.
علشان كده، مهم جدا أوضح أن أي حاجة بكتبها هنا مش بتبقى بمثابة تعليم كنسي مقنن يتاخد بدون مراجعة، لأني أصلا مش بكتب علشان أعلم أي حد، لكن مجرد بكتب علشان أشارك قراءات وأفتح طريق لغيري يقرأ ويتعلم ويعرف مصادر ممكن ماتكونش جات فرصة أنها تتعرض قدامه أو قدامها. ولما بشارك إيماني أو عدم إيماني الشخصي بعقيدة معينة، فبتبقى علشان أشارك أفكار ممكن غيري مايكونش جات له فرصة يتعرض لها، ويبدأ يفكر ويسأل ويدور ويكتب ويعلم غيره بما فيهم أنا شخصيًا، مش علشان أقسم الناس لمُخَلَّصين مؤمنين بكلامي، ومهرطقين هالكين بيعارضوني.. أبدًا!
طيب هل ده في حد ذاته كفاية لغيري انه يختبر الآليثيا؟ لأ.
القراءة لوحدها مش كفاية، لأن القراءة لا يمكن تنقل اختبار من شخص لشخص أبدًا. القديس باسيليوس الكبير بيقول:
[«ذوقوا وأنظروا ما أطيب الربّ» (٢).. أنك توصف حلاوة طعم العسل لشخص عمره ما ذاق العسل، فده مش هيخليه يعرف العسل طعمه ايه. الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخليه يعرف طعم العسل هو أنه هو بنفسه يذوق العسل وساعتها بس هيعرف طعمه. نفس الشيء ينطبق على طعم حلاوة الصلاح الإلهي، عمرك ما هتقدر تعرفه من خلال قراءة التعاليم والعقائد في الكتب، إلا إذا كانت التعاليم والعقائد دي بتقودك لخبرة روحية شخصية خاصة بك أنت، تخليك تتذوق حلاوة الصلاح الإلهي بنفسك..] (٣)
المصادر:
(١) القديس مكسيموس المعترف، الرسالة رقم ٢٠
(٢) مزمور ٣٤، عدد ٨
(٣) القديس باسيليوس الكبير، عظة ١٦ على سفر المزامير (مزمور ٣٤)، فقرة ٦