(لماذا نتمسك بصورة إله يعاقبنا؟) هل تدري ما هو أشقى ما صنعه (الله)؟ ... إنه تضحية ابنه الخاصّ لخلاصنا. ابنه! ابنه! ... إنّ القسوة هي أولى صفات الله». هذه الكلمات يقولها أحد أشخاص الرواية لصديق له في رواية «مزيفو النقد» [١] في صيف 1973، الدنيا اتقلبت في السويد على قصة غريبة أوي. واحد اقتحم …
(لماذا نتمسك بصورة إله يعاقبنا؟)
هل تدري ما هو أشقى ما صنعه (الله)؟ … إنه تضحية ابنه الخاصّ لخلاصنا. ابنه! ابنه! … إنّ القسوة هي أولى صفات الله».
هذه الكلمات يقولها أحد أشخاص الرواية لصديق له في رواية «مزيفو النقد» [١]
في صيف 1973، الدنيا اتقلبت في السويد على قصة غريبة أوي. واحد اقتحم بنك وخد أربعة موظفين رهائن. بعد ست أيام من التوتر، الرهائن خرجوا بالسلامة، بس اللي حصل بعد كده كان صدمة للعالم: الرهائن دول دافعوا عن الخاطف بتاعهم، ورفضوا يشهدوا ضده في المحكمة، وجمعوا له فلوس عشان يدفع مصاريف المحامي بتاعه. العلماء سموا الحالة دي “متلازمة ستوكهولم”: وهي حالة نفسية غريبة بتخلي الضحية تتعاطف مع اللي بيعتدي عليها وتشوفه منقذها الوحيد، وده عشان تعرف تفضل عايشة.
السبب بسيط ومخيف في نفس الوقت. لما عقل البني آدم يواجه خطر ما يقدرش يهرب منه، بيختار إنه يتعايش معاه. بيبص على اللي بيأذيه على إنه مصدر للخطر والأمان فى نفس الوقت، وبيقول لنفسه: “طالما هو الشخص الوحيد اللي ممكن يموتني، يبقى الأحسن إني أشوفه حامي ليا”
النسخة المصغرة من المتلازمة
نفس الفكرة دي بنشوفها في علاقة الطفل بأبوه القاسي. الطفل ما يقدرش يشوف أبوه على إنه شرير، لأن ده بيهدد أمانه النفسي. الأب هو مصدر الحماية والحياة. يعنى إيه؟ … بيحكى الطبيب النفسى ماتييه جابور فى فيلم وثائقي (The wisdom of trauma) عن طفلة عندها خمس سنوات، أبوها بيضربها بالحزام وهي بتتألم.
هي لا تفهم ما يحدث، كل ما تشعر به هو الألم، جسدياً ونفسياً، لأن هذا الرجل الذي من المفترض أن يحبها، يضربها
لذلك عندما يتم ضربك بهذه الطريقة، هناك احتمالان فقط
(والدي شخص سيء ويكرهني) أو (أنا شخص سيء)
لذا فإن الحماية الوحيدة هي الاعتقاد بأنني (لستُ محبوباً).]
اللى بيحصل أن عقل الطفل بيلف على المصيبة اللى بتحصله عشان يعرف يحتمل وبيختار:
“أنا السبب… أنا اللي غلط”.
وهنا، الذنب ما بيبقاش مجرد فعل معين، لأ، ده بيتحول لـهوية كاملة. الطفل ما بيشوفش نفسه واحد عمل غلط، لأ، بيشوف نفسه “الخطأ ذاته” اللي يستاهل العقاب.
[يقول الطفل لنفسه: (إن الذين يرعوننى ليسوا بالتأكيد مجانين أو يعانون من مشكلة نفسية، لابد أن المشكلة تتعلق بى). يضطر الطفل إلى الحفاظ على هذا الطابع المثالى. إن عقول الأطفال متمحورة حول ذواتهم وتفكر بشكل سحرى وغير منطقي. إنهم يعتمدون بالكامل على الآباء من أجل البقاء. وإضفاء المثالية يتضمن البقاء. لو كان والداى مريضين أو مجنونين، ميف سأبقى على قيد الحياة؟ الأمر متعلق بى لا محالة. أنا مجنون. ثمة شئ خاطئ بى، وإلا لم يكونا ليعاملانى بهذه الطريقة].[٢] جون برادشو
وعلى نفس الخط بيقول د. عماد رشاد عثمان فى كتاب (أبى الذى أكره):
(لكن المشكلة تحدث إذا حدث خلل ما في علاقة الطفل بأبويه، فالأب المنتقد مثلاً يؤدى الخلط بينه وبين نموذج الله إلى نشوء ضمير ديني جلاد، وصوت خلفي دائم الصفع عند كل فعل. والأب الجافى – لسبب هذا الخلط – يشوه أيضا صورة الله المتعلقة بالسلطة الأبوية لدى المراهق والبالغ فيما بعد، فيشعر دوما أن الأرض محروقة بينه وبين ربه، لا سبيل للوصول إليه، ولا إمكان له في القرب. يشعر دوما أنه منبوذ من السماء محروم من إيلاف الرب). [٣]
متلازمة ستوكهولم على مستوى الكون
أنتم الآن تفكرون: ما علاقة هذا بموت يسوع؟ ما علاقة هذا بـ”الفداء”؟ وما علاقة هذا بـ”الخلاص”؟ العلاقة هي كل شيء. فالفكرة هي: الله يحل مشكلة الشر في العالم، ونحن نحذو حذوه.
لما ننقل نفس النمط ده لصورة الله في اللاهوت العقابي البدلي، هنلاقي الفكرة نفسها بتتكرر على مستوى الكون كله. ربنا بيتقدم للإنسان على إنه إله غضبان، يريد العدالة والقصاص. مش بيرضى غير بعقاب وسفك دم. في النظرة دي، الخطيئة مش مجرد أفعال، لأ، دي طبيعة الإنسان نفسه. هنا بيترسخ إحساس: “أنا خاطئ، بل أنا الخطيئة ذاتها”. ربنا بيبان هنا إنه “الخاطف” اللي بيفرض العقاب، وفي نفس الوقت “المنقذ” اللي بيفتح باب النجاة عن طريق بديل (اللي هو المسيح المصلوب).
الإنسان، كضحية، يتعلّق بصورة الله القاسية كأنها طوق نجاته الوحيد. إنه يبرر الغضب الإلهي بقوله: “هو عادل”، حتى لو كان ذلك يخلق لديه خوفًا عميقًا ممزوجًا بالحب.
وهنا، المعادلة الستوكهولمية دي بتتكرر:
الخاطف = الله الغضبان
الضحية = الإنسان
طريقة البقاء = إن الضحية تتعاطف مع الجاني وتشوف الخلاص منه هو الحل الوحيد
لماذا يتجاهل الإنسان هذا التناقض الداخلى؟
يتعلق الأمر بالبقاء النفسي. فالإنسان يريد النجاة، ولذلك يركز على دور الله كـ”منقذ” ويتجاهل دوره كـ”معاقب”. تمامًا مثلما تقول رهينة ستوكهولم: “الخاطف ليس سيئًا بالكامل، فقد أعطاني طعامًا.”
هذا الارتباط المشوّه يخلق علاقة غير مستقرة، حيث يصبح الحب ممزوجًا بالخوف، وتصبح صورة الله مزدوجة: قاسٍ ورحيم في آن واحد. هذا يخلق ديناميكية “الجلاد-الضحية” التي تؤثر على عمق العلاقة الروحية.
[أريد أن أؤكد ببساطة، أن الكثيرين لاحظوا وجود علاقة واضحة بين الطرق التي وصف بها الناس معنى موت يسوع، والطرق التي رأوها مناسبة ‘لحل’ المشكلات في العالم. وأدعو أنه إذا احتاج الله أن يعاقب، فيمكننا أن نفعل ذلك أيضاً، وإذا كان الله يحل المشكلات باستخدام العنف، فربما يريدنا أن نتصرف بتلك الطريقة أيضاً.] [٤] ان. تي. رايت
ما التبعات لتبنى هذه النظرة المشوهة لله؟
العلاقة دي بتخلق حالة مشوهة: حب ممزوج بخوف عميق. الإنسان بيبرر غضب ربنا (هو عادل ومحق) حتى لو من جواه بيحس بخوف. ربنا بيكون له دورين متناقضين: معاقب ومنقذ في نفس الوقت. المؤمن بيتشبث بالدور الإيجابي (المنقذ) ويتجاهل أو يبرر الدور السلبي (المعاقب)، وده بالضبط اللي عملته رهائن البنك.
وهنا بيشرح ان. تي. رايت
[الأشخاص الذين نشأوا في أسرة بها أب عنيف، وربما سكير… فعندما يسمعون شخصاً على المنبر يروي قصة الله الفاضل، سوف يفكرون: ‘أعرف هذه الشخصية، وأنا أكرهها’. ليس من المفيد أن تقول للناس… إن هذا الإله الغاضب هو في الحقيقة إله محب متنكر، لأن هذا يجعلهم يفكرون؛ ‘إذا كان هذا هو الحب، فأنا لا أريده’ فمن المرجح جدا أن يكون المعتدي أخبرهم كم ‘يحبهم’. لا يمكنك شفاء شخص ما من أثر جراح تربية مسيئة، عن طريق إعادة إخباره القصة نفسها بمنظور كوني، ثم إقحام كلمة ‘الحب’ بهذه البساطة.”]. [٥]
فكر كده… [كيف حصلت على فهمك مَنْ هو الله؟ كيف رأيته في طفولتك، وكيف تغير هذا في شبابك؟ كما ذكرت سابقاً، معظمنا حصل على فكرته عن الله من نموذج السلطة السائدة في حياتنا، وبشكل عام الأب.
لو كان والدك أوتوقراطياً، وفقاً لشدة أسلوبه في تعامله معك، قد ترى الله كقاض أو ديان: وبالتالي الله بالنسبة لك هو الإله الذي يراقبك لِيقبض عليك وأنت تفعل أمرًا خاطئاً.
لو كان والدك من النوع المتساهل، فإنك ستكبر وأنت تشعر أن الله غير مهتم بما تفعل أو لا تفعل. وإن كان لديك أب متغيب دائمًا فإنك بلا شك ستشعر أن الله بعيد عنك.
ولكن إن كان والدك من النوع الحب، وكان يضع القوانين ضمن سياق علاقة الأب بابنه، ففي الأغلب سترى الله كمَنْ يحبك ويهتم بك. وستدرك غالباً أنه يقبلك كما أنت، وأن وصاياه هي لإرشادك. إن كان هذا هو الحال، فإن فرص قبولك للمسيح كمخلص وسيد لحياتك ستكون كثيرة جدًا.] [٦] جوش ماكدويل
مما يوصلنا للاستنتاج ان فيه إله منفصم الشخصية ذات صراع داخلي، عايز يصالح بين حبه وعدله، عايز يحل الصراع ده، بينما المشكلة الحقيقية عند الإنسان. الإنسان هو اللي محتاج تدخل الله عشان ينقذه من المشكلة اللي عملها في نفسه.
الإنسان بيخلق “معاقب داخلي” وبيتعايش معاه، وبيسميه “المبرر”. وعشان يصالح فكرة المعاقب الداخلي دي مع صورة الإله المحب اللي بيتمناها، بيسمي العقاب “العدالة الإلهية”. فـ”البدلية العقابية” بتسمي الفداء “مصالحة الحب مع العدالة”.
وقد تتطور النظرية دي وتبقى نظرة للكون كله. الإنسان بيطلع غضبه المكبوت ده والمعاقب الداخلي اللي عنده على الناس التانية. بيصدق إن العقاب هو حل المشاكل، فيبرر العنف في الحروب والقضاء. نظرية العقاب دي بتسيب بصمتها على كل نواحي الحياة: علاقة جلد ذاتي مع نفسه(المعاقب الداخلى)، ومعاقبة الآخرين(المعاقب الخارجى)، ولهث مرضي ورا إرضاء ربنا عشان يتجنب غضبه (الإله المعاقب).
وده كله بيرجعنا للمأزق اللي بيقع فيه عقل كتير من الناس:
لو قبل الفكرة المشوهة “الإله/الأب القاسي”، بيعيش في علاقة مشوهة: حب مشروط، خوف مستمر، ومحاولات مرضية لإرضاء إله بيعاقب وبينقذ في نفس الوقت.
ولو رفض الفكرة دي، أحيانًا بيشوف إن مفيش مخرج غير الإلحاد، لأن الصورة المعروضة لله لا تُحتَمَل.
وهنا تظهر القيمة الكبيرة: إن لازم يتقدم بشارة لصورة الله الشافى — وليس صورة الأب الغاضب، صورة الإله اللي:
الغفران عنده مش مساومة مع العدل، بل امتداد لطبيعته المحبة.
الألم مش عقوبة منه، لكنه النتيجة الطبيعية للانفصال عنه.
التدخل الإلهي مش عشان يسكت غضبه، لكن عشان ينقذ الإنسان من الصراع الداخلي اللي صنعه بنفسه.
يقول المدافعون إن هذا التحليل يتجاهل الجوهر الحقيقي للحب الإلهي، فالمسيح ليس مجرد بديل، بل هو الله نفسه الذي اختار بحرية أن يحمل الخطايا. هذا يجعل “العقاب” تعبيرًا عن التضحية القصوى وليس عن القسوة.
لكن، لو افترضنا أن هذه الحجة صحيحة لاهوتيًا، فإنها لا تزيل التداعيات النفسية المترتبة على النموذج العقابي. فهل يمحو هذا الحب المعلن شعور الخوف من العقاب الذي يظل كامنًا في اللاوعي؟ وهل يمكن لعلاقة أن تكون صحية عندما يتم بناؤها على تبرير القسوة كجزء من “العدالة”؟
الطفل ده هيكبر بواحد من الاتجاهين دول
الإلحاد صريح أو إيمان مريض بالله، ظاهره (حب) لكن جوهره (خوف)…
الاتجاهين فيهم (غضب) الفرق بينهم أن واحد معلن والتانى مكبوت.
[العيش في ظل نظام أوتوقراطي أو مستبد يؤدي إلى رد فعل الأبناء بإحدى طريقتين: الفَرَ أو الكَرَ (الهروب أو الهجوم). لكن في كلتا الحالتين التجاوي يكون عادة بالغضب. عندما يختار الأبناء الهرب، فهذا لا يعني حرفياً أنهم يهربون من المنزل، لكنهم ينسحبون عاطفياً ومن العلاقة معنا.. فهم يتصرفون وحدهم، ويكونون “مطيعين”، ظاهرياً على الأقل: إلا أنهم غالباً ما يشعرون بالغضب في داخلهم. ربما سمعت بقصة الولد الذي قال له أبوه أن يجلس، لم يرغب الولد بالجلوس، وعبّر لوالده عن عدم رغبته. في تلك اللحظة قال له الأب: “اجلس وإلا أجبرك على الجلوس”. أطاع الولد بسرعة، لكنه بينما كان يجلس تمتم في قلبه: “قد أكون جالساً من الخارج، لكنني واقف من الداخل.” إن الطاعة الإجبارية على يدي أي متسلط نادراً ما تنتج أبناء متحمسين لعمل ما هو صحيح، حتى لو كانوا يطيعون القوانين بهدوء: فالطفل المسيطر عليه هو طفل مقهور وغضبان في داخله.
لكن عندما يختار الطفل الهجوم (الكَرَ) فإن غضبه سيكون واضحاً. كانت تلك حالة القس صديقي، والذي كان أبناؤه في حالة تمرِّد واضح. لقد رأى أبناؤه القوانين بوضوح، وكيف تمْ إجبارهم عليها: ولم يعجبهم هذا. فكر بهذا.. كيف تنظر إلى القوانين التي تحد من حركتك ومتعتك؟ إننا نقاوم القوانين في العادة لأنها قوانين.. هكذا هي تركيبنا. القوانين لم يقصد بها أبداً أن تُستخدم خارج علاقة تتسْمُ بالحب.]
فكر كده معايا فالسؤال ده:
[ماذا سيكون ردك إذا سألتك هذا السؤال: “هل تؤمن بصدق أن الله يحبك، وأنها ليست مجرد فكرة مجردة لاهوتية أن الله يجب أن يحبك؟”.
إذا تمكنت من الإجابة بأمانة وبثقة على السؤال: “نعم، أبا يحبنى حبا جما”، فسوف تختبر رحمة تملؤك بالاطمئنان تجاه نفسك، تعرف فى ظلها معنى اللطف.] [٨] برينان مانينج
[1] الله والشر والمصير / كوستى بندلى ص٢٣٠
[2] الشفاء من الخجل السام/ جون برادشو ص١٢٣
[3] أبى الذى أكره/ د. عماد رشاد عثمان ص٦٠
[٤، ٥]يوم بدأت الثورة / ان. تي. رايت ص٥٢
[٦] ١٠ إلتزامات للأباء / جوش ماكدويل ص٧٦
[٧]١٠ إلتزامات للأباء / جوش ماكدويل ص٢٥
[٨] بين ذراعي أبى / برينان مانينج ص٨٨
لو كملت قراية لحد هنا أحب أعرف هل تحب اكتب مقال تعرف إزاى الارثوزكسية بتقدم الفكر الشفائى عن الله؟








التعليقات
مريم
مقال اكتر من رائع وعجبني في الآخر ذكر رأي المدافعين عن الموضوع ده، من حيث استعراض كل الافكار مش اننا بنستدل بطريقتهم، وعجبني السؤال الآخير في المقال كمان، اتمني لكم استمرار اللي بتعملوه ده.