لم تكن البروتستانتية في جوهرها التاريخي مجرد حركة إصلاح ديني، بل كانت لحظة تمرد على سر الكنيسة نفسه. حين توهم الإنسان أن بوسعه تشييد خلاصاً فردياً بعيدًا عن جسد الكنسية وبمعزلٍ عن تقليدها الرسولي. وهنا يتجلى " برج بابل الجديد" ، مشروع روحي بدأ بوعد التحرر، ثم ما لبث أن تحول إلى تعدد لا نهائي …

لم تكن البروتستانتية في جوهرها التاريخي مجرد حركة إصلاح ديني، بل كانت لحظة تمرد على سر الكنيسة نفسه. حين توهم الإنسان أن بوسعه تشييد خلاصاً فردياً بعيدًا عن جسد الكنسية وبمعزلٍ عن تقليدها الرسولي. وهنا يتجلى ” برج بابل الجديد” ، مشروع روحي بدأ بوعد التحرر، ثم ما لبث أن تحول إلى تعدد لا نهائي في “الألسنة” والتأويل، و”لغات” لاهوتية متنازعة، كلٌ منها يدّعي أنه الحقيقة. وكما في قصة البرج القديم، لم يكن السقوط صاخباً ، بل جاء على هيئة انهيار داخلي حيث انقسم الوعي وتاهت الحقيقة. لقد ارتفع البناء سريعا على خيال الاستقلال المطلق، ثم هوى تحت ثقل الذات المنتفخة التي انفصل فيها الإيمان عن مرجعية الكنيسة، فتحول السعي إلى السماء إلى تيه أرضي لا يعرف الاستقرار!

” كان صرحًا من خيالٍ فهوى”.. عبارة غنّتها أم كلثوم في سياقٍ عاطفي، لكنها تصلح – بما تحمله من كثافة رمزية – أن تكون تعبيرًا صادقًا عن الصرح البروتستانتي الذي شُيّدَ على الاندفاع أكثر مما شُيّدَ على التماسك، وتأسس على القطيعة أكثر مما قام على الإمتداد.
فكما ينهار الوهم حين يصطدم بصلابة الواقع، هكذا تنهار البنية البروتستانية حين تُوضع أمام امتحان الاتساق الداخلي، وحين يطالب مشروعٌ قائم على القطيعة بأن يقدم بديلا متماسكًا لا مجرد احتجاج دائم.
وحين تُفحص البروتستانتية في النور يتبدى لنا عوارها ، إذ تكشف لنا عن منظومة بلا مركز ولا مرجعية جامعة ولا قدرة على إنتاج معنى مستقر.

وهنا نحن لسنا بصدد إدانة أبناء البروتستانتة والمنتمين إليها والسائرون في ركابها ، بل نحن هنا نفحص ونكشف عن منظومة لاهوتية ادعت التحرر فانتهت إلى التفكك ، ورفعت شعار “العودة إلى النص” ففتحت الباب على مصراعيه أمام تشظي المعنى وإنقسام وحدة الحقيقة الإلهية !

وحين رفعت البروتستانتية هذا الشعار، لم تتمكن من العودة إلى أي أساس راسخ، بل أنها محت الذاكرة وسممت الوعي الكنسي وحطمت الجسر الذي يربط النص بمعناه الأصيل.
كان هذا الصرح مشيدًا على شعاراتٍ براقة، كحرية الفرد ، وسلطان النص، ونبذ الوساطة، لكنه افتقر منذ اللحظة الأولى إلى الأساس الذي يحول دون انهياره عند أول إختبار حقيقي.
انتجت البروتستانتية فوضى لاهوتية غير مسبوقة، فصار كل فرد كنيسة ومُفسِّر، وبات كل تأويلٍ حقيقة، وأمست كل قطيعة لميراث الكنيسة بمثابة فضيلة!
تحول النص المقدس من مرجعية جامعة إلى مادة خام لأهواءٍ متعارضة ، وتحول الإيمان من بناءٍ تراكمي أساسه سر الكنيسة جسد المسيح الحي، إلى تجربة ذاتية تبعد صاحبها عن الشركة في هذا الجسد الحي، وتدغدغ غرور “الأنا” فتمعن في تعميق اغتراب الإنسان بعيدًا عن هذا الجسد.

وتقف حركة “الإصلاح” البروتستانتي في القرن السادس عشر كحدث زلزالي، لا يزال صداه يتردد حتى يومنا هذا في صورة انقسام مؤلم وتعددية لاهوتية فوضوية. وبدلا من مواجهة النفس بحقيقة هذا الانقسام الشرير لتشخيص أصل الداء ومن ثم تحديد مايلزم من دواء، نجد أن دعاة هذا “الإصلاح” يطرحون حركتهم على أنها عودة بطولية إلى “بساطة الإنجيل” ونقاوة “الكنيسة الأولى”، وثورة ضرورية ضد فساد وانحرافات كنيسة روما في العصور الوسطى. وبكل تأكيد كان الفساد اللاتيني في ذلك الوقت سبباً لهذا الحراك الإصلاحي، لكن هذا الحراك أنتج فساداً في الإتجاه المعاكس!!
لأن الفحص الدقيق والمنهجي، من منظور الكنيسة الأرثوذكسية – التي حفظت “وديعة الإيمان” (1 تيموثاوس 6: 20) بلا تغيير أو تحريف – يكشف أن هذا “الإصلاح” لم يكن عودةً إلى الكنيسة الأولى، بل كان قطيعة جذرية عنها، لم يكن تصحيحًا للمسار، بل كان تأسيسًا لمسار جديد تمامًا، مسار غريب عن العقل الآبائي والتقليد الرسولي الذي عاشت به الكنيسة الأرثوذكسية لألف وخمسمائة عام و اختبرته الكنيسة الجامعة حتى القرن الحادي عشر وقبل إنفصال الغرب اللاتيني عن الشرق اليوناني.

وهنا تقتضي الأمانة أن نقوم بتفكيك الأسس التي قامت عليها البروتستانتية، ليس من باب الجدال العقيم، بل من باب الشهادة للحق وكشف التناقضات الداخلية التي تجعل من هذا البناء اللاهوتي بناءً متصدعًا لا يقوى على الصمود أمام الفحص التاريخي واللاهوتي. لأن مبادئ مثل “الكتاب المقدس وحده” و”الإيمان وحده” لم تكن تحريرًا للمؤمن، بل كانت سجنًا له في ذاتيته وفردانيته، ولأن رفض البروتستانتية للكنيسة ككيان سرائري وسلطة إلهية حية، قد أفرغ المسيحية من حقيقتها الخلاصية وحولها إلى مجرد فلسفة شخصية أو مجموعة حقائق ذهنية!

وقبل الخوض في نقد مباديء حركة “الإصلاح” ، لا بد من تفنيد الاتهام المنهجي القائل بأن النقد الأرثوذكسي للبروتستانتية هو مجرد “مغالطة رجل قش” (Strawman Fallacy)، أي أنه يهاجم نسخة مشوهة ومبسطة من البروتستانتية. هذا الاتهام هو في حقيقته محاولة للتهرب من النقد الجوهري للفكر البروتستانتي.

إن الطبيعة المراوغة للبروتستانتية هي أول تحدٍ يواجه أي ناقد لها. فالبروتستانتية ليست كيانًا واحدًا، بل هي طيف واسع يضم آلاف الطوائف المتناحرة لاهوتيًا، من اللوثرية التاريخية إلى الكالفينية الصارمة، ومن المعمدانية إلى الخمسينية الانفعالية. هذا التشرذم ليس عرضيًا، بل هو النتيجة الحتمية لمبدأ “التفسير الفردي”. فعندما يهاجم كاتب أرثوذكسي فكرة “رفض المعمودية كوسيلة للخلاص”، فهو لا يهاجم اللوثرية التاريخية، بل يهاجم الفكر المعمداني والإنجيلي السائد الذي غزت إرسالياته الشرق. وعندما ينتقد “لاهوت الرخاء” (Prosperity Gospel)، فهو لا يهاجم الكالفينية، بل يرد على انحراف حديث شائع في الكنائس الكاريزماتية. إذًا، النقد الأرثوذكسي ليس بناء “لرجل قش”، بل هو رد فعل رعوي على تعاليم وأفكار محددة تسللت إلى الوعي الأرثوذكسي تحت وطأة الضربات التي كالها المرسلين البروتستانت إلى كنيسة الشرق. لذا فإن الإدعاء بأن “هذه ليست البروتستانتية الحقيقية” عند كل مرة ننتقد فيها فكرة بروتستانتية فاسدة ، لهو تملص من المسؤولية عن الفوضى اللاهوتية التي أنتجها مبدأ “الكتاب المقدس وحده” ، ذلك المبدأ الذي هو حجر الزاوية في برج بابل البروتستانتي.

لقد زرع قادة الأصلاح بذرة الإنقسام المميتة، فأنبتت طوائف لا حصر لها ، وجاءت الأرساليات إلى الشرق تحمل ثمار الشقاق المسمومة هذه ، فانقسم البيت الواحد على نفسه ، فتجد في مصر على سبيل المثال أن العائلة الواحدة قد تصدعت من الداخل فترك الأخ أخيه ليتبع الوهم البابلي البروتستانتي!
وإذا أراد البروتستانت مرجعية الكتاب المقدس في هذا الشأن، فنقول لهم ما قاله الرسول بولس: “وأعمال الجسد ظاهرة، التي هي ….. خصومات ، نزاع ، غيرة ، سخط ، تحزب ، شقاق… الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله” (غلاطية ٥ : ١٩-٢١)… أي أن من غرسوا هذه البذار هم أبعد ما يكون عن الاستنارة الروحية.

وفي رسالة يعقوب (تلك الرسالة التي لم يكف مارتن لوثر عن إزدرائها، ولطالما وصف إياها بأنها “رسالة من قش”) نجده يقول: ” لأنه حيث الغيرة والتحزب هناك التشويش وكل أمر رديء” (يعقوب ٣ : ١٦ )
،

والكنيسة الأرثوذكسية لا ترى نفسها مجرد طائفة ضمن طوائف، بل ترى نفسها استمرارية حية للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية. من هذا المنطلق، فإن واجبها ليس فقط تعليم الإيمان الصحيح، بل أيضًا حمايته من التعاليم الخاطئة ونفايات العصور الوسطى التي جلبتها علينا غزوات الإرساليات الغربية. وفي واقع الأمر هذا ما فعله الرسل (غل ١: ٨-٩)، وهذا ما فعله آباء الكنيسة في مواجهة الغنوسية والآريوسية والنسطورية.
فمثلا يقول القديس أثناسيوس الرسولي في دفاعه عن ألوهية الروح القدس: “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء “.¹
لذا فإن النقد الأرثوذكسي للبروتستانتية هو امتداد لهذا الواجب الرسولي والآبائي في حفظ الإيمان الذي ائتُمِنَت عليه الكنيسة وحفظته لنا بتعب القديسين ودماء الشهداء.

إن المبدأ البروتستانتي الشهير “الكتاب المقدس وحده” (Sola Scriptura) – هو بمثابة دستور الفوضى البروتستانتية، بل هو المحور الذي تدور حوله البروتستانتية برمتها، وهو في الوقت عينه أصل علتها القاتلة. إنه مبدأ جذاب في بساطته، مدمر في نتائجه، وغير كتابي في جوهره.
هذا المبدأ لا وجود له في الكتاب المقدس نفسه. لا توجد آية واحدة تقول إن الكتاب المقدس هو المصدر “الوحيد” للإيمان. بل على العكس، يشير الكتاب المقدس مرارًا وتكرارًا إلى سلطة التقليد الشفهي والكنيسة الحية، فمثلاً نجد الرسول بولس يأمر أهل تسالونيكي: “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ (باليونانية: παραδόσεις – Paradosis أي التقاليد) الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا” (٢ تسالونيكي ٢: ١٥). هنا، يضع الرسول التعليم الشفهي على قدم المساواة مع التعليم المكتوب.
كما يصف الرسول بولس الكنيسة، وليس الكتاب، بأنها “عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ” (١ تيموثاوس ٣: ١٥). الكنيسة هي الحاملة للحق والمؤتمنة عليه.

كما أن وهم ” الكتب المقدس وحده” يحمل مغالطة تاريخية فادحة لأن الكنيسة سبقت الكتاب، والتجسد سبق الأناجيل، وما الأسفار إلا شهادة لهذا التجسد الذي هو محور تدبير الخلاص كله، فجوهر الإيمان المسيحي برمته هو الاتحاد الأقنومي بين طبيعتنا وبين اللاهوت في المسيح، وإختزال هذا في نص كتابي فقط وبمعزل عن السرائر التي فيها نتحد كيانيا بالمسيح، لهو بمثابة جريمة مروعة!

الكتاب المقدس بعهديه هو كتاب الكنيسة. العهد القديم تسلمته الكنيسة من الشعب اليهودي وقرأته قراءة مسيانية جديدة، أو بمعنى آخر قامت بتعميده! بينما العهد الجديد هو نتاج حياة الكنيسة الأولى وشهادتها، كذلك يمكننا إعتبار أن التسليم الرسولي (Paradosis) هو سابق الوجود على أسفار العهد الجديد ، فقد عاشت الكنيسة الأولى عشرات السنين على الكرازة الشفهية للرسل وكان هذا التسليم الحي هو الإنجيل قبل أن يُدوّن، فالأصل هو التقليد الرسولي لا النص، وتاريخياً نجد أن رسائل بولس الرسول قد دونت قبل البشائر الأربعة ، ما يعني أن التقليد والتسليم الرسولي هو الذي حفظ جوهر الإيمان ،لا النصوص في حد ذاتها.
فضلا عن دور الكنيسة في تحديد قانونية الأسفار نفسها ، فلم يأتِ الكتاب المقدس بقائمة محتوياته جاهزة، بل أن الكنيسة، ممثلة في آبائها ومجامعها (مثل مجمع هيبو 393م وقرطاجنة 397م)، هي التي قامت بعملية فرز دقيقة لتحديد الأسفار الموحى بها. فكيف يمكن للمُنتَج (الكتاب) أن يكون هو السلطة الوحيدة على مُنتِجه (الكنيسة)؟ إن هذا قلب للمنطق التاريخي، وانعكاس شديد الوضوح للخلل البروتستانتي الذي يغفل هذه الحقيقة ، بل ويتمرد بكل صلف على التقليد الرسولي الذي حفظ له الكتاب الذي يحمله بين يديه ويدعي أنه المصدر الوحيد للإيمان!
يا أبناء البروتستانتية، إن رفضكم للتقليد الرسولي هو رفض للكتاب المقدس ذاته، ألا تدركون هذا؟!!
والأسوأ من هذا كله ، أن البروتستانتية حولت المسيحية إلى ديانة “كتاب” وفصلته عن التقليد والسرائر، ففصلت الرأس(أي المسيح) عن الجسد (أي الكنيسة) ، وحقيقة الأمر أن أسوأ الهرطقات وأشرها لم تنجح فيما نجحت فيه حركة “الإصلاح”!!!!

يكتب المؤرخ الكنسي الشهير ياروسلاف بيليكان (الذي كان أبوه قساً لوثرياً لكنه تجاوز إرث القطيعة والانقسام هذا ، فاستنار لينضم إلى جسد الكنيسة في مارس ١٩٩٨): “التقليد هو الإيمان الحي للأموات؛ أما التقليدوية فهي الإيمان الميت للأحياء”.² لقد استبدلت البروتستانتية التقليد الحي (الإيمان الذي عاشه الآباء) بالتقليدوية الميتة (التمسك الحرفي بنص مجرد من سياقه الكنسي، والقطيعة مع التقليد الرسولي نفسه الذي هو بمثابة تقليد بروتستانتي ميت في حد ذاته).

وللحديث بقية…

———–

١- مدخل إلى علم الآباء – المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

² Pelikan, Jaroslav. The Vindication of Tradition: The 1983 Jefferson Lecture in the Humanities. New Haven: Yale University Press, 1984.

 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *