في مقالنا السابق كنا قد بدأنا الحديث عن البروتستانتية ، وكان رأينا أنها في جوهرها التاريخي واللاهوتي لم تكن مجرد حركة إصلاح داخل الكنيسة، بل كانت تمردًا على سر الكنيسة والتقليد الرسولي، وسعيًا إلى خلاص فردي منفصل عن الجسد الكنسي، الأمر الذي جعلها أشبه بـ«برج بابل جديد» والذي بدأ بوعد التحرر وانتهى إلى تشظي المعنى …
في مقالنا السابق كنا قد بدأنا الحديث عن البروتستانتية ، وكان رأينا أنها في جوهرها التاريخي واللاهوتي لم تكن مجرد حركة إصلاح داخل الكنيسة، بل كانت تمردًا على سر الكنيسة والتقليد الرسولي، وسعيًا إلى خلاص فردي منفصل عن الجسد الكنسي، الأمر الذي جعلها أشبه بـ«برج بابل جديد» والذي بدأ بوعد التحرر وانتهى إلى تشظي المعنى وتعدد لا نهائي في التأويلات المتنازعة. فقد تأسس المشروع البروتستانتي على القطيعة لا الامتداد، وعلى الفردانية لا الشركة، رافعًا شعارات جذابة مثل «الكتاب المقدس وحده» و«الإيمان وحده»، لكنها أفضت عمليًا إلى فوضى لاهوتية شاملة، حيث صار كل فرد مفسرًا وكل تأويل حقيقة قائمة بذاتها، وتحول النص المقدس من مرجعية جامعة إلى مادة خام للأهواء الذاتية.
ومن المنظور الأرثوذكسي، لم يكن “الإصلاح” عودة إلى الكنيسة الأولى أو تصحيحًا لمسار كاثوليكي منحرف في العصر الوسيط، بل كرست البروتستانتية قطيعة جذرية مع التقليد الرسولي والعقل الآبائي الذي عاشت به الكنيسة الجامعة قرونًا طويلة، فتاريخياً نعرف أن الكنيسة قد سبقت الكتاب المقدس ، ولاهوتيًا ندرك أن الكنيسة نفسها هي الجسد الحي للمسيح الذي تشهد عنه الأسفار المقدسة ، وهي التي حفظت وديعة الإيمان وحددت قانونية الأسفار، وهي وحدها «عمود الحق وقاعدته». لذلك كان رأينا – ولا يزال- أن رفض التقليد والكنيسة كجسد سرائري حي قد أفرغ المسيحية من مضمونها الخلاصي وحولها إلى عقيدة فردانية بأن أصبح الفرد وفهمه الشخصي وتأويله الذاتي للنصوص هو الأساس ، فبات الخلاص فلسفة شخصية.
وعليه فإن التشرذم الطائفي والانقسام المؤلم الذي أحدثته البروتستانتية ليس عارضًا، بل هو نتيجة حتمية لمبادئها التأسيسية، ما يجعل النقد الأرثوذكسي لها واجبًا رعويًا ورسوليًا في حفظ الإيمان الواحد الذي تسلمته الكنيسة عبر الآباء والشهداء.
وأحد أبرز الافكار البروتستانية – وأقربها إلى التجديف برأيي!- هو الادعاء بأن الروح القدس يرشد كل فرد لفهم الكتاب فهمًا سليمًا، وبالضرورة يرشد كل طائفة لفهم الكتاب فهماً سليماً، وقطعاً فإن ذلك يعد وهماً ساذجاً تكذبه آلاف الطوائف البروتستانتية المتضاربة. إن نفس الروح لا يمكن أن يقود شخصًا إلى أن المعمودية ضرورية للخلاص (اللوثرية)، وآخر إلى أنها رمز فقط (المعمدانية)، وثالثًا إلى أنها غير ضرورية على الإطلاق (جيش الخلاص). هذا ليس تنوعًا، بل هو تناقض وفوضى مدمرة وتجديف على الروح القدس نفسه!
لقد حذر بطرس الرسول نفسه من هذا الأمر قائلًا إن في رسائل بولس “أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ” (2 بطرس 3: 16).
لقد قوض مبدأ «الكتاب المقدس وحده» (Sola Scriptura) السلطة الموضوعية للكنيسة، واستبدلها باستبدادٍ خفيّ تمارسه «الأنا» المفسِّرة، حيث صار الفرد هو الحكم والميزان. وهكذا لم تكتفِ البروتستانتية بفصل النص عن الكنيسة، بل ذهبت أبعد من ذلك حين نزعت عن المسيحية سرّها الحي، واستعاضت عن سرّ المسيح وشركتنا الكيانية في الحياة الإلهية بنصٍ مجرّد، فحوّلت الإيمان من إتحاد كياني بين طبيعتنا البشرية وبين اللاهوت في المسيح إلى ممارسة ذهنية تحدها النصوص والأوراق، ومن حياة تُعاش إلى نصوص ومنظومة معلوماتية تُقرأ وتُفحَص ذهنيًّا. وبهذا التحوّل الخطير، أُفرغت المسيحية من بعدها السرائري، وصارت «ديانة كتاب»، بل غدا النص نفسه أشبه بوثنٍ مُقنَّع، يلتف حوله المؤمنون ليتحدثوا عن الله، بدل أن يدخلوا في شركة حقيقية معه. غير أن المسيح لم يأتِ ليمنحنا نصًا، بل جاء ليؤسس شركة حياة فيه ومعه، شركة تتجاوز حدود الحرف، وتعجز الكلمات وحدها عن تأسيسها وشرحها وإدراكها، شركة تُوهَب وتُختَبَر في سرّه الحي وفي جسده أي الكنيسة، وتُعاش فعليًا في السرائر. وهكذا حوّلت حركة «الإصلاح» المسيحية من علاقة كيانية مُخلِّصة في المسيح، إلى علاقة ذهنية جافة مع نص… وتلك هي كارثة الكوارث!!
هنا نأتي إلى إدعاء أصدقائنا البروتستانت أن هذه “الفردانية” هي – كما يقولون – “علاقة شخصية” مع الله. وفي واقع الأمر أن هذا الخداع اللفظي يهدف إلى تجميل عزلة المؤمن في البروتستانتية عن جسد المسيح الحي.
الإيمان الأرثوذكسي هو إيمان “شخصي” بامتياز، ولكنه ليس “فرديًا”. في اللاهوت الأرثوذكسي، الإنسان لا يصبح “شخصًا” (Person) حقيقيًا إلا في علاقة (Communion) مع الآخرين ومع الله. نحن نتحقق كأشخاص داخل شركة جسد المسيح الحي، أي الكنيسة. الخلاص ليس عقدًا فرديًا بيني وبين الله، بل هو تبني لي داخل عائلة الله. يقول اللاهوتي الأرثوذكسي يوحنا زيزيولاس إن “أن تكون يعني أن تكون في علاقة”.³
أما “العلاقة الشخصية” في الفهم الإنجيلي السائد، فعلى الرغم من نبل نيتها، إلا أنها غالبًا ما تُختزل إلى تجربة عاطفية ذاتية ومنعزلة. يصبح مقياس صحة الإيمان هو “شعوري” أو”ذهني”، وليس التوافق مع إيمان الكنيسة الجامعة. هذا هو جوهر الفردانية: “أنا ويسوعي وكتابي المقدس”، مع تهميش كامل للكنيسة والأسرار والتاريخ.
وعلى هذه الدعائم شديدة الأنانية ، كـ«الكتاب المقدس وحده» ، والفردانية البروتستانتية ، تم تشييد برج بابل البروتستانتي ، وأضحى الإنقسام هو الطبيعة الحقيقية والوحيدة والمنطقية للفكر البروتستانتي!
وحين نعرض هذه الحقائق على إخوتنا البروتستانت، يعرضون عنها بوجوههم، ويبادرون إلى تعليلها بأنّ الاختلاف والانقسام «طبيعة بشرية».
ربما هم محقون ، لكن إن ارادوا الدقة فعليهم التأكيد بأن الإنقسام هو طبيعة بشرية للخليقة الساقطة أي “الإنسان العتيق” الذي أدار ظهره إلى الشركة الحقيقية مع الله ، وترك كل ثمار الجنة التي كان الأكل منها هو “شركة” مع الله ، وآثر الفردانية على هذه الشركة ، فاختار أن يأكل من الشجرة الوحيدة التي أعلمه الله أن الأكل منها لا يحقق له هذه الشركة بل يقطعها!
إذاً هذه السردية البروتستانتية – في رأيي – هي تكريس للإنسان العتيق لا للخليقة الجديدة والإنسان الجديد في المسيح!
كما أنّ تبرير الانقسام بوصفه «طبيعة بشرية» يستلزم، من المنظور البروتستانتي ذاته، الإقرار بعدم إمكان الحفاظ على «وحدة الحقيقة الإلهية». إذ يصبح الحق الإلهي، وفق هذا المنطق، قابلاً للانقسام والتشظّي مع هذا العدد الهائل من الطوائف البروتستانتية وتفسيراتها المتعارضة، وهو أمر مستحيل في ذاته، لأن الحق الإلهي واحد لا يتجزأ ولا ينكسر. ومن ثمّ فإنّ الانقسام البروتستانتي يعكس، بلا مواربة، فشلًا في صون وحدة الحقيقة الإلهية، ويضع علامة استفهام كبرى حول ما تطرحه البروتستانتية نفسها في ظل هذا التعدد والانقسام.
. لقد صلى المسيح لكي يكون تلاميذه “وَاحِدًا… لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي” (يوحنا 17: 21). الوحدة المنظورة للكنيسة هي العلامة التي أعطاها المسيح للعالم ليؤمن. فكيف يمكن أن تكون آلاف الطوائف المتناحرة هي تحقيق لهذه الصلاة؟ إن هذا الادعاء هو إقرار بفشل المسيح في حفظ كنيسته، وهو ما لا يقبله الإيمان الأرثوذكسي. يقول القديس كبريانوس أسقف قرطاج في القرن الثالث: “من ينفصل عن الكنيسة ويتحد بزانية (طائفة منشقة)، فهو ينفصل عن وعود الكنيسة… لا يمكن أن يكون له الله أبًا، من ليس له الكنيسة أمًا”.⁴
وفي محاولة يائسة لتبرير قطيعتها مع 1500 عام من التاريخ المسيحي، تلجأ البروتستانتية إلى اتهام الكنيسة الرسولية بأنها انحرفت مبكرًا وتأثرت باليهودية والوثنية!!
وفضلا عن الجهل الشديد بواقع الصراع الوجودي الذي خاضته الكنيسة ضد التهود ، بداية من مجمع أورشليم ٤٩م ، مرورا برسائل القديس إغناطيوس الأنطاكي التي حذرت من العيش حسب اليهودية ، وصولا إلى كفاح الكنيسة ضد الإبيونيين!
فإن إتهام الأرثوذكسية بالتهود يكشف عن جهل لاهوتي شديد لأن الكنيسة لم “تتهود” بتبنيها المذبح والكهنوت، بل “مسحنت” هذه المفاهيم. فالمذبح الأرثوذكسي هو مائدة الرب (1 كورنثوس 10: 21)، والكهنوت هو امتداد لخدمة المسيح “على رتبة ملكي صادق” وليس استمراراً للكهنوت اللاوي الذي انتهى بتمزيق حجاب الهيكل.
المسيحية لم تلغِ المذبح، بل حققت معناه افخارستياً في المسيح فحفظت لنا سر الشكر وسر اتحادنا بالمسيح.
وإذا طالعنا ليتورجيا يوحنا ذهبي الفم ، نجد ذلك التعبير الذي يجهض الدعاوى البروتستانتية المتهافتة ، يقول الكاهن:
” لأنك أنت المقرِّب و المقرَّب والقابل والموزَّع” !!
في الإفخارستيا المسيح يقدم لنا ذاته ، والكاهن هو خادم السر.
إنّ اتهام الكنيسة بالتأثر بالفلسفة اليونانية أو اتهام الكنيسة القبطية بالتأثر بالحضارة المصرية يكشف، في جوهره، جهلًا عميقًا بمبدأ التجسّد ذاته. فالتجسّد ليس حدثًا معزولًا عن التاريخ والثقافة، بل هو دخول الكلمة الإلهي إلى واقع بشري محدّد، بلغةٍ وثقافةٍ وأدوات تعبير معيّنة.
وعليه، فعندما استخدم آباء الكنيسة العظام—كأثناسيوس الرسولي، وكيرلس الإسكندري، والآباء الكبادوكيين—مصطلحات فلسفية مثل «هومووسيوس» (ὁμοούσιος: واحد في الجوهر)، لم يكن ذلك محاولة لـ«تهلين» الإيمان المسيحي أو إخضاعه للفلسفة اليونانية، بل كان توظيفًا واعيًا لأدق الأدوات الفكرية المتاحة آنذاك من أجل الدفاع عن حقيقة إنجيلية جوهرية، هي الألوهية الكاملة للابن، في مواجهة هرطقات استخدمت اللغة الفلسفية ذاتها لتقويض هذا الإيمان. فالآباء لم «يفلسفوا» المسيحية، بل على العكس، عمّدوا الفلسفة وأخضعوها لخدمة الإعلان الإلهي.
ويغفل أصحاب هذا الاتهام حقيقة تاريخية لا جدال فيها، وهي أن أسفار العهد الجديد كُتبت باليونانية، وأن هذه اللغة كانت الوعاء الثقافي الذي احتوى النص المقدس نفسه، والشاهد على سرّ التجسّد. ومن ثمّ، فإن رفض المصطلحات اللاهوتية بحجة أصولها اليونانية لا يمثّل طعنًا في التقليد الكنسي فحسب، بل يمتد منطقيًا ليكون طعنًا في النص الكتابي ذاته.
وبهذا المعنى، فإن هذا الاتهام—من حيث لا يدري أصحابه—يقوّض مبدأ «الكتاب المقدس وحده» الذي يدّعون الدفاع عنه، إذ يفصل النص عن لغته وتاريخه .. لعلهم يتبينون!
ويتخذ اتهام الكنيسة القبطية بالتأثر بالحضارة المصرية عدة أشكال ، فتارة يقولون أن الكنيسة في إيمانها بالثالوث تأثرت بثالوث “إيزيس ، أوزوريس وحورس” وهو اتهام ساذج يغفل وحدانية جوهر الثالوث القدوس.
وتارة أخرى يحاولون الربط بين والدة الإله “ثيئوطوكوس” بايزيس، وهو اتهام يكشف عن قصر النظر البروتستانتي في مصر ، لأنهم لا يدركون حقيقة تكريم العذراء في كل الكنائس الأرثوذكسية لا الكنيسة القبطية وحدها ، فضلا عن كراهيتهم للإنسانية واحتقارهم لها برفضهم لوالدة الإله ، ولا يتسع لنا المجال هنا لشرح العوار الأنثروبولوجي البروتستانتي في هذا الصدد.
ختاماً أقول أن البروتستانتية، بكل أشكالها، تمثل هروبًا..
هروبًا من السلطة الموضوعية للكنيسة إلى الذاتية الفردية…
هروبًا من التاريخ الحي والمتصل إلى نص صامت يُستنطق حسب الأهواء…
هروبًا من الأسرار الإلهية الفاعلة إلى الزيف العاطفي النفساني..
هروبًا من شركة الجسد الواحد إلى عزلة “الأنا” التي نصّبت نفسها حكمًا ومرجعًا ، وبهذا قادت البروتستانتية أتباعها إلى النتيجة المنطقية الوحيدة ألا وهي الإنقسام..
ليست البروتستانتية، في صورتها المنقسمة، إلا برج بابل الجديد؛ مشروعًا دينيًا بدأ برفع شعار الرجوع إلى الكتاب، فانتهى إلى تمزيق معناه. برجٌ شُيّد على أساس الفردانية، لا على صخرة الشركة، فارتفعت طبقاته مع كل تفسير خاص، حتى تبلبلت الألسنة اللاهوتية، وتكاثرت «الحقائق»، وضاعت وحدة الإيمان.
وكما كان برج بابل القديم تمرّدًا مقنّعًا على إرادة الله، وسعيًا للوصول إلى السماء بعيدًا عن طريقه، كذلك هذا البرج الحديث هو تمرّد لاهوتي على صلاة المسيح: «ليكونوا واحدًا». إنه بناءٌ ضد الوحدة، وضد الكنيسة، وضد الشركة، أي ضد روح المسيح نفسه.
وحيثما يُكسَر الحق الإلهي إلى قراءات متناقضة، وحيثما تُستبدل وحدة الجسد الواحد بتعدد الأجساد، نكون لا أمام اختلاف مشروع، بل أمام منطق يلبس ثوب التقوى، لكنه ينقض جوهر التجسد، لأن المسيح لم يؤسس حقًا منقسمًا، ولا جسدًا ممزقًا، ولا كنيسةً تتكلم بألف لسان.
إن برج بابل الجديد لا يقود إلى السماء، بل إلى مزيد من التشتت؛ ولا يشهد للمسيح، بل يشهد ضده!
الرد الأرثوذكسي، بكل حدته ووضوحه، ليس هجومًا شخصيًا، بل هو دعوة للعودة. دعوة للعودة من شتات الفردية إلى شركة الجسد الواحد. دعوة للعودة من النصوص الصامتة إلى الكلمة الحية في الكنيسة الحية. دعوة للعودة من وهم “الإصلاح” إلى حقيقة الإيمان الذي “سُلِّمَ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يهوذا 1: 3).
³ Zizioulas, John D. Being as Communion: Studies in Personhood and the Church. Crestwood, NY: St. Vladimir’s Seminary Press, 1985.
⁴ Cyprian of Carthage. On the Unity of the Church (De Catholicae Ecclesiae Unitate). Chapter 6.







