نبحث أيضًا في تعليم القديس أثناسيوس الرسولي، عمود الأرثوذكسية في عقيدة تجسد الكلمة، ونستجلي حقيقة تعليم القديس أثناسيوس بالتجسد غير المشروط، أي أن الكلمة كان سيتجسد ويصير إنسانًا، حتى لو لم يسقط آدم في العصيان والتعدي، ذلك لأن التجسد الإلهي بالنسبة للقديس أثناسيوس هو تكميل وتتميم لعملية خلق الإنسان من العدم، وغاية التجسد بالنسبة للقديس …

نبحث أيضًا في تعليم القديس أثناسيوس الرسولي، عمود الأرثوذكسية في عقيدة تجسد الكلمة، ونستجلي حقيقة تعليم القديس أثناسيوس بالتجسد غير المشروط، أي أن الكلمة كان سيتجسد ويصير إنسانًا، حتى لو لم يسقط آدم في العصيان والتعدي، ذلك لأن التجسد الإلهي بالنسبة للقديس أثناسيوس هو تكميل وتتميم لعملية خلق الإنسان من العدم، وغاية التجسد بالنسبة للقديس أثناسيوس هي تأليه الإنسان.

يؤكد ق. أثناسيوس على ضرورة التجسد لتكميل الخليقة كالتالي

”إن الأعمال التي يتحدث عنها هنا أن الآب قد أعطاها له ليكملها، هي تلك التي خُلق من أجلها كما يقول في الأمثال: الرب خلقني أول طرقه لأجل أعماله“. [1]

يؤكد ق. أثناسيوس على حتمية وضرورة التجسد للاتحاد بالله كالتالي:

”هذا لأن كلمة الله الذاتي عينه، الذي من الآب، قد لبس الجسد وصار إنسانًا، لأنه لو كان مخلوقًا ثم صار إنسانًا، فإن الإنسان يبقى كما كان دون أن يتحد بالله“. [2]

كما يؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة خطيرة جدًا أن تجسد الكلمة كان لأجل خلاصنا وتأليهنا، مؤكدًا على حقيقة أن تأليه الإنسان هو الخلاص والعكس صحيح كالتالي:

”هكذا لم يكن للإنسان أن يُؤله، لو لم يكن الكلمة هو ابن طبيعي حقيقي وذاتي من الآب. لهذا إذًا، صار الاتحاد هكذا: أن يتحد ما هو بشري بالطبيعة بهذا الذي له طبيعة الألوهة، ويصير خلاص الإنسان وتأليهه مؤكدًا“. [3]

كما يؤكد ق. أثناسيوس على أزلية إرادة التجسد الإلهي عند الله، وليس بسبب سقوط الإنسان تفاجأ الله فدبر التجسد، أو دبر التجسد أزليًا وأنتظر سقوط الإنسان، أو دبر التجسد أزليًا وكان سيتراجع عنه لو لم يخطئ الإنسان، فالتجسد تدبير أزلي حتمي من أجل تكميل الخلق واستمرار الخليقة كالتالي:

”كما أن تجديد خلاصنا قد تأسس في المسيح قبلنا، لكي يمكن إعادة خلقتنا من جديد فيه، فالإرادة والتخطيط قد أُعِد منذ الأزل، أما العمل فقد تحقق عندما استدعت الحاجة وجاء المخلص إلى العالم“. [4]

كما يؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة التجسد غير المشروط، لأن حالة الإنسان في الجنة قبل العصيان، كان يلزمها تجسد الكلمة واتحاده بالجسد لكيلا تصير النعمة من الخارج، بل متحدة بالجسد من الداخل كالتالي:

”ولو أن الله قال كلمة واحدة -بسبب قدرته- وأبطل بها اللعنة، لظهرت قوة الذي أعطى الأمر، ولكن الإنسان كان سيظل كما كان آدم قبل العصيان، لأنه كان سيحصل على النعمة من الخارج دون أن تكون متحدة مع الجسد (فهذه كانت الحالة عندما وُضِع في الجنة)، بل ربما صارت حالته الآن أسوأ مما كان في الجنة بسبب أنه قد تعلّم كيف يعصي“[5]

ويشرح ق. أثناسيوس ويؤكد على حقيقة التجسد غير المشروط من أجل ضمان النعمة وعدم ضياعها أو فقدانها مثلما أخذ آدم وفقد النعمة كالتالي:

”فهو رغم أنه ليس محتاجًا إلا أنه يُقال عنه إن ما أخذه، قد أخذه إنسانيًا، وأيضًا لكي تبقى هذه النعمة مضمونة ما دام الرب نفسه قد أخذ، لأن الإنسان المجرد حينما يأخذ، فهو معرض لأن يفقد أيضًا كما ظهر في حالة (آدم)، لأنه أخذ وفقد. ولكن لكي تبقى النعمة غير متغيرة وغير قابلة للضياع وتظل محفوظة للبشر بشكل أكيد، لذلك فهو يمتلك العطية لنفسه، ولهذا يقول إنه أخذ سلطانًا كإنسان، وهو السلطان الذي كان له دائمُا كإله“.[6]

يؤكد عالم الآبائيات المعروف جوهانس كواستن (لاهوتي كاثوليكي) على أن أساس التعليم اللاهوتي للقديس أثناسيوس المتعلق بعقيدة الفداء والخلاص يرتبط بالتأله كالتالي:

”إن أساس ما كان يدافع عنه ق. أثناسيوس فيما يخص اللوغوس هو عقيدة الفداء والعبارات التالية تعبر عن التعليم اللاهوتي للقديس أثناسيوس: «لقد صار (كلمة الله) إنسانًا لكي ما يؤلهنا θεοποιηθώμεν […]» (تجسد الكلمة: ٥٤) […] لذلك يستدل ق. أثناسيوس على ضرورة تجسد الكلمة وموته من مشيئة الله لفداء البشر، فلم يكن ممكنًا أن نحصل على الفداء، إذا لم يكن الله نفسه قد صار إنسانًا، وإذا لم يكن المسيح هو الله، ولذا فإن اللوغوس باتخاذه الطبيعة البشرية، قد آلّه البشر، وقد غلب الموت ليس من أجل نفسه، بل من أجلنا كلنا“. [7]

كما يستفيض أكثر عالم الآبائيات المعروف توماس تورانس (لاهوتي بروتستانتي) في التأكيد على حقيقة التعليم بالتجسد غير المشروط عند القديس أثناسيوس، وارتباطه بتكميل عقيدة الخلق من العدم عند الآباء، حيث يقول:

”لقد لعبت عقيدة التجسد دورًا إضافيًا في عقيدة (الخلق من العدم) عند الآباء، إذ كشفت أن العالم كان في وضع غير مستقر وغير ثابت تمامًا، مما استدعى من الله الابن أن يوحده بذاته لكي يحفظه وينقذه […] وهكذا بالنظر إلى التجسد بهذه الطريقة، فإنه ينبغي أن يُفهم على أنه (أي التجسد) يكمل عمل الخلق ويتمم علاقة الخليقة (الاعتمادية) بالله، إذًا، فبصورة ما يجب اعتبار أن الخليقة من البداية كانت متوقفة على (أو مشروطة بـ) التجسد“.[8]

وبالتالي، يؤكد البروفيسور توماس تورانس على أن التعليم بالتجسد غير المشروط هو تعليم أصيل عند ق. أثناسيوس.

كما يتحدث بروفيسور جوستاف أولين (لاهوتي لوثري بروتستانتي) أيضًا عن تعليم التجسد غير المشروط عند ق. أثناسيوس كالتالي:

”لذلك يتساءل [أثناسيوس] في موضع ما (تجسد الكلمة: ٧) هل كان من الممكن أن يتخذ الله طريق آخر غير طريق التجسد، ويجيب [أثناسيوس] أنه من أجل الحصول على الخلاص، كان من الممكن أن يكفي جدًا أن يتوب الإنسان، إن كانت المشكلة الوحيدة هي مشكلة الخطية، وليس مشكلة الفساد والموت كنتيجة للخطية، ولكن بما أنه عن طريق الخطية، قد فقد البشر الصورة الإلهية، وصاروا خاضعين للموت، فلهذا السبب، كان ينبغي على الكلمة أن يأتي ويخلصهم من سلطان الفساد. يبدو أنه من مثل هذه الفقرات أن الحاجة إلى مجيء المسيح وعمله الفدائي قد نشأت بشكل خاص وحصريّ من نتائج الخطية، وليست من الخطية نفسها، وبالتالي، كان عمل المسيح له فقط علاقة غير مباشرة بالخطية. أما مثل هذا التفسير لم يكن فقط سواء لأثناسيوس، أو للآباء اليونانيين الآخرين. حيث لم يعتبر ق. أثناسيوس الخطية في الحقيقة هي السبب بشكل مجرّد للفساد، الذي أحتاج البشر الخلاص منه، بل لأنهم متجانسون ومتطابقون معه. وربما يمكن القول بأن عمل المسيح له علاقة مباشرة بالخطية، بحيث أنه جاء لكي ما يحطّم سلطان الخطية على الحياة البشرية. لقد جاء «لكي ما يحرر الجميع من الخطية ولعنة الخطية، ولكي ما يحيا الجميع في الحق إلى الأبد أحرارًا من الموت، وليلبسوا عدم الفساد وعدم الموت» [ضد الآريوسيين ٢: ٦٩]، ويمكن القول حقًا أن غفران الخطايا لم يتم التأكيد عليه بنفس القوة كما بواسطة المصلحين، فلم يتعمق اللاهوتيون اليونانيون مثل لوثر في ذلك. ولكن لا يبرر هذا الزعم بأن فكرة الخطية تأخذ مرتبة أدنى فقط، حيث أن مفهومه [أي أثناسيوس] عن الخلاص هو ببساطة «مادي» و «طبيعي»، وهبة عدم الموت في الطبيعة البشرية هي من خلال طبيعة المسيح اللاهوتية“. [9]

يوضح البروفيسور لورانس جرينستيد (لاهوتي بروتستانتي) التقارب بين تعليم أثناسيوس بالتجسد غير المشروط وبين تعليم جون دانس سكوتس اللاهوتي اللاتيني عن نفس الموضوع، حيث يقول التالي:

”يبدأ الاختلاف بين النظامين (أي الأكويني والسكوتي) من رأيهما عن التجسد، حيث يجادل سكوتس ضد أي صلة بين التجسد وسقوط الإنسان. حيث الرأي القديم للآباء اللاتين أن المسيح أخذ ناسوتًا، لكي ما يسدّد دين الإنسان (أي التعليم اللاتيني الغربي)، فهو (دانس سكوتس) هنا يعطي مكانًا للرأي الذي يشبه كثيرًا جدًا رأي بعض الآباء اليونانيين الأوائل، وبشكل دقيق رأي ق. أثناسيوس. ولكنه بالرغم من ذلك، لم يكن سكوتس مستيكيًا بالكفاية ليجعل رأيه الخاص هو المفهوم اليوناني للاتحاد الأبدي بين الكلمة وخليقته. ولكن بالنسبة له أيضًا، التجسد هو حقيقة أزلية. على كل حال، كان ينبغي أن يأتي [الكلمة] ليكون الرأس الثاني للجنس البشري. حيث سبق تعيين واختيار طبيعته البشرية منذ كل الأزل، وكانت بشكل ما سابقة على السقوط“. [10]

[1] ضد الآريوسيين ٢: ٢١: ٦٦.

[2] المرجع السابق، ٢: ٢١: ٦٧.

[3] المرجع السابق، ٢: ٢١: ٧٠.

[4] المرجع السابق، ٢: ٢٢: ٧٧.

[5] المرجع السابق، 2: 21: 68.

[6] المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨.

[7] جوهانس كواستن، الباترولوجي مج٣، (القاهرة: إصدار باناريون)، ص ٩٢، ٩٣.

[8] توماس تورانس، الإيمان بالثالوث، (القاهرة: إصدار باناريون، ٢٠١٠)، ص ١٤٥، ١٤٧.

[9] Aulén, Gustaf, Christus Victor, trans. by A. G. Hebert, (London: S. P. C. K, 1975), p. 43 & 44.

[10] Grensted, L. W., A short History of The Doctrine of Atonement, (London & New York: Manchester University Press, 1920), p. 158.

الوسوم:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *