نستكمل حديثنا عن تعليم التجسد عند آباء الكنيسة الجامعة، وبالخصوص عند ق. غريغوريوس اللاهوتي. أولاً، سأستعرض حديث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن مصير الإنسان قبل السقوط، حيث يرى أن الإنسان كان مصيره هو الانتقال إلى عالم آخر، لكي ما يصير إلهًا بشوقه إلى الله، ويتحدث عن النور الإلهي الحقيقي الظاهر لنا على الأرض ليقودنا لاختبار بهاء …

نستكمل حديثنا عن تعليم التجسد عند آباء الكنيسة الجامعة، وبالخصوص عند ق. غريغوريوس اللاهوتي.

أولاً، سأستعرض حديث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن مصير الإنسان قبل السقوط، حيث يرى أن الإنسان كان مصيره هو الانتقال إلى عالم آخر، لكي ما يصير إلهًا بشوقه إلى الله، ويتحدث عن النور الإلهي الحقيقي الظاهر لنا على الأرض ليقودنا لاختبار بهاء الله، حيث يقول التالي:

”هو نفسه روح وجسد: روح بسبب النعمة، وجسد لكي يستطيع أن يسمو به. بالروح ليحيا ويمجد الله المحسن إليه، وبالجسد لكي يتألم ويتذكر، ويُؤدب بوجعه راميًا إلى الارتقاء نحو العظمة، كائن حي يقيم في الأرض، ولكنه ينتقل إلى عالم آخر، وفي نهاية المطاف يصير إلهًا بشوقه إلى الله، لأنه حسب رأيي: إن نور الحق المعتدل الذي يظهر لنا على الأرض يقودنا لنرى ونختبر بهاء الله، الذي كوّننا من الروح والمادة، والذي سيحل مركبنا، ثم يعيد تكوينه على وجه أبهى وأمجد، ثم وضعه (الله) في الفردوس (أيًا كان هذا الفردوس) – بعد أن كرّمه بالسلطان الذاتي (أي حرية الإرادة) لكي ينتمي الصلاح إليه كنتيجة اختياره. وهذا ليس أقل بالنسبة إلى الذي أعطاه بذور هذا الخير- وجعله زارعًا للأغراس الخالدة، أعني المعاني والأفكار الإلهية البسيطة جدًا منها والأكثر كمالاً“. [1]

كما يحدّد ق. غريغوريوس اللاهوتي هدف التجسد الإلهي؛ وهو التأله بالنعمة، متحدثًا عن النفس الوسيطة بين الألوهة والجسد في المسيح، وهذا التعليم نقابله أيضًا عند العلامة أوريجينوس عن التجسد في تعليمه، حيث يقول النزينزي التالي:

”يا له من اتحاد جديد وعجيب! يا له من تكوين فريد! الكائن يأتي إلى الوجود! غير المخلوق يُخلق! غير المحوَى يُحوى بواسطة نفس عاقلة! تتوسط بين الألوهة والجسد المادي، الذي يوزع الغنى يصبح فقيرًا! أفتقر لأنه أخذ جسدي، لأغتني أنا بألوهيته! أخلى نفسه من مجده لفترة قصيرة لأمتلئ أنا بملئه!“. [2]

يشير ق. غريغوريوس اللاهوتي هنا إلى طريقة تأليه الإنسان وهي التجسد باتحاد الإنساني بالإلهي ليغتني بالألوهة، وهنا يلمح بصورة مباشرة إلى أن الإنسان يتأله بالتجسد والاتحاد بالله في المسيح. وحيث أن مصير الإنسان قبل السقوط هو التأله بالنعمة، كما ذكرنا في القول السابق، فيكون التجسد غير مشروط بخطية آدم، طالما أن الإنسان كان مدعو قبل السقوط ليصير إلهًا بشوقه نحو الله، وكيف يحدث هذا التأله قبل السقوط إلا باتحاد الإلهي بالإنساني والانتقال به إلى عالم آخر، كما أوضح النزينزي في قوله السابق.

يستطرد ق. غريغوريوس النزينزي في حديثه عن أن هدف التجسد واتخاذ الله للطبيعة البشرية هو رفع البشرية إلى عتبات الألوهية كالتالي:

”ذاك الذي هو غير متألم بطبيعته الإلهية، صار متألمًا بالطبيعة التي اتخذها. تنازل إلى درجة البشرية حتى ترتفع أنت إلى عتبات الألوهية“. [3]

ويؤكد ق. غريغوريوس اللاهوتي في نفس السياق على أن هدف التجسد الإلهي هو تأليه الإنسان بالنعمة، ونراه يردّد عبارة ق. أثناسيوس الخالدة: ”صار الله إنسانًا لكي يؤلهنا“، حيث يتحدث عن أن المسيح أخذ كل ما هو قابل للفساد ليهبنا الأسمى فيه كالتالي:

”وكما تشبّه المسيح بنا، فلنتشبه نحن أيضًا به، لقد صار إنسانًا لكي يؤلهنا، قَبِل كل ما هو قابل للفساد حتى يهبنا الأسمى، صار فقيرًا حتى نغتني نحن بفقره، أخذ شكل العبد كي نسترد حريتنا، اتضع كي يرفعنا“. [4]

يستطرد ق. غريغوريوس اللاهوتي في نفس السياق قائلاً إن هدف التجسد هو تأليه الإنسان كالتالي:

”الإنسان الأرضي الذي اتحد بالجسد بواسطة روح، صار إلهًا عندما امتزج بالله وصار واحدًا، يغلب فيه الأفضل والأرفع، وبذلك أصبح أنا إلهًا بقدر ما أصبح هو إنسانًا“. [5]

ويقول ق. غريغوريوس أيضًا في نفس السياق:

”إذ إنه لا يزال مع الجسد الذي اتخذه، إلى أن يصيرني إلهًا بحكم صيرورته إنسانًا“. [6]

ثم يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي العظيم عن فكرة وجودنا كبشر في المسيح، وأنه حملنا في ذاته بكل ما فينا لكي ما يبيد شرنا، ونشترك بهذا الاختلاط (الاتحاد) بين الله والإنسان في المسيح في ما له من التأله، كما نردد في التسبحة: ”هو أخذ الذي لنا (الناسوت)، وأعطانا الذي له (التأله بالنعمة)“ كالتالي:

”فهو يتنازل إلى مستوى أخوته في العبودية ومستوى العبيد، فيأخذ صورة غريبة عنه، ويحملني في ذاته مع كل ما لي، حتى يذيب ما في من شر كما تذيب النار الشمع، أو الشمس ضباب الأرض، وحتى اشترك بهذا الاختلاط في ما له“. [7]

[1] العظة الفصحية الثانية ٣٦: ٧، ٨.

[2] المرجع السابق، ٣٦: ٩.

[3] مختارات من عظات القديس غريغوريوس النزينزي اللاهوتي، عظة المعمودية والمعمدون.

[4] العظة الفصحية الأولى ٣٥: ٥.

[5] الخطبة اللاهوتية الثالثة ٢٩: ١٩.

[6] الخطبة اللاهوتية الرابعة ٣٠: ١٣.

[7] المرجع السابق، 30: 6.

الوسوم:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *