نبحث الآن تعليم التجسد عند العلامة السكندري العظيم أوريجينوس، وهو يختلف اختلافًا تامًا عن تعاليم باقي آباء الكنيسة، كما سنلاحظ معًا. العلامة أوريجينوس هو لاهوتي مسيحي، ولكنه في نفس الوقت فيلسوف أفلاطوني محدث، يؤمن بالوجود السابق للنفوس قبل انحباسها في أجسادها، بعد تعرضها لحالة من الفتور الروحي ونقص المحبة لله بإرادتها الحرة التي خلقها الله …

نبحث الآن تعليم التجسد عند العلامة السكندري العظيم أوريجينوس، وهو يختلف اختلافًا تامًا عن تعاليم باقي آباء الكنيسة، كما سنلاحظ معًا.

العلامة أوريجينوس هو لاهوتي مسيحي، ولكنه في نفس الوقت فيلسوف أفلاطوني محدث، يؤمن بالوجود السابق للنفوس قبل انحباسها في أجسادها، بعد تعرضها لحالة من الفتور الروحي ونقص المحبة لله بإرادتها الحرة التي خلقها الله فيها، فلقد كانت النفوس في حالة شركة مع الله منذ خلقتها، ولكن فترت محبة النفوس مع الوقت، وسقطت محبوسة في أجساد مادية، حيث يقول العلامة أوريجينوس التالي:

”وذلك أنه أعطى الخلائق العاقلة كلها أن يكون لها شركة معه، إذ هو نفسه الصورة غير المرئية لله غير المرئي، حتى إن كلاً من الخلائق يرتبط به بحس المحبة على قدر ما يشترك معه شيئًا فشيئًا، ولكن ملكة حرية الاختيار، إذ أنها قد جعلت تنوعًا واختلافًا فيما بين المدارك، فأشتعل في بعض منها حبًا عظيمًا للخالق، ونال البعض الآخر حب أضعف“. [1]

ثم يأتي حديث العلامة أوريجينوس عن تجسد المسيح من خلال ارتباط نفس المسيح معه منذ خلقتها، وعملها كوسيط بين الله والجسد في المسيح، حيث أنه لا يمكن أن يتحد الله بالجسد بدون وسيط روحي من نفس طبيعته كروح، وأنها احتوت على ملء اللاهوت فيها وصارت غير منفصلة أبدًا وغير قابلة للانفصال عن الله الكلمة منذ خلقتها، حيث يقول كالتالي:

”صارت هذه النفس التي يقول فيها يسوع: لا أحد يأخذ نفسي مني، روحًا واحدًا معه في أصلها، بحسب الوعد الذي أعطاه الرسول للذين يقتدون بهذه النفس، قائلاً: مَن يتحد بالرب يصبح روحًا واحدًا معه. لقد ارتبطت به منذ خلقها، ثم ما لبثت أن صارت غير منفصلة عنه فيما بعد، وغير قابلة للانتزاع منه، لأنها ارتبطت بالحكمة وكلمة الله والحق والنور الحقيقي، مستوعبةً إياه كله في داخلها كلها، وصائرة نورًا له وبهاء، فمن جوهر النفس هذا، الذي قام بمثابة وسيط بين الله والجسد -إذ لم يكن ممكنًا أن تمتزج طبيعة إله بجسد بدون وسيط- وُلِد الله الإنسان، كما قلنا. فهذا الجوهر (أي جوهر النفس) كان الوسيط، ذلك أنه لم يكن على خلاف الطبيعة عنده أن يلبس جسدًا“. [2]

ثم يشرح العلامة أوريجينوس ماهية التجسد الإلهي، على أنه ارتباط بين كلمة الله ونفسه الإنسانية ليكونا جسدًا واحدًا أكثر ارتباطًا من ارتباط الزوج وزوجته كالتالي:

”يمكن القول بما هو مكتوب: سيكون الاثنان جسدًا واحدًا، فليسا هما بعد اثنين، بل جسد واحد. لأن كلمة الله يؤلف مع نفسه جسدًا واحدًا أكثر مما يمكن الاعتقاد به كما في حالة الزوج مع زوجته، بل مَن يليق به أن يؤلف مع الله روحًا واحدًا أكثر مما يليق بهذه النفس، التي ارتبطت بالله ارتباطًا بالعشق، فاستحقت أن تُدعى روحًا واحدًا معه“. [3]

يشرح العلامة أوريجينوس كيفية إتمام الخلاص من خلال اتحاد النفس بالكلمة، حيث بثبات نفس المسيح البشرية على عشق ومحبة الله وعدم التفكير في أي خطية، وبالتالي صارت إرادة الخير والفضيلة هي السائدة في نفس المسيح، وهكذا تخلص باقي النفوس بهذه الطريقة كالتالي:

”إن بدا هذا للمرء أنه صعب، فيما أوضحنا أعلاه أن في المسيح نفسًا عاقلة، وكررنا مرارًا في مناقشاتنا كلها أن طبيعة الأنفس أهل جدًا لأن تتقبل الخير والشر، فأزال هذه الصعوبة على النحو التالي. ليس في مقدورنا أن نتشكك في أمر طبيعة هذه النفس، فلم تكن هي عينها عند سائر الأنفس، وإلا لما استطعنا تسميتها نفسًا، لو لم تكن بالحقيقة نفسًا. ولكن هذه النفس، نفس المسيح، ثبتت العزم على محبة البر، فارتبطت به ارتباطًا لا رجوع عنه ولا انفصال على أثر عظم محبتها، حيث أن اختيار الخير أم الشر في مقدرة الجميع، قد انتزع ثبات عزمها، وعظمة شغفها، ولظى محبتها الذي لا يخمد، وكل تطلع إلى التغيير والنكوص، بحيث أن ما استقر في الإرادة انقلب فيها طبيعة، على أثر اعتياد طال أمده. هذه هي حال نفس المسيح البشرية والعاقلة، يا لوجوب تصديقها، فإنه لم يراوده (أي المسيح) قط فكر خطيئة، ولا أمكنه ذلك!“. [4]

ثم يستطر العلامة أوريجينوس أكثر شارحًا هدف وماهية التجسد والخلاص في نفس المسيح، مستخدمًا مثال عطر الناردين وقنينة العطر من سفر نشيد الأناشيد، مؤكدًا على ضرورة شركة النفوس في شركة لا تنقطع مع نفس المسيح المخلِّصة، حتى لا يلحق بها أي خطية أو إثم كريه كالتالي:

”إن هذه النفس مُسحت بدهن البهجة، أي كلمة الله وحكمته على شكل يختلف عن شركائها، الأنبياء والرسل القديسين، فيُقال في هؤلاء أنهم جَروا في ناردين عطورها، ولكن هذه النفس كانت الإناء الحاوي للعطر نفسه. لقد أصبح جميع الأنبياء والرسل أهلاً للشركة في ناردين رائحتها الذكي، إن الناردين شيء، والجوهر شيء آخر. ومثله المسيح شيء، وشركاؤه شيء آخر. فكما لا يقدر الإناء الحاوي جوهر الناردين أن يتلقى رائحة كريهة البتة، بيد أن الذين يشتركون في رائحته يكونون عرضةً لأن تلحق الروائح الكريهة بهم إن هم ابتعدوا عنه، كذلك المسيح، الذي هو الإناء عينه حيث جوهر الناردين، فإنه لم يكن ليتلقى الرائحة المضادة، فيما يشترك شركاؤه بالناردين، بقدر ما يمكثون على مقربة من الإناء، ويمكنهم أن يكنزوا منه“. [5]

ثم يشرح أخر مرحلة من مراحل خلاص النفوس بنفس المسيح المخلِّصة مستخدمًا تعبير ظل المسيح على نفس المسيح التي تخلص نفوسنا التي تحيا في ظل المسيح بين الأمم، وتتشبه وتسلك بحسب سلوك نفس المسيح، فإنها ستعاين الله وجهًا لوجه أي تعاين المسيح في المجد، وليس كما عرفوه بالجسد كالتالي:

”لذا أحسب أن النبي (مرا ٤: ٢٠) أطلق على النفس المرتبطة بالمسيح ارتباطًا لا انفصال فيه، والفاعلة حسب مشيئته، اسم ظل المسيح الرب الذي ينبغي علينا أن نحيا في كنفه بين الأمم سعيًا منه للدلالة على أفعالها ونزعاتها. ذلك أن الأمم تعيش في سر الارتباط هذا، حينما تبلغ الخلاص بالإيمان، وتحذو حذو هذه النفس […] فإذا كانت الشريعة التي نُفذت على الأرض ظلاً، وحياتنا التي نحياها على الأرض ظلاً، وإن كنا نحيا بين الأمم في ظل المسيح، يجب علينا أن نرى حقيقة هذه الظلال كلها، فهل لا تُعرف في الإعلان العظيم، عندما يستحق جميع القديسين أن يتأملوا في مجد الله علة الأشياء وحقيقتها، لا كما في مرآة، في لغز، بل وجهًا لوجه؟ إن بولس الرسول بعد أن نال عربون هذه الحقيقة من الروح القدس قال: وإن كنا قد عرفنا المسيح بالجسد، أما الآن فإننا لا نعرفه كذلك (٢كو٥: ١٦)“. [6]

[1] المبادئ ٢: ٦: ٣.

[2] المرجع السابق، ٢: ٦: ٣.

[3] المرجع السابق، ٢: ٦: ٣.

[4] المرجع السابق، ٢: ٦: ٥.

[5] المرجع السابق، 2: 6: 6.

[6] المرجع السابق، 2: 6: 7.

الوسوم:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *