كل فترة بينتشر مصطلح "النيوباتريستيك" علي إنه "هرطقة" و "لاهوت جديد", لكن منعرفش أساس الكلمة دي ايه ؟, و لا نعرف تعريف المصطلح ده ايه, في سلسلة المقالات الجاية هنوضح يعني ايه "حركة النيوباتريستيك" أو "التوليف الآبائي الجديد" من خلال الناس إللي أبتكروها ( مش من خلال فهمنا إحنا ولا شرحنا للمصطلح ), و ده …
كل فترة بينتشر مصطلح “النيوباتريستيك” علي إنه “هرطقة” و “لاهوت جديد”, لكن منعرفش أساس الكلمة دي ايه ؟, و لا نعرف تعريف المصطلح ده ايه, في سلسلة المقالات الجاية هنوضح يعني ايه “حركة النيوباتريستيك” أو “التوليف الآبائي الجديد” من خلال الناس إللي أبتكروها ( مش من خلال فهمنا إحنا ولا شرحنا للمصطلح ), و ده مهم إننا نفهم وجهة نظر صاحب الفكرة.
في القرن العشرين, ظهر إتجاه جديد في اللاهوت الأرثوذكسي اسمه ” حركة النيوباتريستيك”, مجموعة من اللاهوتيين كانوا شايفين إن اللاهوت الشرقي محتاج يرجع لتعاليم آباء الكنيسة الأوائل لتجديد نفسه, و البعد عن تأثيرات فكر اللاهوت الغربي إللي كانت مأثرة على مفاهيم الكنيسة و نظامها و أخلاقياتها و روحانيتها لقرون.
البداية سنة 1936, “جورج فلوروفيسكي”, ده أسم بيرتبط دايما بحركة النيوباتريستيك, و كان من أوائل الناس إللي أخدت بالها إن الأرثوذكسية محتاجة لحاجتين :
1 – تستقل بفكرها عن النموذج المدرسي الغربي.
2 – ترجع لطريقة تفكير الآباء الأوائل.
فلوروفيسكي كان شايف إن الرجوع لآباء الكنيسة الأولي مش معناه إننا نكرر كلامهم بالحرف, و لكن إننا نعيش بنفس الروح إللي كانوا عايشين بيها, و نستفيد من تجربتهم الروحية في حياتنا.
زي ما قال : ” إتباع الآباء ليس أن نقتبس و نأخذ من كلامهم فقط, و لكن أن نكتسب عقلهم وطريقتهم في التفكير”.
فلوروفسكي كان شايف إن الفكر اليوناني القديم ( الهيليني ) له قيمة كبيرة في اللاهوت الأرثوذكسي, و إننا لازم نحافظ عليه.
حركة النيوباتريستيك أو الدعوة للرجوع لآباء الكنيسة متقدرش تحصرها بس في فلوروفيسكي, لكن الدغوة لاقت ترحاب من ناس تانية زي “فلاديمير لوسكي” و”دوميترو ستانيلاواي” و غيرهم زي ألكسندر شميمن, يوحنا زيزلوس, و علشان كده بقى فيه توجه عام في اللاهوت الأرثوذكسي في منتصف القرن العشرين أسمه ” النيوباتريستيك”، وده بقى مؤثر جدًا على الفكر الأرثوذكسي.
حركة النيوباتريستيك مش حركة بسيطة أو تأثيرها بسيط, لأنها في السنين إللي فاتت سببت مشاكل و صراعات كبيرة جوه الكنيسة في البلاد الأوروبية إللي فيها أغلبية أرثوذكسية زي روسيا, رومانيا, اليونان, صربيا, بلغاريا, و إللي خلي الموضوع فيه قلق أكتر إن حتى اللاهوتيين سواء كهنة أو علمانيين بقيوا يتبنوا مواقف ضد الغرب وضد التقارب بين الطوايف.
في أسباب ممكن تفسر ليه الإتجاه ده زاد في الأرثوذكسية الحديثة, زي ما أتقال, إن بعض أفكار حركة النيوباتريستيك ساهمت بشكل مباشر في نشر المواقف (الرافضة) دي وسط الدواير المحافظة, و علشان نواجه الظاهرة دي, اللاهوتيين الأرثوذكس لازم يرجعوا يبصوا تاني على أهداف و أفكار الحركة.
أول حاجة, أغلب إللي شاركوا في تجديد اللاهوت الأرثوذكسي ماكانوش أصلًا ضد الغرب أو ضد التقارب بين الكنائس, لا جورج فلوروفسكي, ولا فلاديمير لوسكي, ولا دوميترو ستانيلاواي, ولا نيكولاس افاناسيف, ولا ألكسندر شميمن, ولا يوحنا مايندورف, ولا يوحنا زيزيولاس كانوا كده.
فلاديمير لوسكي كتب جواب لأبوه سنة 56 قال فيه : ” أنا دائما كنت متأثر بالغرب, و كان لا يمكن أن اعيش او أعمل في روسيا مهما كانت الظروف أو النظام هناك, انا متجذر في الغرب و خصوصا في فرنسا.”
فلوروفسكي كمان قال إن الإستقلال عن الغرب (اللاتيني) مش معناه إننا نقاطعه, و قال إن المقاطعة عن الغرب مش هتخلينا أحرار ولا هتعمل نمو, وأكد إن دور اللاهوت الأرثوذكسي مش إنه يهرب من التقاليد الغربية, لكن إنه يشارك فيها بحرية و مسؤولية و وعي و إنفتاح, وقال ” إن اللاهوتي الأرثوذكسي لابد أن يظل جزء من الحوار اللاهوتي العالمي و لا ينعزل عنه”.
العلاقة بين مفكري حركة النبوباتريستيك و الفكر اللاهوتي الغربي مكنتش بس بهدف التحرر من تأثير المدرسة اللاتينية, لكن كمان كان فيه رغبة قوية عندهم إنهم يفتحوا حوار حقيقي مع زملائهم في الغرب.
فلوروفسكي و لوسكي كان ليهم علاقات كويسة جدًا مع لاهوتيين كاثوليك فرنسيين زي إيف كونجار, هنري دي لوباك, جان دانييلو, إللي كانوا بيقودوا حركة التجديد الكاثوليكي.
زي ما الكاثوليك كانوا بيحاولوا يخلصوا اللاهوت الكاثوليكي من سطوة الفكر المدرسي, الأرثوذكس كمان كانوا بيعملوا نفس الحاجة, لكن من غير ما يرفضوا اللاهوت الغربي كله, ايوة كان فيه نقد لبعض أفكار و ممارسات الكاثوليك, بس النقد ده كان نقد بناء ومفيد لأي حوار حقيقي بين التقاليد المختلفة.
لو بصينا على دوميترو ستانيلاواي, هنلاقي إنه كان بيطبق حاجة اسمها “Receptive Ecumenism”, و دي معناها إنه مش بس بيسمع للطرف التاني فقط, لكن كمان بيتعلّم منه, و أحيانا بياخد أفكار من عنده ويدمجها في لاهوته, أفكار غربية بيستخدمها في سياق أرثوذكسي.
المصادر
REVISITING THE AGENDA OF THE NEO-PATRISTIC MOVEMENT by Viorel Coman