إحنا كنا وضحنا قبل كده و لسه مهم نعيد و نأكد, إن بحسب الآباء الكبادوك و المطران يوحنا, إن الوجود ما بيجيش من الطبيعة ولا من قوانينها, و لكن بييجي من حرية الشخص, و إللي بتظهر في علاقته بحد تاني, النظرة دي للوجود مختلفة عن إللي موجودة في أنطولوجيا (فهم الوجود) مدارس لاهوت تانية خصوصًا …

إحنا كنا وضحنا قبل كده و لسه مهم نعيد و نأكد, إن بحسب الآباء الكبادوك و المطران يوحنا, إن الوجود ما بيجيش من الطبيعة ولا من قوانينها, و لكن بييجي من حرية الشخص, و إللي بتظهر في علاقته بحد تاني, النظرة دي للوجود مختلفة عن إللي موجودة في أنطولوجيا (فهم الوجود) مدارس لاهوت تانية خصوصًا المنتشرة في الغرب, إللي بتعتبر إن الوجود أساسه الطبيعة.
علشان كده اللاهوتيات دي عادة بتقول إن ربنا خلق الإنسان علشان يكون خالد بطبيعته, و بيركزوا على فكرة إن الروح خالدة, و بيبنوا فكرة الحياة الأبدية للإنسان على كده مش على الشخص نفسه أو على اتحاده الحر مع ربنا.
ووفقًا للفكر ده, الخلاص عند الإنسان مش بييجي من الشركة مع الله و بالتالي مش بيأثر في كينونة الشخص نفسه لكن بيتشاف على إنه موضوع أخلاقي, و كأنه جاي كمكافأة أو عقاب من الله حسب التزام الإنسان أو عدم التزامه بالقوانين الإلهية أو الأخلاقية.
المطران اعترض على النوع ده من الفهم للوجود, إللي بيعتمد على فكرة خلود الروح الطبيعي, و قال إن الإيمان ده معناه إن ربنا خلق إله تاني لما خلى روح الإنسان خالدة بطبيعتها, يعني إزاي ربنا خالد و هو غير مخلوق و في نفس الوقت الإنسان كمان يبقى خالد و هو مخلوق؟! و ده زي ما إحنا شايفين فيه تناقض كبير.
أما بخصوص فكرة إن الإنسان يخلُص بس عن طريق تنفيذ الوصايا الإلهية و الأخلاقية من غير ما يكون في شركة مع الله, فالمطران رجع لمثال أبرار العهد القديم, و قال إنهم ماقدروش يخلصوا, يعني ماقدروش يغلبوا الموت, قبل ما ييجي المسيح, و ده لإن الخلاص مكانش ممكن يحصل غير لما ابن الله نزل للعالم و اتحد بالطبيعة المخلوقة, يعني حتى لو كانوا أبرار, أو عاشوا بحسب الوصايا الإلهية و الأخلاقية ده مكنش كفاية.
أبرار العهد القديم نفسهم كانوا مستنيين المسيح, و عارفين إن من غيره, من غير نزول الله للعالم و إتحاده بالبشرية, الحياة الأبدية مش ممكنة, و ده بيوضح إن خلود الوجود بييجي من الإتحاد ده بين الطبيعة المخلوقة و الله, مش من مجرد تنفيذ وصاياه أو المعايير الأخلاقية, و علشان كده غلب الموت و الوصول للحياة الأبدية للمخلوقات مش ممكن غير لما الإنسان باعتباره كائن حر يعبر عن حريته دي في الإتحاد بربنا كحب نابع منه ناحيته.
فمن خلال الإتحاد مع الله, كل الخليقة هتقدر تغلب الموت و تعيش للأبد, بس من غير ما تبقى هي هي ربنا, يعني الطبيعة المخلوقة مش هتبقى غير مخلوقة, لكنها هتفضل مخلوقة و تعيش للأبد في اتحاد معاه, و ده مبني على الفهم إللي جاي من الكتاب المقدس في العهد القديم إللي بيقول إن الإنسان مرتبط طبيعيا بكل الخليقة, لأنه اتكون من التراب (راجع تكوين ١:٢٥) و هو نفس الأصل إللي باقي الكائنات اتخلقت منه, و ده معناه إن الإنسان اتخلق مش علشانه هو بس و لكن علشان يكون سبب وجود أبدي لكل الخليقة.
لو الإنسان الأول, آدم, كان سمع كلام ربنا, و عبر عن حريته بالاتحاد معاه, كانت كل الخليقة المخلوقة هتتحد بربنا من خلال الإنسان, و بالتالي كانت هتغلب الموت, علشان كده, رغم إن الإنسان و العالم اتخلقوا من العدم, و بالتالي هما فانيين بطبيعتهم, لكنهم يقدروا يغلبوا الموت و يوصلوا للحياة الأبدية لو الإنسان اختار وسعى إنه يكون في شركة حرة مع الله.
و زي ما قلنا قبل كده, الوجود مش نتيجة الطبيعة و قوانينها, لكن نتيجة الشخص, يعني الحرية إللي بتتجلى في الإتحاد بشخص تاني, كحب, و بالأخص الاتحاد مع الله, و ده في سياق الطبيعة المخلوقة.
القديس مكسيموس المعترف بيشرح إن كل الخليقة اتخلقت في المسيح و من أجل المسيح, بالنسبة للقديس مكسيموس, سر المسيح ( إللي هو اتحاد الخليقة بابن الله من خلال الإنسان ) بيمثّل الهدف المقصود و المدبر (اللي سماه “الغاية المقصودة”) من عمل الله في الخلق, يعني, الشركة بين ابن الله و البشرية كانت لازم تحصل (لو آدم ما غلطش) لأن الطبيعة المخلوقة بطبيعتها مش قادرة توجد من غير اتحاد مع الله.
و لو كان الإنسان الأول, آدم, نجح في إنه يحقق الشركة مع ربنا, كان هو نفسه هيبقى المسيح, و الحقيقة العميقة دي اتكشفت لينا و تحققت في شخص المسيح, ابن الله إللي صار إنسان, و إللي هنكمل و نتأمل فيها أكتر بعد كده.
شدد المطران يوحنا على إن اتحاد الإنسان بالله مكنش ممكن يحصل بمجهود الإنسان لوحده, لكن كان لازم في الأساس إن الله نفسه ينزل للإنسان يعني إن ابن الله يتجسد, و الإنسان لأنه محدود مكنش يقدر يوصل لإتحاد مع الله غير لما الله يختار هو بنفسه يعلن حضوره و يدخل العالم, و ده الإتحاد إللي مبقاش الإنسان يقدر يحققه لوحده بعد السقوط, لكن مع ده كان ضروري إن الإنسان يقبل العرض الإلهي ده بحرية, و ده اإللي شفناه بعدين بشكل واضح في تجسد المسيح و إللي هنتكلم عنه أكتر قدام.
الإنسان الأول آدم فشل في إنه يحقق مشيئة الله و توقعاته, بدل ما يسعى لإتحاد مع الله إللي كان هو نفسه راغب فيه عشان الإنسان و كل الخليقة يتّحدوا بيه و يتغلبوا على الموت, آدم و اختار إنه يلتصق بالعالم المخلوق, و النتيجة كانت إن الموت بقى هو الحقيقة السائدة في الخليقة, و بقرار آدم, البشر و العالم انحرفوا عن الطريق إللي كان ممكن يوصلهم لتخطي الموت و الوصول للخلود و مشيوا في طريق العدم و الفناء.
لكن الله لأنه بيرفض إن خليقته إللي خلقها عن حب تنتهي و تختفي في العدم, قرر يرسم خطة جديدة عشان يكمل قصده الأصلي. حتى لو تغير الأسلوب, لكن الهدف فضل ثابت : إن الخليقة كلها تتحد بالله و تنال الحياة الأبدية.
طيب، إيه هو الأسلوب الجديد اللي بيتمم بيه الله خطته للخليقة؟ وإيه اللي بيقوله المطران يوحنا عن الموضوع ده؟
– سرّ المسيح ومشكلة الموت.
الوجود بالنسبة للآباء الكبادوك و كمان عند المطران يوحنا مش نتيجة الطبيعة ولا قوانينها, لكن نتيجة حرية الشخص إللي بتظهر في علاقة مع شخص تاني, في سياق التغلب على مشكلة الموت و الوصول للحياة الأبدية للمخلوق, ده ممكن يحصل لو الإنسان باعتباره كائن حر, عبر عن حريته دي من خلال اتحاده بربنا.
و بما إن الإنسان متحد بكل الطبيعة المخلوقة فالاتحاد ده بين الإنسان و ربنا مش هيأثر عليه بس, لكن كمان هيخلي العالم المخلوق كله يدخل في حياة غير فانية.
بعد ما آدم, أول إنسان, رفض يتحد بربنا, ربنا ماستسلمش لخطته الأصلية إللي كان عايز فيها خليقته تعيش للأبد من خلال اتحاد الإنسان بيه, لكن لقى طريقة جديدة يحقق بيها الخطة دي, و هي تجسد ابن الله, المسيح لما جه ملء الزمان, ربنا بعت ابنه للعالم. و اتحد بالخليقة و بقى إنسان ( الإله المتأنس ).
نزول ابن الله للعالم و تجسده, يعني اتحاده بالخليقة, ده في الأساس عمل من ربنا نفسه, لإن الإنسان لوحده ماكنش يقدر يطلع لربنا و يتحد بيه, بس برضه ماكنش ينفع يحصل من غير الإنسان و موافقته الحرة, و ده زي ما ربنا أراد من الأول لما خلق الإنسان حر.
و ده إللي باين في قصة البشارة للعذراء, يعني في الحوار إللي حصل بينها و بين الملاك قبل الحبل الإلهي, ربنا سأل أم الله لو كانت عايزة تولد ابن الله مخلّص العالم (لو ١:٣٨), و العذراء القديسة وافقت بحرية إنها تخلّف ابن الله كإنسان, و بتتحقق بكده الفكرة الأصلية بتاعة الله إن ابن الله يتجسد و الخليقة تتّحد بيه بحرية من خلال الإنسان, و تعيش للأبد.
من خلال تجسُّد بن الله, اتحققت رغبة ربنا الأصلية إن الطبيعة المخلوقة تتحد به من خلال الإنسان و بكده تتغلب على الموت, المسيح بقى آدم الجديد من غير ما يبطل يكون إله يعني بقى الإله المتجسد, و الوسيط بين العالم المخلوق و الله.
بالطريقة دي ربنا زي ما قال القديس مكسيموس المعترف و كمان المتروبوليت يوحنا, إنه حقق الهدف إللي كان يريده من الخلق من الأول : إن الطبيعة المخلوقة تتحد بربنا, ومن خلال الإنسان لو الإنسان مخلوق و فاني يقدر يغلب الموت و يعيش للأبد, و ده اللي بان كمان في قيامة المسيح من بين الأموات.
بس علشان يحررنا من الموت, المسيح مات.
ليه كان لازم المسيح يموت علشان يحررنا من الموت ؟
وإيه اللي قاله المتروبوليت يوحنا عن الموضوع ده؟
اتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية اتحقق في شخص ابن الله, الطبيعتين, الإلهية و البشرية. اتحدوا في شخص واحد, هو شخص ابن الله, “من غير اختلاط, ولا انفصال.”, يعني في المسيح فيه طبيعتين, لكن في شخص واحد هو شخص ابن الله, المسيح بقى إنسان كامل, و في نفس الوقت فضل إله كامل, لأن إللي فيه هو شخصية واحدة, هي شخصية ابن الله, الطبيعة البشرية إللي أخدها المسيح من العذراء مريم اتشخصنت, أو تأنست في شخص ابن الله.
الطبيعتين, الإلهية و البشرية اتحدوا في شخص ابن الله من خلال الروح القدس, و من غير ما الطبيعتين يفقدوا صفاتهم الطبيعية, كل الصفات, سواء الإلهية أو البشرية, ظهروا في شخص واحد و من خلال شخص واحد, هو ابن الله, يعني في المسيح.
لكن, بسبب سقوط الإنسان الأول, بقت حقيقة الموت في الطبيعة المخلوقة, و بالتالي في البشر واقع ممكن يحصل, و ده أدى, حسب سرّ المسيح, إن المسيح لازم يموت علشان يخلصنا من الموت, لأنه لما أخذ الطبيعة المخلوقة في شخصه, هو كمان أخذ الموت جواها, لأن الموت بعد سقوط آدم بقى جزء من واقع الطبيعة المخلوقة, و ده ما كانش هيحصل لو ما كانش حصل السقوط, لو آدم كان اتحد بالله, مكنش هيبقى في موت.
الرب يسوع عمل معجزات و بيّن بيها ألوهيته, لكنه كمان بكى و جاع و في الآخر مات و ده بيُظهر صفات الطبيعة البشرية إللي فيه.
لكن بالرغم إن المسيح أخد الطبيعة البشرية المائتة جوا شخصه, و بقى مائت زي باقي البشر, هو مات بإرادته, المسيح مكنش ممكن يموت زيه زي إنه مكنش لازم يتولد كإنسان, لكن بتجسده, و بآلامه الشديدة و في الآخر موته, المسيح, كابن الله و كإنسان, أظهر محبته الغير محدودة لله الآب ولينا إحنا البشر، ولكل العالم، وأثبت المحبة دي بالموت.
المسيح و زى إن الأهم بالنسباله هو الشركة مع الله الآب, و بعد كده مع الخليقة, حتى لو كان التمن هو الموت.
يعني, المسيح مات عن حب لله الآب, و كمان عن حب لينا, يعني لتحقيق مشيئة الآب إللي أراد يخلصنا من الموت, و برضه, الله الآب أظهر محبته للمسيح, و بالتالي محبته للإنسان إللي في المسيح لما أقامه من بين الأموات بالروح القدس (راجع أعمال الرسل ٢:٢٤؛ ١٣:٣٠–٣٤), و بهذا الشكل الطبيعة المخلوقة غلبت الموت في المسيح.
المسيح مات علشان يحررنا من الموت إللي دخل بسبب سقوط الإنسان الأول, يعني بسبب رفضه إنه يدخل في شركة مع الله و إللي مكنش هيحصل للمسيح لو آدم الأول ما كانش رفض الشركة مع الله, يعني لو ما كانش سقط.
سرّ المسيح كان هيتحقق حتى لو ما كانش حصل سقوط, لأنه هو اتحاد الخليقة بالله من خلال الإنسان, و إللي من غيره الخليقة ما تقدرش تعيش, لكن, لو مكنش حصل السقوط, مكنش هيبقى فيه آلام للمسيح.
بما إن الوسيط بين العالم و بين ربنا بقى دلوقتي هو المسيح الإله المتجسد, آدم الجديد, و المصدر الوحيد للحياة إللي مبتموتش, فالمخرج الوحيد علشان أي إنسان و كمان علشان العالم كله يقدر يغلب الموت, هو إنه يتحد, يعني يدخل في شركة، مع المسيح, آدم الجديد.
إزاي ده يحصل؟
في المقال القادم
المصادر
https://zizioulas.org/reception/articles/neo-patristic-synthesis-in-the-writings-of-metropolitan-of-pergamon-john-zizioulas
الوسوم:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *