الرهبنة في جوهرها وحقيقتها إعلان وجودي حي وفاعل في العالم ومحب للعالم، لا ضده ولا كاره له، هي عملية سلخ العالم من الهوى والانفعال والتملك والاستهلاك بالصلاة الدائمة لأجل العالم كله ولمن هم في الجحيم تحت سطوة الاستهلاكية والتغرب عن الذات الحقيقية، ليتجلى العالم كله كمادة مقدسة في اللوغس وحَيِّه بأنفاسه، لا مادة للاستهلاك ولا …

الرهبنة في جوهرها وحقيقتها إعلان وجودي حي وفاعل في العالم ومحب للعالم، لا ضده ولا كاره له، هي عملية سلخ العالم من الهوى والانفعال والتملك والاستهلاك بالصلاة الدائمة لأجل العالم كله ولمن هم في الجحيم تحت سطوة الاستهلاكية والتغرب عن الذات الحقيقية، ليتجلى العالم كله كمادة مقدسة في اللوغس وحَيِّه بأنفاسه، لا مادة للاستهلاك ولا للتربح الخبيث ولا للشهوة الرديئة.

الراهب الحقيقي جُرح قلبه بسكين المحبة الإلهية، حيث خُتن قلبه واستُؤصلت المحبات المزيفة لنُظم العالم وسياساته الخاصة. الراهب صار حرًا حقيقيًا عندما أعلن أن لا شيء يربط قلبه وكيانه كله سوى بلوغ المجد الإلهي، فلا توجد علاقة ولا شيء ولا حيوان ولا شجرة ولا وجد ولا شعور يأسره سوى محبة الله التي انسكبت في قلبه وأحشائه كنار لا تُطفأ. فهذه المحبة النورانية والملتهبة تنقّي قلبه على الدوام من كل شعور بالملكية، هو لا يملك حتى حياته ويعتبرها هبة الله المقدسة والتي لا تحقق دعوتها إلا فيه. فيحب الحيوانات والأشجار والبشر والكون كله، ولا يقتني لنفسه أيًّا منهم، بل يعتبر نفسه كاهنًا موكلاً من الله لأجل حفظهم وعنايتهم فقط، لا يستهلكهم ولا يسلي ذاته بهم، إذ إن الله ملء كل فراغات حياته، فأصبح يرى وجوده كله في الله وأصبح يتقابل مع الكون كله في يسوع المسيح بشكل حر وخفيف وغير آسر. وعُري الراهب الحقيقي هو صرخته الشجاعة في وجه العالم كله، والمرهقة للغارق في لا محبة العالم بل في أهوائه وسياسته. إن كساءه الحقيقي هو المجد الإلهي الحر، لا قنية ولا هوى ولا شهوة رديئة. فعُري الراهب وحريته دينونة العالم كله، إلا أن يتطهر العالم ويترقّى ويحقق دعوته الرهبانية كمتجرّد من كل شيء وأي شيء، ليصير حرًا خفيفًا لا يخشى الموت ولا يرى الحياة كمكافأة، بل يتمتع بوجوده كما خلقه الله وفي الله، ليُستعاد كل شيء في الثالوث بدون إعادة ترتيب من أهوائنا الخاصة. ففي النمو الطبيعي والحر هارموني الخلق وجماله، وكل واحد وشيء في مكانه داخل التصميم الإلهي الكبيـــر جدًا حسب ما قصده الثالوث.

هنا نقدر نعمل إعادة صياغة للرهبنة، مش أنها فقط للي ارتدى الزي الرهباني الرسمي، ولكن هي حالة الإنسان اللي جوا العالم بيشتغل وبيتجوز وبيخلف وبيبني كنيسة. عشان كدا بتتحارب، وعشان كدا مزعجة، لأنها تهديد للوجود المزيف اللي بيتبني ويتأسس من كل الكارهين الحقيقيين للحياة ومستهلكيها.

قصة سريعًا كدا لنموذج راهب حقيقي:
القديس باسيليوس الكبير مكمّلش سنة في أسقفيته، وبعت له الإمبراطور فالنز (الإمبراطور الآريوسي) عن طريق مودستس، بيخيره بين أمرين: إما العزل أو الاشتراك مع الآريوسيين.

مودستس استدعى القديس باسيليوس وطلب منه الخضوع باسم الإمبراطور فالنز. القديس باسيليوس رفض، فهدده بمصادرة أملاكه وبالتجويع والنفي والتعذيب والموت. فرد عليه القديس باسيليوس: أنه ما فيش تهديد بيرعبه، وإذا كان على الأملاك فمعندوش حاجة يُصادرها غير شوية خِرَق وبعض الكتب. وبالنسبة للنفي، فهو هينقله من مكان لمكان وكل الأرض لله، وعلى جانب آخر مجرد دار غُربة مش هي مسكنه الحقيقي. وبالنسبة للتعذيب، فما فيش حاجة تخوّفه إذا كان مدرك تغرّبه عن الدهر وميت عنه بالفعل. وبالنسبة للموت، فمعندناش حاجة اسمها موت، مجرد انتقال وجسر لوعي أكثر بالحياة.. الحياة كامنة فينا.

مودستس لما سمع الإجابة اتعصب وصرخ بكبرياء أنه ما فيش أسقف من الأساقفة كلمه بالطريقة دي قبل كدا، فإزاي يجرؤ باسيليوس أنه يكلمه بالطريقة دي. فالقديس باسيليوس رد عليه بهدوء شديد وقال له: “ذلك لأنك لم تقابل أسقفًا حقيقيًا

لو عايز ترجع تقرا حوار باسليوس مع مودستس اللي صغتها باسلوبي ممكن ترجع لكتاب: القديس باسيليوس الكبير _ حياته_ أبحاث عنه_ مواعظه_ سلسة الفكر المسيحي بين الأمس واليوم صـــ 28.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *