المسيح أخذ طبيعة مهزومة، حتى وإن كان قد طرد منها الفساد باتحاده بها، إلاَّ أنها لا تزل مهزومة. فكان لابد أن ينتصر بها ليرد لها كرامتها وسلطانها ورتبتها الأولى. مهزومة بعدم الطاعة (العصيان). ولذلك أطاع حتى الموت. مهزومة في عدم القدرة على تميم ناموس الله (أكملت ناموسك عني). مهزومة في خضوعها لسلطان رئيس هذا العالم. …
المسيح أخذ طبيعة مهزومة، حتى وإن كان قد طرد منها الفساد باتحاده بها، إلاَّ أنها لا تزل مهزومة. فكان لابد أن ينتصر بها ليرد لها كرامتها وسلطانها ورتبتها الأولى.
- مهزومة بعدم الطاعة (العصيان). ولذلك أطاع حتى الموت.
- مهزومة في عدم القدرة على تميم ناموس الله (أكملت ناموسك عني).
- مهزومة في خضوعها لسلطان رئيس هذا العالم. (لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ)
- مهزومة في كل ما يخص إنسانيتها ومجدها وكرامتها. (وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ).
- مهزومة في أنها محكوم عليها بالموت. (أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا.)
- مهزومة في الأكل فكان لابد أن يصوم لينصرها.
- مهزومة في التعب والألم فكان لابد أن يتعب ويتألم لينصرها.
حتى لو كان هو باراً وهو الحياة ذاتها، فكونه أخذ تلك الطبيعة المهزومة فهو أخذها بكل الأحكام التي عليها. هناك هزيمة جسدية وهزيمة معنوية..
المسيح أبطل وانتصر على كل الأمور الجسدية باتحاده الأقنومي بطبيعتنا وأبطل كل ضعفات الجسد.
وانتصر في الأمور المعنوية بأن خاض المعركة بإرادته الكاملة، وليس خاضعا لها عن اضطرار فساد الجسد؛ وانتصر بهذه الطبيعة. الأمر الذي كان من المفروض ـ بحسب التدبير ـ أن ينجح فيه آدم، ولكنه فشل! وهذا هو معنى أكملت ناموسك عني.
الخلاصة أن المسيح كان لابد أن يخوض المعركة «معركة الكرامة» بنفسه، لا لكي يعلمنا كيفية النصرة فقط، ولكن لكي ينتصر هو أولاً بنفسه فيرد لنا كرامتنا المفقودة! ويقيمنا من موت الخطية.
فقاعدة أن «ما لا يؤخذ لا يخلص» التي نادى بها الآباء؛ تعني أن ما لم ينتصر فيه المسيح في جسد بشريته لن نستطيع نحن الانتصار فيه مهما كانت معونته وتعضيده لنا!!
القصة بسيطة جداً…
الله جبل الإنسان على غير فساد، أي أن الإنسان الأول كان قابلاً للفساد ولكنه غير فاسد. وهنا نسأل سؤالاً مهماً: هل كان الإنسان الأول في الفردوس عنده الآلام البريئة غير الملومة الخالية من الخطية (مثل الجوع والغضب والتعب)؟!
فلو كانت الإجابة بنعم؛ إذن هذه الآلام لا تُعتبر فساد، وبالتالي فيكون جسد المسيح غير فاسد، لأنه كان يحمل هذه الآلام البريئة غير الملومة!!
ولو كانت الإجابة بلا! فهذا يعني أن هذه الآلام ليست بريئة كما يقولون! وهي نتيجة السقوط ونتيجة الخطية، وبالتالي لا يمكن اعتبار جسد المسيح فاسداً لأنه يحمل هذه الآلام في جسده! إذ أن هذا يعني أنه خاضع لآلام الخطية غير البريئة والملومة!!
«جسد الخطية» ليس هو الجسد القابل للآلام؛ بل هو الجسد الذي تحت الآلام (تحت الحكم) ـ كتعبير بولس الرسول: «كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا» وهو الجسد الخاضع للأهواء البريئة الناتجة عن السقوط مثل الجوع والعطش والتعب والمرض والشيخوخة، وليست الأهواء المسببة للخطايا، أو مسلوب الإرادة ليفعل الشر رغما عن إرادته!!
فما معنى: «الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ»؟!
تعني أنه أخضع الجسد بإرادته للفساد الناتج عن الخطية، الذي يُسمى جسد الخطية، ليس أنه تحت الآلام مثلنا ولكنه قبل الآلام في جسده.
وهذه الأهواء البريئة هي نتيجة السقوط، وليست نتيجة الخلقة من العدم، لأن الله خلق الإنسان كاملاً قوياً في كمال إنسانيته، ولم يخلقه فاسداً، ولذلك سُميت «بريئة» لأنه ليس له ذنب فيها، بل ورثها نتيجة السقوط! ولذلك فهي ليست خطية! ولا يمكن اعتبار أن الإنسان خاطئ لمجرد أنه ورث هذه الآلام الناتجة عن السقوط (كما يقول الذين يؤمنون بوراثة الخطية)، وهذه الآلام تزيد وتصبح غير بريئة بخطايا الإنسان الإرادية (الشخصية).
فجسد الخطية هو الجسد الذي فيه ميل نحو اللذة الحسية، وهذا نلاحظه حتى في الأطفال الصغار الأبرياء إذ نجدهم يميلون نحو الأمور الجسدية دون أن يدركوا أنها خطية! ولذلك قيل عن السيد المسيح: {فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ} أي أنه لم يكن فيه هذا الميل نحو اللذة الحسية أو نحو الخطية!