النقطة الغائبة في كل الحوارات اللاهوتية تقريبا، هي «نفخة الروح القدس». وهي نقطة جوهرية جدا في فهم كل الإيمان المسيحي والتأله والشبه والمثال، والتغاضي عنها يوقعنا في مشاكل جمة! دفاع القديس كيرلس ضد الذين يقولون أن النفخة هي النفس البشرية، أو الروح أياً كان المسمى، هو قوله أن ما يخرج من الله هو أزلي بأزلية …
النقطة الغائبة في كل الحوارات اللاهوتية تقريبا، هي «نفخة الروح القدس». وهي نقطة جوهرية جدا في فهم كل الإيمان المسيحي والتأله والشبه والمثال، والتغاضي عنها يوقعنا في مشاكل جمة!
دفاع القديس كيرلس ضد الذين يقولون أن النفخة هي النفس البشرية، أو الروح أياً كان المسمى، هو قوله أن ما يخرج من الله هو أزلي بأزلية الله، وبالتالي لو كانت النفخة هي الروح البشرية فهذا يعني أنها أزلية!!
ويقول البعض عن النفخة أنها قد خلقت الحياة للإنسان، وهنا سنقع في معضلة كبيرة: هل الحياة مخلوقة؟! ومما خُلِقَت؟! هل الإنسان مخلوق من طبيعتين مختلفتين واحدة من التراب والأخرى من العدم بنفخة الله؟! وهل الحياة مخلوقة أم موهوبة من الله باتحاد الروح القدس بالنفس البشرية!!
الحياة لا يمكن أن تُخلق! لأن الحياة هي ذات الله لا يمكن أن تُخلق.. وهكذا العقل وأيضاً الخلود (الوجود الدائم إلى الأبد.. أي عدم الفناء)!
وفي رأيي الشخصي أن الشبه والمثال هو تعبير عن التأله.. والتأله هو نوال خواص الله من خلال الإتحاد به، فيصير الإنسان على صورة الله ومثاله، ليس في الصفات والفضائل مثل البر والقداسة وغيرها كما يقولون، ولكن في خواصه الأقنومية (إن صح هذا التعبير) مثل الوجود الدائم، والعقل والمنطق والحكمة، والحياة والضمير الصالح.. وهي كما ترى «خواص» خاصة بالثالوث القدوس فقط، انتقلت إلى الإنسان بالنعمة والتبني من خلال نفخة الروح القدس والتجسد.
فأصبح الإنسان متحدا بالثالوث، له وجود مثل الله الآب، وله عقل وحكمة مثل الله الكلمة، وله حياة وضمير صالح بالروح القدس.
وهذا الذي يفرق الإنسان عن بقية المخلوقات التي بلا خلود (جسد ممجد) وبلا عقل وبلا ضمير وحياة أبدية.
وهكذا فقد الإنسان صورة الله بالسقوط، فأصبح مائت (ليس له خلود ممجد) ذو طبيعة فاسدة، وفقد الحكمة والعقل، {قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ». فَسَدُوا وَرَجِسُوا بِأَفْعَالِهِمْ. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا… إلى آخر المزمور}. وفقد الضمير الصالح أو بحسب تعبير بولس الرسول {فِي رِيَاءِ أَقْوَال كَاذِبَةٍ، مَوْسُومَةً (مكتوية مثل الجلد الميت المكوي بالنار) ضَمَائِرُهُمْ} الضمير الصالح الذي يعود للإنسان في المعمودية كقول معلمنا بطرس: {الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ. لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ اللهِ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ}
وهكذا؛ «التأله» و «صورة الله ومثاله» وجهان لعملة واحدة ومصطلحان لمعنى واحد…
الخليقة الجديدة:
الهدف الذي من أجله خلق الله الإنسان هو أن يعطي للإنسان الإمكانية لكي يصل في النهاية إلى الإتحاد به. وهذا هو السبب الذي جعل الله عندما خلق الإنسان، أن يقول {نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا.. وخلق الله الإنسان على صورته…} (تك26:1ـ27). وهذا الخلق على صورة الله يشرحه القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة بأن الله بهذا الخلق [أعطى نصيبًا للبشر في قوة كلمته ـ يسوع المسيح ربنا ـ لكي يستطيعوا ولهم نوع من انعكاس الكلمة فيهم أن يبقوا في السعادة أبدًا ويحيوا الحياة الحقيقية حياة القديسين في الفردوس] (تجسد الكلمة فصل3 فقرة3).
وهكذا يكشف لنا القديس أثناسيوس الغاية العالية جدًا، التي قصدها الله في خلقه للإنسان. ويوضح القديس أثناسيوس بعبارات أخرى هذه الامكانية الإلهية المعطاة للإنسان بخلقه على صورة الله فيقول: [أن الإنسان بسبب خلقته على صورة الله الكائن كان ممكنًا أن ينجو من الفساد الطبيعي ويبقى في عدم فساد لو أنه أحتفظ بتلك الصورة بإبقاء الله في معرفته… ولأن الإنسان كان في عدم فساد كان ممكنًا أن يعيش كالله منذ ذلك الوقت. وأظن أن هذا هو ما يشير إليه الكتاب الإلهي عندما يقول {أنا قلت إنكم آلهة وبنى العلي كلكم لكن مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء تسقطون} (مز6:82، 7)]. (تجسد الكلمة 6:4).
فالحياة الأبدية مع الله أي الإتحاد بالله هي إذًا الهدف من خلقتنا نحن البشر. ولذلك فإن هذه الحياة مع الله إلى الأبد أي حالة الاتحاد بالله هي أيضًا الغاية النهائية والعظمى التي من أجلها كان لابد أن يتجسد ابن الله يسوع المسيح لكي يتمم ويكمل خلقتنا لنصل إلى الإتحاد الكامل به الذي لا يقبل انفصالا فيما بعد!
ولكن بعد أن انفصلنا عن الله وفقدنا الشركة معه منذ سقوط أبوينا الأولين آدم وحواء. صار تجسد ابن الله لكي يشفى أولا فساد طبيعتنا الساقطة بالموت والقيامة ثم يوصل إلينا الحياة الإلهية مرة ثانية بواسطة جسده المتحد بلاهوته اتحادًا بغير انفصال ولا اختلاط ولا تغيير.
طريق الإتحاد:
كما علمنا المسيح أنه هو الطريق الموصل إلى الآب أن قال {أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي} (يو6:14). وقال أيضًا للتلاميذ {لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم الآب أيضًا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه} وأيضًا {الذي رآني فقد رأى الآب} (يو7:14ـ 10).
فالاتحاد بالله الذي هو غاية الحياة المسيحية كلها، وهو تحقيق الملكوت الكامل، هذا الاتحاد يبدأ من الآن في صورة عربون عن طريق الإيمان بالمسيح الذي وحَّد الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية بتجسده من العذراء، وعن طريق اندماجنا في جسد المسيح بعمل الروح القدس في المعمودية يوصلنا لنهاية الطريق أي غاية الطريق، لأنه هو الطريق إلى الآب. وغير ممكن الوصول إلى الآب كما قال هو نفسه: {ليس أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له} (مت27:11) كما أن المسيح هو الباب الذي ندخل به إلى الآب (أنظر يو9:10).
فالاتحاد بالله أي نهاية الطريق، يبدأ منذ بداية الطريق، أي منذ الآن ونحن في الجسد على الأرض، ولكن يبدأ ليس بحالة كاملة بل في صورة عربون عن طريق عمل الروح القدس في حياتنا، فالاتحاد بالله موجود في المسيح منذ الآن.
فعندما نعرف المسيح الذي هو الطريق فإننا ننال عربون نهاية الطريق أي عربون الاتحاد بالله، فالروح القدس هو عربون ميراثنا (أف14:1)، لأن الروح القدس يجذبنا إلى المسيح، ويجعلنا نذوق المسيح ساكنًا في قلوبنا أي يجعلنا نذوق ميراثنا كعربون ــ والعربون يكون من نفس نوع الميراث ــ أي ميراث المجد الأبدي في الملكوت الكامل، لأننا نرى الآب في المسيح منذ الآن ونعرف الآب بالمسيح منذ الآن، كما قال الرب نفسه من رآني فقد رأي الآب، ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه.
وهكذا كما يقول القديس إيرينيئوس [بالروح القدس نأتي إلى المسيح الابن وبالابن نصل إلى الآب] (ضد الهرطقات 2:36:5).
فالغاية هي الاتحاد بالله، والطريق هو يسوع بالروح القدس. فالنهاية موجودة في البداية. لأن الآب موجود في الابن {أنا في الآب والآب في} (يو10:14). فعندما نجد المسيح نجد الآب فيه أي نجد الملكوت فيه.
الحصول على الإتحاد بالله كعربون منذ الآن ضروري لأجل أن نعيش الحياة المسيحية ونحن على الأرض. فالإنسان لا يستطيع أن يحب الله بكل قلبه وبكل قوته وبكل فكره، ولا أن يحب قريبه كنفسه، ولا أن يحب أعداؤه حسب وصية المسيح بدون أن ينال الاتحاد بالله كعربون في داخله منذ الآن. فكما يقول معلمنا بطرس الرسول أنه قد {وهب لكم المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة} (2بط4:1). فالشركة في الطبيعة الإلهية هي التي تهبنا القوة الإلهية التي بها نهرب من الفساد الذي في العالم.
هذه الشركة تحدث منذ الآن بالإيمان بالمسيح والمعمودية باسمه، فنسلك في جدة الحياة (رو4:6).
وهذه الشركة تتحقق أيضًا بالإفخارستيا فنتحد بالمسيح ونصير معه واحدًا [تؤلفنا بك بواسطة تناولنا من أسرارك الإلهية] (القداس الإلهي) إذ أننا بالتناول «نكون في المسيح ويكون المسيح فينا» وتكون «لنا حياة أبدية» منذ الآن (يو54:6ـ 56).
وهذه الشركة تتحقق أيضًا بالصلاة، فنتحد بالمسيح بالحب والصلاة {من التصق بالرب فهو روح واحد} (1كو17:6).
الثبات في المسيح: لكي نسير في الطريق إلى الاتحاد بالله لا بد أن نكون ثابتين في المسيح، أي ثابتين في محبة المسيح، لأننا بالالتصاق بالمسيح نصيرا روحًا واحدًا معه {من التصق بالرب فهو روح واحد} (1كو17:6).
كل عمل نعمله حبًا في المسيح يثبتنا في المسيح. {ان حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي} (يو10:15).
عمومًا لا يمكن الوصول إلى نهاية أي طريق إلا بالسير في الطريق المؤدي إلى النهاية.
ولكي نصل إلى الإتحاد بالله الذي هو غاية الحياة لابد أن نسير في الطريق ـ أي نوجد في المسيح وتتحد به منذ الآن.
الخلاصة أن الحياة الجديدة تتم على أربعة مراحل:
1- الإيمان بالقلب والاعتراف بالفم بقبول المسيح.
2- معمودية الماء والروح لكي نموت مع المسيح ونقوم معه لا بالإيمان فقط بل بالفعل السري بعمل الروح القدس في سر المعمودية.
3- الإتحاد بالمسيح في الإفخارستيا، ليس بالإيمان والنعمة فقط، ولكن اتحاد حقيقي على مستوى الجسد المادي في ناسوت المسيح.
4- الثبات في المسيح بحفظ وصاياه لئلا بعدما بدأنا بالروح نصير مرفوضين ونقطع من الكرمة، ويمحى اسمنا من سفر الحياة.
فالكلمة الذي حل في بطن العذراء صار هو الإنسان الجديد الرب يسوع المسيح، وباتحادنا بهذا الإنسان الجديد نصير خليقة جديدة، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في، ويصير الإنسان في هذه الحالة مسيحا، لا بمعنى أنه مساوي للمسيح بل بمعنى أنه في المسيح واحدا فيه: {لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا}.. {إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ}. ولا يأتي إلى الدينونة: {إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ.} وله فكر المسيح {وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ} ويعمل كل أعمال المسيح بل وأعظم منها {الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا} لأنه في هذه الحالة سيكون المسيح هو العامل فيه وبه {وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ}.
وبالإجمال أن نلبس المسيح {بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ} وأن نسلك فيه {فَكَمَا قَبِلْتُمُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ الرَّبَّ اسْلُكُوا فِيهِ} والسلوك في المسيح يعني أن تكون أفكارنا وأفعالنا ومشاعرنا نابعة من المسيح الساكن فينا، أو الحي فينا.
هذا هو معنى الإنسان الجديد والخليقة الجديدة وكيف تصير مسيحا على الأرض._