يرى الفيلسوف الفرنسي "جان لاكروا" أنَّ الصلاة حوار. الصلاة حوارٌ مع الذات، أو حوارٌ مع الله. إنّها في الحقيقة أقصى درجات الكمال والعطاء، والتطوّر الداخلي والخارجي. كلُّ شخصٍ يُصلّي في عُمق وجدانه، ولو لم يُبتهِل إلى الله أو حتى إلى الآخرين. إنّه يُصلّي في نفسِه ولنفسِه وشخصِه الخاصّ. مثلُ الصلاةِ الشخصيّة هذه تعني المساءلة والشكّ …
يرى الفيلسوف الفرنسي “جان لاكروا” أنَّ الصلاة حوار. الصلاة حوارٌ مع الذات، أو حوارٌ مع الله. إنّها في الحقيقة أقصى درجات الكمال والعطاء، والتطوّر الداخلي والخارجي. كلُّ شخصٍ يُصلّي في عُمق وجدانه، ولو لم يُبتهِل إلى الله أو حتى إلى الآخرين. إنّه يُصلّي في نفسِه ولنفسِه وشخصِه الخاصّ. مثلُ الصلاةِ الشخصيّة هذه تعني المساءلة والشكّ في النفس، من أجل الوصول إلى مصدر النفس النهائيّ.
الصلاةُ الحقيقيّة هي الوحدةُ والشركةُ في الوقتِ نفسه، إذ إنّ الوحدةَ ليست العُزلة. الصلاةُ محبّة، وفي الوقت نفسه تعزيزٌ متبادلٌ في مقامِ الذات ومقامِ الآخر. بمعنًى آخر، الصلاةُ للآخر تعني أن نطلبَ منه شيئًا ما، ولكنّ معنى هذا الطلب هو الرغبةُ فيه والاعترافُ به بما هو آخر. الدعاءُ للآخر يعني أن نعتبره موضوعًا، فنُحبَّه محبّةً تستصفي شخصَه نفسَه. إذا كانت المعرفةُ تُبلّغنا العموميّات من الحقائق، فإنّ الحبَّ لا يعرف إلّا ما هو فريد.
إنّ حبَّ الآخر والصلاةَ للآخر لا يعنيان على الإطلاق الخضوعَ لشخصِه، بل الاجتهادَ في ترقيتِه وسموِّه. حبُّ الآخر معاناة، إذ إنّه يُدمِّر الأنانيّة في النفس، وبالتالي يفتح الطريقَ للآخر.
أمّا الحوارُ الأبلغُ والأعمقُ والأكمل، فحوارُ الإنسان مع الله. يؤمن لاكْروا أنّ للمسيحيّة إلهَ المحبّة يُصلّي للإنسان، كما إنّ الإنسان يُصلّي له. يطلب الإنسانُ إلى الله، فيستجيبُ الله منشئًا الحوارَ البليغَ بينهما، ذلك بأنّ الله يُريد الإنسان حرًّا.
من أجل ذلك، يَهَبُ ذاتَه وهبًا مجانيًّا في شخصِ السيّد المسيح. آلامُ المسيح صلاةُ الله إلى الإنسان. ومثلُ هذه الصلاة عودةٌ إلى مصدرِ الحرية ومصدرِ القلب. الإنسانُ الذي يُصلّي في الصمتِ ورهبةِ السرّ إنّما يُدركُ الشركةَ مع الله ومع ذاتِه في الوقتِ نفسه.
لذلك يتجلّى المسيح، في يقينِ لاكروا الإيمانيّ، كلمةَ الله المتجسّدة، تكشفُ لنا الله، ومن خلاله تُؤسّس الحوارَ الحقّ بين الله والإنسان. المسيحُ وحدَه حبُّ الله وحبُّ الآخر. فيه يكتشفُ المسيحيُّ مصدرَ كيانِه الشخصيّ، وسبيلَ إدراكِه الأقوَم.
ومن ثمّ، فإنّ المسيح، إذ يُجسِّد الأقنومَ (الشخص) الثاني من الثالوث، يغدو الوسيطَ الذي تتّحدُ فيه المحبّةُ والصلاةُ بالإنسان، على نحوٍ ما تتّحدُ بالله.