يطرح اللاهوت المسيحي سؤالًا جوهريًا:هل الصليب مجرّد إعلان عن محبة الله للبشرية فقط، أم أنّه فعل فداءٍ حقيقيّ وتحولٌ وجوديّ في الطبيعة الإنسانية؟نجد جواب هذا السؤال بوضوح في قول الرسول بولس: «الذي لنا فيه الفداء بدمه، غفران الخطايا» (أفسس 1:7) لا يقصد الرسول بولس هنا أنّ الابن هو فقط وسيلة الفداء، فهذا أمر بديهيّ، بل …
يطرح اللاهوت المسيحي سؤالًا جوهريًا:
هل الصليب مجرّد إعلان عن محبة الله للبشرية فقط، أم أنّه فعل فداءٍ حقيقيّ وتحولٌ وجوديّ في الطبيعة الإنسانية؟
نجد جواب هذا السؤال بوضوح في قول الرسول بولس:
«الذي لنا فيه الفداء بدمه، غفران الخطايا» (أفسس 1:7)
لا يقصد الرسول بولس هنا أنّ الابن هو فقط وسيلة الفداء، فهذا أمر بديهيّ، بل الأعمق من ذلك هو أنّ فداءنا نفسه هو فيه.
الفداء (ἀπολυτρώσεως apolýtrōsis) بحسب الرسول، ليس مجرّد تحريرٍ أو انعتاقٍ، بل هو أيضًا عملية اقتناءٍ واستعادةٍ للإنسان من خطيئته ومن موته.
لكن إلى ماذا تتم هذه الاستعادة؟ وإلى أي كينونةٍ وهويةٍ نُعاد؟
الجواب هو: استعادتنا هي في الابن.
فالابن يستعيدنا فيه، لنكون لا بعدُ آدميين، بل مسيحيين (1 كورنثوس 15:22).
الابن يستعيدنا بنفسه، وفي نفسه، وإلى نفسه.
فداؤنا هو نقلُ جذرنا من آدم الأول إلى المسيح، آدم الجديد، فهو قد صار رأسنا وجذرنا الجديد.
لكن قد يُطرح السؤال:
لماذا كان الفداء بدمه تحديدًا؟
لماذا لم تكن الاستعادة بكلمةٍ أو أمرٍ إلهيٍّ فقط؟
ولماذا لم يكن الصليب والفداء مجرّد مشاعر يعبّر بها الله عن محبته لنا وحسب؟
إنّ الفداء هو تحوّل وجوديّ حدث في الطبيعة البشرية، لا مجرّد تعبيرٍ عن المحبة.
عندما تجسّد المسيح، أخذ في ذاته عجينة الطبيعة البشرية، وبصليبه وموته، ماتت فيه الطبيعة القديمة بضعفها ولعنتها وترابيتها، وبقيامته أقامنا معه بطبيعةٍ جديدةٍ في جدة الحياة.
لذلك، فموت المسيح وقيامته هما عملية فدائنا ونقلنا كموتى من القديم (آدم) إلى الجديد (المسيح).
وهكذا، لم يكن الفداء والاستعادة ليتمّا إلا بالموت والقيامة.
يقول القديس كيرلس الإسكندري:
«قد جاء لكي يُقاد إلى الذبح لأجل الكل، لكي يرفع خطية العالم… وعندما يموت عن الكل، يُبيد الموت ويُبطل اللعنة التي لحقت بنا، ويضع حدًا لما قيل: لأنك ترابٌ وإلى التراب تعود. وبهذا يصير آدم الثاني ليس من ترابٍ بل من السماء، ويصبح بداية كل الصالحات للطبيعة الإنسانية، ومحرر الإنسان من الفساد الداخل عليه، ومانح الحياة الأبدية، وأساس المصالحة مع الله، وبداية التقوى والبر والطريق إلى ملكوت السموات… لقد كنا مستعبَدين لخطايا كثيرة، خاضعين للفساد والموت، فأعطانا الآبُ ابنَه فداءً عنا، الواحد عن الكل، لأن الكل فيه وهو فوق الكل. واحد مات عن الكل لكي يحيا الكل فيه. لقد ابتلع الموتُ الحملَ الذي كان ذبيحةَ خطيةٍ عن الكل، لكن الموت تقيّأ الحملَ ومعه الكل الذين فيه، لأننا جميعًا في المسيح الذي بسببنا ولأجلنا مات وقام…»
(شرح إنجيل يوحنا للقديس كيرلس الإسكندري، الجزء الأول، ترجمة مركز الدراسات الآبائية، ص 152–153)
واستخدام الإنجيل لكلمة الدم (αἷμα haima)، لأنّ الدم يحمل هذين البُعدين معًا: الموت والحياة.
فدم المسيح الذي أهرقه على الصليب هو موته، وهو أيضًا حياته.
وفي دم المسيح يلتقي العدل والرحمة:
العدل في موت آدم الأول الذي فسد وحُكِم عليه بالموت، والرحمة في قيامة آدم الثاني وقيامتنا فيه.
ما نستحقه بعدلٍ أخذه المسيح في نفسه بموته، وما لم يكن لنا من حياةٍ، أعطانا إياه المسيح برحمته في قيامته.
وهكذا نرى أنّ الدم هو المحور في عملية فدائنا، وفيه وحده كل خلاصنا، لأنه يحمل إلينا موت وحياة المسيح وشركتنا في موته وقيامته.
وفي قول الرسول بولس:
«الذي لنا فيه الفداء بدمه، غفران الخطايا»
يتّضح أن الغفران ليس مقابل الدم كما في المعاملات التجارية، بل الغفران الذي نناله هو تطهيرنا وتجديدنا بالحياة الجديدة التي نلناها في المسيح، والتي ابتلعت موتنا وخطايانا.
فتصير رحلة توبتنا وجهادنا الروحي رجوعًا إلى تلك الحياة الجديدة التي وُهبت لنا بدم المسيح، أي بموته وقيامته.
ومن شواهد متعدّدة في الإنجيل، نرى وجود علاقةٍ بين الروح والدم (1 يوحنا 5:8)، لأنّ كليهما يُعطي الحياة (مع الماء أيضًا كما سنرى).
وكما أنّ الدم يفتدينا (أفسس 1:7) بالحياة الجديدة التي يقتنينا إليها بموت وقيامة المسيح لأجلنا، كذلك الروح القدس هو عربون فداء المقتنى (أفسس 1:14) بالحياة الجديدة التي يلدنا بها لله الآب في موتٍ وقيامة معموديتنا.
لذلك، لم يكن الفداء ممكنًا بدون موتٍ وقيامةٍ حقيقيَّين، لأنّ التحوّل الوجودي للطبيعة البشرية لا يتم إلا بعبورٍ فعليٍّ من الموت إلى الحياة، لكي تعبر طبيعتنا من الفساد إلى الحياة، ومن الترابية إلى الاتحاد بالله، ومن البنوة لآدم إلى البنوة للآب في المسيح يسوع.
وما نمارسه في الكنيسة من الأسرار هو دخولنا إلى عمق هذا التدبير الإلهي:
ففي المعمودية، ندخل إلى سرّ الفداء ونأخذ نصيبنا منه، فنموت عن القديم ونقوم إلى الجديد.
وهنا يتّضح دور الماء في كشف العلاقة بين الدم والروح والماء (1 يوحنا 5:8) في عملية تجديدنا وفدائنا.
موتنا وقيامتنا بالروح والدم والماء ليست على سبيل التشبيه، بل على قياس الحقيقة — حقيقة موت وقيامة المسيح.
وفي الإفخارستيا، نتّحد بذبيحة المسيح التي قُدّمت مرةً واحدة بروحٍ أزليّ، وهي باقيةٌ معنا بفعلها الحيّ إلى الأبد، لنأخذ منها في كل مرة قوة موته وقيامته لأجلنا.
وهكذا تكون الأسرار جميعها بوابة الدخول بالإيمان إلى عمق تدبير الثالوث، لننال من خلالها قوة صليب وموت وقيامة المسيح.
يتّضح إذن أنّ الفداء، بحسب اللاهوت الرسولي والآبائي:
-
ليس مجرد إعلان رمزيّ عن المحبة الإلهية،
-
ولا معاملة تجارية بين الله والإنسان،
-
بل هو تحوّل أنطولوجي (وجودي) للطبيعة البشرية في المسيح، يتحقق بموتٍ وقيامةٍ حقيقيَّين، ويُعاش سرائريًّا في حياة الكنيسة.
المجد للثالوث الإلهي الحيّ الذي خلّصنا، بمسرة الآب، ونعمة الابن الوحيد، وشركة الروح القدس. آمين.







التعليقات
Marina Mokhlis
جميل ..شكرا💓