مفهوم التقليد ، من ضمن مفاهيم كتير تم فصلها عن سياقها المسيحي وشرحها بمعزل عنه ، بل ونقدها بناءً علي مفاهيم مُشوهة اُلحقت بيها ، كلمة تقليد في الفهم الشعبي بتُتَرجم احياناً ( عادات بشرية قديمة موروثة ) اقرب للفلكلور الشعبي او التراث .. هميل في هذا المقالات دي للتعبير عن حقيقة التقليد الأرثوذكسي في …

مفهوم التقليد ، من ضمن مفاهيم كتير تم فصلها عن سياقها المسيحي وشرحها بمعزل عنه ، بل ونقدها بناءً علي مفاهيم مُشوهة اُلحقت بيها ، كلمة تقليد في الفهم الشعبي بتُتَرجم احياناً ( عادات بشرية قديمة موروثة ) اقرب للفلكلور الشعبي او التراث .. هميل في هذا المقالات دي للتعبير عن حقيقة التقليد الأرثوذكسي في الكنيسة او توضيح ملامحه ، وبدون وضعه في مفهوم او تعريف يحدده ، في اضيق الفرص يعني .

في سؤال مهم واساسي ؟ هل في صراع ما بين التقليد والكتاب المقدس ؟ هل هما قطبين متباعدين للحقيقة ؟
في نقاط سريعة : مبدأ الإلتزام بالكتاب المقدس وحده ” sola scriptura ” وده احد المبادئ الأساسية اللي أرستها حركة الإصلاح في القرن ١٦ واللي جاءت كرد علي تحول الكنيسة الكاثوليكية لمؤسسة تمارس سُلطة تعسُفية علي النص الكتابي ، وعلي بعض التوجهات العلمية والفلسفية تباعاً .

الفصل اللي تم مابين الكتاب المقدس والتقليد هو نِتاج غربي ، لما قررت حركة الإصلاح المُضاد اللي قامت بيها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية لمواجهة المبالغة في الإلتزام بالكتاب المقدس وحده ، والفصل ده في الحقيقة هو مأزق وضعوا انفسهم فيه لما قرروا ينزلوا علي ارضية المُجادلين البروتستانت ويدخلوا اللعبة بنفس قوانينهم ..

مجمع ترنت للكنيسة الكاثوليكية (١٥٤٥-١٥٦٣) بيتكلم عن مصدرين للإيمان ( الكتاب المقدس والتقليد ) لكننا مش بنجد اي ذكر لهذا الفصل مابين الكتاب المقدس والتقليد كأقطاب مختلفة في الكنيسة الأولي او اللاهوت الأرثوذكسي الحالي ما عدا الكتابات المتأثرة
بالفكر الغربي (١)
الكتاب المقدس اصبح بالنسبة لقادة الإصلاح البروتستانتي له كيان خاص مقابل الكنيسة ولاهوتها ، واللي استتبعه تعاليم جديدة عن الوحي الحرفي بمفهوم التنزيل ، تتحول بموجبها كلمة الله الحية بالروح القدس في الكنيسة ” جسد المسيح ” الي قاعدة مطلقة لحرفية الكتاب ”

لما قررت حركة الإصلاح عزل سُلطة الكنيسة وبالتبعية سلطة البابا وعصمته ، وتجليس النص الكتابي علي العرش ، اتقلب الوضع ، واعادت انتاج سلطة فردية لكل مؤمن سلطة تفسيرية خاصة ، خلقت سوق من التاؤيلات والتفسيرات ..
الفردانية جاءت كتطرف عكسي وهو اسقاط حداثي علي الإيمان ، ضد الجامعية وضد الوحدة وضد مفهوم الكنيسة نفسه كجسد للمسيح ، بدل استعادة مفهوم الكنيسة الأصيل ، اخرجت الكنيسة من الإطار .

في رد مجمع ترنت ، إعتراف ضِمني بإن واقع التقليد مُغاير لواقع الكتب ، كأنه مبدأ خارجي او إضافة بالنسبة للكتاب المقدس ، بدل ما تكون الفرضية الأساسية للكتب المقدسة وتماسكها الأساسي هو النَفَس الحي للروح القدس في للتقليد اللي بيسري في الكنيسة .. النفس الحي اللي بيحول حروف الكتاب “لجسد واحد للحقيقة” بحسب تعبير فلاديمير لوسكي .

وجد المدافعون عن التقليد انفسهم مضطرين لإثبات ضرورة توحيد واقعي الإيمان ” الكتاب المقدس والتقليد ” بأنهما واقعين متجاورين ، كل منهم غير كافي بمفرده ، ومن هنا نشأت سلسلة من المشاكل الزائفة زي اولوية الكتاب المقدس ولا اولوية التقليد ، وسلطتهم النسبية ، وكأنهم مصدرين مختلفين للوحي نفسه .. للحقيقة نفسها . بيتحول التقليد هنا لمجموعة تقاليد بشرية ، ارشيف تاريخي للكتاب المقدس .. بالتأكيد مش هو ده التقليد الحي اللي بتتكلم عنه الكنيسة ..
بكده ممكن نأسس في المقالات الجاية لوصف التقليد الحي للكنيسة ، مش بحسب ما رفضوه قادة الإصلاح وعبرت عنه الكاثوليكية في العصور الوسطي في المقابل ، لكن من واقع التقليد الحي والمعاش للكنيسة نفسه.
يُتبع ..
______________
١- يوحنا كرافيذوبولس – دراسة عن التقليد الأرثوذكسي في التفسير والمناهج الحديثة للبحث في الكتاب المقدس – جامعتي تسالونيك والبلمند.
٢- الكنيسة الكاثوليكية في وثائقها ، منشورات المكتبة البولسية – الجزء الأول ص ٣٨٥

التعليقات

  1. صديق

    2025-08-02 at 9:00 م

    ما أجمل هذا الطرح العميق الذي يُعيدنا إلى الجذور الحيّة لإيمان الكنيسة الأولى، حيث لم يكن هناك صراع بين التقليد والكتاب، بل كانا ينطقان بصوت واحد: صوت الروح القدس الساكن في جسد المسيح، الكنيسة.

    فالكتاب لم يُعطَ للكنيسة كوثيقة جامدة، بل ككلمة حية تتغذى وتتجلى في حياة الكنيسة. كما يقول الرسول بولس:
    “فاثبتوا أيها الإخوة وتمسكوا بالتعاليم التي تعلمتموها، سواء كان بالكلام أم برسالتنا” (2 تسالونيكي 2: 15) — فها هو التقليد الرسولي يُقرن بالكلمة المكتوبة، كجناحين يرفرف بهما الإيمان الحق.

    إنها ليست تقاليد بشرية باهتة، بل “وديعة الإيمان” (1 تيموثاوس 6: 20) التي أوكلها الرب للكنيسة لتحيا بها وتُسلمها حيّة، كما تسلمها الرسل من الرب نفسه، لا مجرد نصوص بل حياة، لا حرفًا بل روحًا.

    التقليد والكتاب ليسا طريقين متوازيين، بل نهر واحد ينبع من الروح، يسري في جسد الكنيسة

    Reply
    • أبانوب أيمن

      2025-08-02 at 9:06 م

      اشكرك يا استاذ ارميا علي اهتمامك ، هتبسط لو حضرتك تابعت باقي السلسلة ، شكرا علي تعليقات حضرتك الثّريَة ..🌷

      Reply

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *