كُتب العهد القديم علي فترات ، ومع تمييزنا ما بين للفهم الإسلامي للوحي بكونه تنزيل او إملاء بشكل آلي / سلبي ، واعتمادنا علي التعبير الأساسي عن الوحي كشركة بين الله والإنسان "سنيرجيا" ، فاحنا نؤمن ان الكتب المقدسة ومنها اسفار العهد القديم كُتبت من اشخاص محتفظين بشخصيتهم الكاملة ، عاملين مع الله بحسب حريتهم …
كُتب العهد القديم علي فترات ، ومع تمييزنا ما بين للفهم الإسلامي للوحي بكونه تنزيل او إملاء بشكل آلي / سلبي ، واعتمادنا علي التعبير الأساسي عن الوحي كشركة بين الله والإنسان “سنيرجيا” ، فاحنا نؤمن ان الكتب المقدسة ومنها اسفار العهد القديم كُتبت من اشخاص محتفظين بشخصيتهم الكاملة ، عاملين مع الله بحسب حريتهم في قبول دعوتهم ، وفي محاولات لجعل الحقيقة الإلهية اللي انارت معرفة الله في قلوبهم قريبة من لغة الإنسان المعاصر في زمانهم اختار كل واحد منهم بحسب مستواه الثقافي الشكل اللغوي والوسيلة التعبيرية اللي يخاطب بيها الشعب وينجح في مهمته كنبي ووسيط لإعلان الله عن ذاته وتدبيره للأمم .
الحقيقة الإلهية مش هي الوسيلة التعبيرية القديمة ذاتها ، مثلاً في سفر المزامير وفي مواضع مختلفة في العهد القديم بنلاقي آيات كتير بتعبر عن ان الظواهر الطبيعية زي البرق والرعد والزلازل هي اصوات الله وهو اللي بيصدرها بكلمته ، لو هنحط الكلام ده في سياقه التاريخي هنفهم ان الخلفية الذهنية السائدة وقتها بتتصور ان كل عنصر من عناصر الطبيعة وراه إله بيتحكم فيه ، الرياح تهب لأن إله الريح يُطلقها ، وتهدأ لإنه يُلجمها والبحر يهتاج لما إله البحر يكون غاضب ويهدأ بسكون غضبه ، وقتها مكنش فيه ادراك لمفهوم نواميس او قوانين الطبيعة لأن ده مفهوم حديث ظهر في بداية القرن ال ١٧ ، لكن هنا في آلهة وليها إرادة .. وما علي البشر إلا إستمالة الآلهة لصالحهم بالذبائح والقرابين لئلا تؤذيهم ، البشرية مرت بمراحل طفولة كانت فيها بتنسب لحركات الطبيعة زي الزلازل والبراكين إرادة إلهية ، شبه ذهنية الطفل وهو بيعتقد ان الغيوم رايحة مكان تمطر فيه والشمس بتطلع الصبح وتروح بيتها في الغروب .. الشعب اليهودي اختلط مع شعوب كتير وثنية بتؤمن بتعدد الآلهة وبتنسب لكل إله عنصر من الطبيعة ، علشان كدا خاطبهم الله وقالهم ” اسمع يا اسرائيل ، الرب إلهك إله واحد ، لا يكن لك آلهة اخري امامي ” هنا التوحيد جرد قوي الطبيعة من سلطانها المزعوم .. علي الرغم من او بيوجد سؤال آخر عن صلاح الله في وسط الحروب والقوي الطبيعية والشر .. مسيرة إخلاء ، بيرتقي فيها الله بذهن الشعب تدريجياً نحو حقيقة إنه الإله الحي الحقيقي وكل آلهة الأمم هي اختراعات وتصورات بشرية مؤلهة .
اما اعتبار الشمس والقمر والبحر والرياح مجرد مخلوقات واختفاء التصورات دي بالكامل متحققش بسهولة ، لحد النهاردة معظمنا عنده التصورات دي و بيسقطها علي الله !
ده مينفيش رعاية الله لشعبه ومحبته وعبوره بيهم من الموت للحياة .. لكن تعبيرهم عن الله بإسلوبهم تآثر في الوقت ده بالذهنية السائدة .. اللي لازم نميزها واحنا بنقرأ العهد القديم .
– رموز العهد القديم كمشاركة اولية للحقيقة الإلهية ، استعلان تدريجي للخلاص
“كتب العهد القديم التي كُتبت علي مدي عدة قرون ، من قِبل مؤلفين مختلفين ، جمعوا في كثير من الاحيان ودمجوا تقاليد دينية مختلفة ، لا تملك سوي وحدة عرضية وسطحية لعيني مؤرخ الأديان ، وحدتها مع العهد الجديد ستكون مصطنعة وغير طبيعية ، لكن ابن الكنيسة – الذي نال موهبة و شركة الروح – سيكون قادراً علي التعرف علي وحدة الإلهام وموضوع الإيمان الفريد في هذه الكتابات غير المتجانسة ، التي نسجتها بلغة الأنبياء ” انفاس” الروح القدس “(1)
اذا كان خلاص البشرية وارتقائها ، باستعلان الله وتأسيس الكنيسة والدخول في شركة الحياة الإلهية هو الغاية العليا والتدبير الأزلي المحتجِب في اعماق العهد القديم كرموز واللي بيجد استعلانه وكماله في شخص المسيح الإبن المتجسد .. ازاي نقرأ هذه الرموز و ازاي نكتشف تجليات هذا الفعل الخلاصي في مراحله الأولي في العهد القديم ؟
فهمنا للرمز في العهد القديم المفروض يتجاوز كونه اداة تعليمية الي كونه ” استعلان جزئي او مشاركة اولية في الحقيقة الإلهية نفسها” (٢) ، لأن الله كان حاضر وفاعل في التاريخ يهيئه ويربيه ويكشف له الحقيقة تدريجياً ، الرمز هو تحضير فعلي للحقيقة ، اعلان عن التدخل او الكشف الإلهي ، وفهم الرموز مش بيتم خارج الغاية والتحقق الفعلي في الإعلان الكامل ليها اللي هو المسيح والكنيسة .
اي استخدام رمزي خارج الإطار الخريستولوجي ( المسيح والكنيسة) هو موجه بهدف الواعظ نفسه ومرتبط غالباً بآرائه وتخيله .. بالتالي استخدام الرموز في الشرح مينفعش يكون بالحرية والاعتباطية ؛ كمثال ، في التقليد الآبائي الكنيسة هي فلك نوح ولا خلاص خارجها اي لا خلاص خارج جسد المسيح ، خارج الإتحاد الإلهي الإنساني ، استخدام رمزية نوح والفلك بشكل عاطفي في عظة عن دخول السفينة قبل فوات الآوان بدون شرح لسر الكنيسة والعلاقة العضوية بينها وبين المسيح ( علاقة الرأس والجسد ) بيحول الرمز ( الفلك ) لقصة اخلاقية ، وبيفقده بعده الشخصاني الحقيقي في العهد الجديد ..
مثال تاني ، حدث عبور البحر الآحمر في قراءة الكنيسة وبولس الرسول هو المعمودية ، والمعمودية هي موت وقيامة مع المسيح ” أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ،
فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟
لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ.”
ده عمق الحدث الليتورجي .. موت وقيامة المسيح هي “حياة”حدث العبور اللي هو بمثابة ظل للحقيقة ، اما في الاستخدام السطحي توظف المعمودية كإشارة للغسل من الخطية والنقاوة ، بدون شرح المعني السرائري العميق اللي في المسيح .. ادخل الي الكنيسة وتعرف علي قرائتها ، كيف تري الكنيسة مريم والدة الإله في عليقة موسي ! كيف تري المسيح خبز الحياة في طعام المن في صحراء الخروج!
الرمز في العهد القديم مش مجرد اداة تعليمية او استعارة تشرح ذاتها وتفسر ذاتها كما يفعل بها المجمع اليهودي ، اي بمعزل عن الحقيقة المُعاشة في الكنيسة ، في اختراعات شخصية كتير نتجت عن سوء الاستخدام للرموز ، محتاجين نعيها لأجل التمييز مابين العهدين ، التمييز وتوضيح الرابطة العميقة مابين أسفار الكتاب المقدس ببعض ..
هكذا تقرأ الكنيسة العهد القديم ، تقرأه خريستولوجياً ، تكتشف المسيح اللوغوس ، ” نبع النبوات” بحسب ليتورجيا القداس الحبشي ، بل هو غاية النبوات وتحقُقها وجسده الكنيسة ” اورشليم الحقيقة “، اي فصل للإشارة الرمزية عن سرها الشخصاني ” المسيح والكنيسة جسده ” بيحولها لنص بلا حياة ، وثيقة تاريخية لا يجب قراءتها ولا استعارتها اصلاً في كنيسة المسيح ..
يُتبع
__________________
1 – in the image and the likeness of god , by vladimir lossky, chapter 8 [ tradition and traditions]
2 – الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد – الآب جورج فلوروفسكي
3- العهد القديم : اساطير العبرانيين ام كتاب الكنيسة – دراسة ل د. ميلتياذس كونستاندينو ، جامعتي تسالونيك والبلمند
4- فتات من نور – كوستي بندلي
5- كيف نقرأ قصة آدم وحواء اليوم – كوستي بندلي